تنظيم الدولة المكنى

كتب الدكتور عزمي بشارة في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2018 في دورية «سياسات عربية» العدد 35، (الصفحات 7-13)، وهي مجلة محكّمة للعلوم السياسية والعلاقات الدولية والسياسات العامة، يصدرها كل شهرين المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات الذي يديره الدكتور عزمي بشارة بنفسه، كتب مقدمة لكتاب «تنظيم الدولة المكنى (داعش)»، ساهم بنفسه في كتابة الجزء الأول منه تحت عنوان فرعي: «إطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة»:

ما يثير الاهتمام والاستغراب في بحث الدكتور عزمي بشارة أنه لم يشر من قريب أو بعيد إلى اللعبة الاستخباراتية التي تحكم العالم اليوم، وأن الحكومات القائمة ليست سوى أدوات لتنفيذ هذه الألعاب الاستخباراتية القذرة في مجملها. فاحتار الدكتور في بداية بحثه عن كيفية فهم ظاهرة تكوّن «داعش»، فتساءل: «فهل يكفي تصنيفها بوصفها حركة سلفية جهادية، أو حركة تمرّد، أو حركة طائفية، أو ردّة فعل على الحداثة، أو ظاهرة من ظواهر الحداثة وليست ردّة فعل عليها فقط، كما يُصرّ بعض الباحثين؟ أم أن زوايا النظر هذه كلها قد تُغني عملية البحث في الموضوع».

وذكر الدكتور عزمي بشارة من أن المحللين السياسيين ومراكز البحث Think Tanks تنافست في «محاولة فهم التنظيم وخلفياته وبيئته وتاريخ نشوئه»، ولم يذكر لماذا حصل ويحصل هذا الاختلاف في فهم هذا التنظيم! إلا أنه ذكر أن بعض الباحثين يرى أن الاستبداد يسبب ظهور هكذا تنظيمات. وأضاف أن المحللين السياسيين ومراكز البحث لم تستطع تلبية حاجات «السوق الإعلامية» من المعلومات حول التنظيم. ونظرًا إلى عدم فهم هذا التنظيم يا دكتور من قبل الباحثين، بالتأكيد سيكثر «التأليف» بمعنى الكلام غير الموثق، وربما يكون هذا «التأليف» مقصودًا، عند الكثيرين منهم، لإثارة الغبار للتغطية على الحقيقة.

وذكر الدكتور الكثير من التفسيرات التي قدمها هو، أو مراكز البحث والمحللين، دون التوصل إلى نتيجة مقنعة له وللقراء. وللتدليل على حيرة الدكتور وزملائه من المحللين والباحثين الأكاديميين، أنه قال في الصفحة التاسعة من بحثه، وهو يحاول إيجاد صفات أو ربما مواصفات لـ«داعش»: «وهذا يستوجب تداخل في مناهج علم الاجتماع، والاقتصاد والعلوم السياسية، وعلم النفس، والتاريخ الاجتماعي، وتاريخ الأفكار، وغيرها». يا للهول، كل هذه العلوم لم تستطع تلبية رغبة الباحثين في تحديد هوية التنظيم! فأشفقت، والله، على الدكتور ومراكز البحث والمحللين السياسيين وهم يقضون أوقاتهم بعناء البحث عن معلومات أو جوانب محددة لفهم الظاهرة «الداعشية»، مما حدا به أن «يعترف» في الصفحة الحادية عشرة من بحثه: «نحن إذًا أمام ظاهرة مركبة، اجتماعية سياسية دينية، من الضروري تناولها من هذه الزوايا كلها إذا أردنا أن نفهمها ونصل إلى نتائج مفيدة». بالنسبة لي أعتقد أن الدكتور عزمي والمحللين ومراكز البحث والأكاديميين كانوا كمن يبحث عن نظارته ولا يدري أنه يلبسها!

ربما لم يقرأ الدكتور عزمي بشارة ما قاله Vincenzo Vinciguerra وهو أحد عملاء منظمة «غلاديو»، التي تعني «السيف» بالإيطالية: «عليكم أن تهاجموا المدنيين، الناس الأبرياء وغير المعروفين والبعيدين كل البعد عن اللعبة السياسية. والسبب بسيط جدًا: لإجبار الناس ليلجؤوا للدولة لطلب أمن أفضل». و«غلاديو» التي أسستها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي ايه) وحلف الناتو بعد الحرب الثانية للدفاع عن أوروبا فيما لو حصل غزو سوفيتي لها! وقتلت هذه المنظمة، التي لا تختلف أهداف تأسيسها عن أهداف تأسيس «داعش»، الكثير من الأبرياء لتتهم الشيوعيين.

ولا أدري أيضًا إن كان الدكتور قد اطلع، وهو الباحث، على الكثير من شهادات المثقفين والمفكرين والصحافيين المرموقين عن أصل «داعش» وفصلها، والأهم مهمتها، وسأذكر النذر اليسير منها فقط كي لا يطول بنا المقام ويتسرب الملل للدكتور والقرّاء! فهذا الدكتور ميشيل تشودوفسكي Michel Chossudovsky الأكاديمي الكندي البارز، والمؤلف يقول إن ما يُسمّى الحرب على الإرهاب ما هي إلا حجة لتوسيع السيطرة الأمريكية على العالم، وخلق نظام عالمي جديد. وتابع محذرًا: «إن الإرهاب مصنوع في الولايات المتحدة الأمريكية، وأن الإرهابيين ليسوا من إنتاج العالم الإسلامي. وأن الهدف هو شيطنة المسلمين في العالم الغربي وخلق الإسلام فوبيا». ويتابع تشودوفسكي أن أمريكا تجند الأعضاء للدولة الإسلامية، فيما تمول إسرائيل مجموعات جهادية في سوريا.

أما مارك تاليانو الكاتب في «الهيرالد تربيون الأمريكية» وموقع البحث العالمي Global Research في 17 فبراير (شباط) 2017: «إن استخدام الغرب لتنظيمات كالدولة الإسلامية (داعش) والقاعدة في محاولاته لتدمير سورية معروف، وموثق، ومثبت بشكل كافٍ»! ولكنه لم يضف العراق إلى سوريا!

وفي 30 مايو (أيار) 2017، قال المحاضر الشهير ومستشار المخاطر الاستراتيجية الأمريكي ويليام انغدال F. William Engdahl إن «سي آي ايه» قامت بعمل بالغ الغباء، وهو هجوم الدولة الإسلامية (داعش) في جزيرة مندناو الغنية بالمعادن جنوب الفلبين، في محاولة يائسة للبدء في تغيير النظام الذي يرأسه الرئيس الصريح رودريغو دوتيرتي Rodrigo Duterte.

وفي وقت مبكر جدًا من ظهور «داعش» عام 2014، قال الأستاذ الفخري لفلسفة العلوم في جامعة مينيسوتا الأمريكية البروفسور جيمس هنري فيتزر James Henry Fetzer: «إن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ما هو إلا عملية عسكرية غربية لإنشاء إسرائيل الكبرى». ولا أعتقد أن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب يتحدث جزافًا عن «داعش» عندما اتهم سلفه باراك أوباما بأنه مؤسس «داعش» مع هيلاري كلينتون.

وهذه تغريدة ترامب التي يتهم فيها أوباما بإرسال الأسلحة لـ «داعش»: «أوباما أرسل أسلحة عبر بنغازي إلى تنظيم الدولة الإسلامية، وهو يعرقل الشحنات إلى إسرائيل. ماذا يظن أنه يفعل؟».

ومهما يكن موقفنا من ترامب ومن مصداقيته، فإن «داعش» لم «تترعرع» وتأخذ حريتها، وتستولي على الحواضر المراد تدميرها في سوريا والعراق لصالح دول وجماعات معينة، إلا في عهد الرئيس أوباما.

وأسأل الدكتور عزمي أسئلة ما كنت أود أن أطرحها عليه: كيف استسلم الجيش العراقي لبضع مئات خرجوا لتوّهم من السجن، واستولوا على عتاد جيش كامل، واستولوا على البنك الحكومي الثاني في العراق ببضع ساعات؟! ألا يثير هذ الريبة يا دكتور؟ ربما الأغلبية الساحقة من الشعوب على ثقة بنسبة تفوق 99.99% بأن القصة مفبركة، وإلا بأي حجة سيدمرون الموصل عند «تحريرها»؟ وهذا ما حصل في الرقة السورية والكثير من الحواضر التي دمرت دون أن نرى جثث مقاتلي «داعش». أليس من العجيب أن كل التحالفات الدولية والإقليمية لم تستطع أسر قيادي من التنظيم وإجراء مقابلة تلفزيونية معه؛ ليعرف الناس من يموله ويمده بالأسلحة! ثم ألم تكن مسألة إسقاط طائرة الطيار الأردني معاذ الكساسبة وإعدامه بالطريقة الهوليودية باعثة على اليقين بمن هو تنظيم «داعش»؟!

على أن أهم مسألة تثير شكوك الخاصة والعامة هي التمويل والتسليح! من أين يأتي التمويل لـ«داعش» في العراق، وسوريا، ومصر، وليبيا، وأفغانستان، وأخيرًا الفلبين؟ لا شك أن التمويل يأتي من جهات ذات نفوذ عالمي كبير، إذ لا يمكن لأحد أن يحول دولارًا لشخص آخر إلا بعد مرور الحوالة على جمعية الاتصالات المالية العالمية بين المصارف «سويفت swift» التي تسيطر عليها أمريكا. ولكنهم يبررون التمويل بزعم أن «داعش» تحتل بعض حقول النفط، ونلاحظ أنه عندما تحتل «داعش» حقل نفطي يضج الإعلام بالخبر لتبرير التمويل! كيف يستخرجون البترول وكيف يسوقونه ولمن يبيعونه؟ ترى إجابات عجيبة!

ومرة أخرى أسأل الدكتور عزمي ومراكز البحث والأكاديميين: لماذا لا يهاجم «داعش» في أوروبا إلا المدنيين العزل على نهج منظمة «غلاديو»؟! ثم من نفّذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001؟ وهجمات 7 يوليو (تموز) 2005 في لندن؟ وهجمات باريس في نوفمبر؟ ثم هجمات لندن في مايو 2017، وهجمات برشلونة في أغسطس (آب) 2017؟ Cui Bono من المستفيد؟ وهجمات أخرى قادمة لترسيخ الإسلام فوبيا وتشويهه، ونهب خيرات العرب والمسلمين! وهنا اثنان من الفيديوهات التي قد تقنع مراكز أبحاثكم بالحقيقة التي لا يمكن أن يكونوا يجهلونها، جورج بوش الابن يقول إن 11 سبتمبر مكيدة منظمة an organized plot وكاد يقول مؤامرة، ولكنه تدارك الموقف ونطق فقط cons وهي conspiracy:

وبعد هذه الهجمات المفبركة على طريقة جوزيف ستالين، سنّ الكونغرس قانون The Patriot Act الذي يعطي أجهزة الأمن الأمريكية صلاحيات واسعة لتقييد حرية الشعب الأمريكي! وأذكر بما قاله جوزيف ستالين بهذا الخصوص: «إن أسهل الطرق للسيطرة على الشعب هي أن تنفذ أعمالًا إرهابية، فالناس تهلل لمثل هذه القوانين (قوانين تقييد الحرية) إذا تهدد أمنهم الشخصي».

أما الذي اشترى البرجين قبل 11 سبتمبر بأقل من شهرين، وأمّن عليهما بـ5 مليارات دولار ضد «الإرهاب»، الملياردير اليهودي لاري سيلفرستين Larry Silverstein فأجوبته على أسئلة المذيع تشارلي روز «أين كنت صبيحة 11 سبتمبر» فكانت توحي بالحقيقة التي لم تكتشفوها أنتم ومراكز بحثكم وأكاديميوكم:

وفي هذا الرابط إشارات واضحة على أن «داعش» صناعة أمريكية- إسرائيلية إن أحببت الاطلاع:

وهناك آلاف الفيديوهات والأدلة القاطعة، التي لم ولن أستطيع سردها هنا، ولكن بإمكانك البحث عنها في الشبكة العنكبوتية وستجد ما هو أقوى وأكثر بكثير من أدلتي التي سقتها هنا في هذا المقال «العتاب»!

وأذكّر الدكتور أن أرتال «داعش» انتقلت من الحدود اللبنانية- السورية إلى الحدود العراقية- السورية، قبل عامين تقريبًا، وهي مسافة لا تقل عن 700 كم عبر سوريا، وعلى مرأى من طيران أمريكا وإسرائيل والآخرين، بل كان طيران هذه الدول يحرس «داعش» من هجمات «الإرهابيين»!

وأخيرًا، أطمئن الدكتور عزمي بشارة وكل المحللين السياسيين ومراكز الأبحاث أن «داعش» سيختفي وترتاحون من عناء البحث عن أسباب نشوئه المتعددة والتي أرهقتكم، ولكن بعد أن يكون قد أنهى المهمة بنجاح. وهي تشويه الإسلام بشكل مؤلم جدًّا أمام العالم وأمام المسلمين أنفسهم، ويكون قد ساهم أيضًا في تدمير شبه شامل للبلاد العربية وبنيتها التحتية، والتحطيم النفسي والمعنوي للشخصية العربية المسلمة. فهذه هي مهمة تنظيم «داعش» يا دكتور التي من أجلها أنشأته الموساد و«سي آي ايه» مع بعض المتواطئين العرب الأثرياء!

وهناك ملاحظة أخرى دكتور عزمي عن كتابك: «الطائفة، والطائفية، والطائفة المتخيلة»، وعن تقديمك لكتاب أو بحث: «استراتيجية المقاطعة»: بين الواقع والمأمول، ولكن في وقت آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

العبرية بين اللغة والشتات
شارك 189
منذ 3 أسابيع
أبحاث ودراسات
انتبه لما يقوله لك الغاضب!
شارك 68
منذ 3 أسابيع
علوم