العديد من الاضطرابات الوراثية تنتج عن التغيرات الجينية الموجودة في كل خلية في الجسم، وغالبًا ما تؤثر على وظائفها وتعطل إنتاج إنزيمات معينة، تلك التي تشكل خطرًا على صحة الأطفال المولودين حديثًا، أو على الجنين أحيانًا مما يؤدي للإجهاض.

الهندسة الوراثية Genetic Engineering

هي تغيير أو تعديل الحمض النووي DNA المنزوع الأوكسجين، إما بإعادة ترتيب مكونات المادة الوراثية أو بإدخال أجزاء إليها من كائن آخر أو حذف بعض من تركيبها أو مضاعفتها.

وبالمقارنة بين الهندسة الوراثية وطرق التناسل التقليدية، نجد أن الأولى تنقل يدويًا الجينات المطلوبة والمحدودة تقريبًا من مخلوق إلى آخر، بينما الطرق التقليدية تنقل الصفات غير المرغوب في تواجدها من الأبوين إلى الأبناء بشكل طبيعي.

كريسبر Crispr Cas9

تعمل عدة مجموعات حول العالم على تحرير الجينات في الأجنة البشرية، وذلك باستخدام طريقة كريسبر الثورية، الأسهل والأقل تكلفة والأكثر كفاءة ودقة.

البعض يدرس التطور الجيني مع الهدف النهائي لتحسين علاجات الخصوبة، ويهتم آخرون بإمكانيات تصحيح الأمراض الوراثية، بينما يستكمل في مخابر أخرى تطبيق استراتيجية كريسبر مع مواكبة الاكتشافات المتتابعة المتعلقة بالخلايا الجذعية، ويظن العلماء أنهم سيتمكنون من استخدام هذه الخلايا لإنتاج بويضات ونطاف في المختبر، حيث إن بعضها يوجد في الحبل السري، ويمكن تجميعها وتجميدها، ومن ثم استعمالها لاحقًا لتنمية الأعضاء والبويضات.

وعلى عكس الأجنة، يمكن للخلايا الجذعية أن تنمو وتتكاثر للحصول على حمض نووي معدل جديد، وأصبح من الممكن للنساء اللواتي تعانين العقم من إنتاج مئات البويضات وربما مئات الأجنة أيضًا، بعيدًا عن التلقيح الاصطناعي للإنجاب، وذلك بتفكيك سلاسل الحمض النووي لتحليل جيناتها، واختيار العلماء للجينات الأفضل واستبعاد السيئة منها.

في المستقبل القريب، سيستخدم التعديل الجيني لعلاج الأمراض الوراثية في العائلة الواحدة بمساعدة الخلايا الجذعية وتعديلها، للتأكد من خلو البويضات من الأخطاء قبل إنتاجها، كما سينفذ توليد أجنة من التلقيح الاصطناعي وزرع –فقط- تلك التي لا تحمل مرضًا وراثيًا كالتليف الكيسي مثلًا. والنتيجة هي قراءة الجينوم الخاص الأقرب للرغبات، في حين كلما ازداد عدد البويضات التي يمكن الحصول عليها بدا التشخيص الجيني قبل الزرع أكثر جاذبية.

وللتقليل من المشاكل التي تتعلق بسلامة تحرير الأجنة، وقبل أن يبدأ الحمض النووي للبيوضة الملقحة بالانقسام، وتتاح الفرصة إلى تطور المرض الذي من المفترض أن يتم منعه، يجري حقن البويضة الملقحة بجزيئات الحمض النووي الرايبوزي RNA المطلوب، وتقوم جزيئاته المختلفة بقطع سلاسل DNA في مواقع معينة، والذي يخضع بدوره إلى إصلاح طبيعي، فيدمر أو يبدل جينًا واحدًا أو أكثر، ويتم السماح للجين البشري بالنمو لعدة أيام حتى يصل لمرحلة المضغة، حيث يختبر DNA الجنين وتكوين التسلسل الحمضي النووي له، بغية معرفة ما إذا كان تبديل الجينات قد تحقق.

أثار نظام كريسبر جدلًا في كيفية اعتماده، وما زالت المخاوف من أن يصبح من أسلحة الدمار الشامل، ولأجل ذلك أصدرت أكاديميات العلوم والطب الوطنية (ناسيم) تقريرًا يبحث في آثار التكنولوجيات الجديدة ووضعت الأطر التنظيمية الأخلاقية في تعديل الجينات في الكروموسومات ضمن شروط، قبل تحريرالجينوم لتغيير الحيوانات المنوية أو البويضة أو الأجنة:

1- يستخدم تحرير الجينوم فقط لمنع مرض خطير أو حالة خطيرة، إذا لم توجد بدائل أخرى معقولة.

2- يقتصر الاستخدام -وبدون آثار جانبية- على تغيير الجينات التي ثبت بشكل قطعي أنها مسببة للمرض، أو مستعدة للإصابة به.

3- البيانات الموثوقة -قبل السريرية أو السريرية- تنطوي على الفائدة باستخدام هذه التكنولوجيا.

4- أن يخضع الشخص المشارك للرقابة المستمرة، مع التأكد من سلامة آثار التكنولوجيا على صحته.

5- وجود خطة شاملة طويلة الأمد ومتعددة الأجيال، مع احترام الاستقلالية الشخصية.

-6- إعادة تقييم الفوائد والمخاطر الصحية والاجتماعية بشكل مستمر، ومراقبة تطبيق التكنولوجيا إن تجاوزت الوقاية من مرض خطير.

تعديل الجينوم في عالم معولم

أعلن باحثون في بورتلاند Mit Technology Review أن المخاطر تكثر عندما يكون للتحرير الجيني آثار خارج الهدف وطويلة المدى، حيث إنه يخلق نوعًا من المفارقات بين الخلايا المعالجة وغير المعالجة، ومن الممكن أن يؤثر على تطور الجنين بطرق غير متوقعة، وطالما أن العلاج الجيني قادر على خفض الكوليسترول، أو تعزيز القوة البدنية في الشخص على سبيل المثال، فهذا لا يعني بالضرورة تعزيزه لتصميم الأطفال حسب الطلب، وضمن قائمة الأذكياء ومتذوقي الموسيقى، لأن هذه السمات تشمل عددًا كبيرًا من الجينات، ويستحيل تحديد الخيارات فيها عمليًا.

شهدت الأيام القليلة الماضية، دون أدنى تعليق من شوخرات ميتاليبوف، تعديلًا عبر تقنية كريسبر لعدد كبير من الأجنة في طورها الأول، وتم التخلص منها بعد بضعة أيام، لأنه لم يكن المقصود أبدًا نقلها إلى الرحم وزرعها للولادة.

يقول ميتاليبوف رئيس فريق جامعة أوريغون للصحة والعلوم، إن دمج الجينوم المعدل للأجنة مع الحيوانات المنوية لرجال يحملون طفرات المرض، كانت محاولة في تكوين شخص محرر جينيًا في أي لحظة، من خلال عيادات التلقيح الاصطناعي في البلدان التي تغيب فيها القيود القانونية.

وقد سبق ونشرت الأكاديمية الوطنية للعلوم الأمريكية (ناس) تقريرًا عن تحرير الجينوم البشري، والذي يتضمن تغيير جينومات الأجنة بطرق يمكن أن تمر عبر الأجيال القادمة بما يسمى تعديلات السلالة الجرثومية، وهذا ما يتطلب مناقشة مستفيضة وتفكير وهدوء خلال فترة غير محددة.

أخلاقيات وأمان

إن الإنجاز الذي قام به العلماء لا يعني بالضرورة أن تصميم الأطفال قاب قوسين أو أدنى، أو أن تحرير الجينوم في الأجنة آمن.

يصرح هنري غريلي، البروفسور في علم الجينات والأستاذ في جامعة ستانفورد في كاليفورنيا، للصحيفة البريطانية The Guardian :

إن التقدم التكنولوجي قد يجعل التصميم متنوعًا بصورة متزايدة خلال الأربعين أو الخمسين عامًا القادمة، وسوف نبدأ في رؤية تعديل الجين لإجراء تحسينات على الإنجاب مثل الشعر الأشقر والعيون الزرقاء ومهارات القراءة والحساب. ولا أعتقد أننا سنرى رجلًا خارقًا أو انفصالًا في الجنس البشري قريبًا، لأننا لا نعرف ما يكفي، ولا يحتمل أننا سنعرف ما يكفي قبل وقت طويل، أو ربما لن نعرف على الإطلاق.

ويضيف قائلًا:

لن يتخلى البشر عن فرصة التحكم في تطورهم بغض النظر عن النتيجة. هل سيجعل ذلك حياتنا أفضل وأكثر سعادة؟ لست متأكدًا على الإطلاق.

هل ستبقى هذه التكنولوجيا بيد الأثرياء، ويزيد السوء النسبي للحالة الصحية لدى الفقراء حول العالم؟

هل سيقود التلقيح الاصطناعي بجينوم معدل إلى إهمال اللجوء إلى الجنس من أجل الأطفال؟

هل سيتأثر الأهل بعروض شركات التلقيح، ويكون الأطفال موضوعًا للتجارب، ضمن عمليات تعديل وراثي، لا نعلم نسبة نتائجها الإيجابية؟

تتضارب وجهات النظر حول ضرورة تطبيق كريسبر، فيما إذا حمل الوالدان نسختين من الجين المميت، الذي سينتقل بالوراثة للأطفال، ومعارضة البعض في التخلص من الأجنة لأسباب دينية.

وربما نرى أن سهولة تناول هذه الثورة التكنولوجية سيجعل البشر في المستقبل عاجزين عن الاستغناء عنها، وبذلك قد يخسرون إمكانية نقل خصائص وراثية مهمة وأساسية عبر العملية الطبيعية من خلال الجينات التي تعتبر خاطئة بالمنظار الحالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

Report details Ethical ways to edit the human Genome
Editing human embryos is genetics' new battlegrounds
About that "First Gene_ Edited Human Embryos" Story
Designer babies; an ethical horror waiting to happen?
عرض التعليقات
تحميل المزيد