التفكير الناقد هو عملية منضبطة لتقييم معلومات معينة، والتي جرى جمعها بالاعتماد على الملاحظة أو التفكير المتواصل، التفكير الناقد يتسم بالوضوح، وهو ما يجعل الأمور بينة أكثر بالنسبة لأي شخص يعتمد النقد في جل مناحي حياته. النقد مهم، وهو ما يعلمك ألا تأخذ الأمور كمسلمات دائمًا، فجل المعلومات يجب فحصها بعناية، والنظر فيها بعين ثاقبة لكي لا تغفل بعض الأمور علينا. التفكير النقدي يعلم الإنسان كيفية أخذ الأمور بجدية أكثر، يعلم الإنسان الانضباط في التفكير بحيث لا يستطيع أيًا كان بفكرة دون دليل محض.

في دراسة أساسية عن التفكير النقدي عام 1941 قام إدوارد جلاسر بتعريف التفكير النقدي وقال: هو القدرة على التفكير النقدي تتضمن ثلاثة أشياء، أولًا موقفًا من التصرف في التفكير بطريقة مدروسة، التفكير في جل المشاكل والمواضيع التي تقع في نطاق تجارب المرء، وثانيًا هي معرفة طرق الاستفسار المنطقي والمنطق، وثالثًا هي بعض المهارة في تطبيق تلك الأساليب، والتفكير النقدي يستدعي فحص أي معتقد أو أي شكل مفترض للمعرفة في ضوء الأدلة والاستنتاجات المعروضة،  وبهذا التفكير نجد وسائل عملية لمواجهة مجموعة من المشاكل.

قد نعيد مصطلح التفكير النقدي إلى تلك الفترة التاريخية التي كان فيها سقراط ينهج هذه الطريقة في التفكير مع تلامذته، فسقراط كان يولد الأفكار وكان يعلم تلامذته كيف يصلون إلى الحقيقة عبر التدقيق في الأمور وإعمال العقل فيها، بعيدًا عن أي تحيز وبعيدًا عن إسقاط ذاتية الناظر على الموضوع.

قد يسأل البعض فيما سيفيدنا هذا التفكير النقدي؟ وأين تكمن أهميته؟ سأجيب

التفكير النقدي في بادئ الأمر يثير غريزة الفضول لديك، هذا الأخير الذي يساعدنا على اكتساب فهم أعمق لجل الأشياء المحيطة بنا، يساعدك على فهم العالم أكثر، فهذا الفضول يحفز اهتماماتك. فالمفكرون الناقدون فضوليون بطبيعتهم، وهم متيقظون دائمًا فتراهم يعتمدون على التفكير النقدي في أبسط الأمور في حياتهم. التفكير النقدي كذلك يعزز مهارة الإبداع لديك، فالمبدعون دائمًا ما تجدهم يتساءلون عن ثلة من الافتراضات حول أشياء ومعاني كثيرة. التفكير النقدي يعزز قدرتك على حل المشاكل. يقول ألبرت أينشتاين في هذا الصدد إن أحد أكثر المفكرين الناقدين قال ذات مرة إن براعته لا تكمن في كونه ذكيًّا جدًّا بل في كونه يعاني من مشاكل لفترة أطول، وهذا الشخص بعينه قد قال إنه يقضي خمس دقائق لاكتشاف الحل لمشكلة معينة لكنه يقضي 55 دقيقة أخرى لتحديد المشكلة والبحث عنها، فالناقد البارع يعطي أهمية للاستراتيجية التي سيعتمدها في تحديد أصل المشكل.

إن التفكير الناقد كذلك يعد ممارسة متعددة الأوجه فهو يشمل مجموعة واسعة من التخصصات، وهو كذلك نشاط متعدد المناهج للعقل، فالتفكير النقدي مثل التمارين الرياضية بالنسبة للعقل، يمرن العقل ولا يعطيه فرصة للدخول في سبات عميق، يبقيه دائم الحركة، ودائم التفكير، وهذا ما يعزز العمليات العقلية والمنطقية؛ فالتفكير الناقد يعزز المهارات المنطقية، وكذا التفكير التحليلي فترى الإنسان يحلل أي شيء قد قرأه أو سمعه أو رآه حتى، فهو دائم تحليل أي معطى اجتماعي رمقته عيناه، وهذا التحليل المكثف يجعله يقظًا طيلة الوقت، كما أنه يعزز مهارات التقييم، فترى المفكر الناقد له القدرة على إعطاء تقييمات جد مناسبة وقد ينجح في هذه التقييمات بنسبة كبيرة؛ فالمنهجية التي اعتمدها في التحليل واستنباط المعطيات الكافية لمساعدته تجعله قادرًا على إصابة الهدف.

التفكير النقدي يعلمك كيفية استقطاب مهارات التفكير المستقل، هذه الأخيرة التي ستجعلك قائدًا عظيمًا في المستقبل، فالاستقلالية هي الأساس في الشخصية القوية التي تستطيع فرض نفسها وإثبات وجودها. واكتساب هذا النوع من هذه المهارات يجعلك تفهم العالم بناء على الخبرة التي اكتسبتها، وكذا بالاعتماد على الخبرة الشخصية؛ فهذه الأخيرة تشكل عالمًا مهمًّا، كل ما واجهناه في حياتنا من صعوبات والطريقة التي تعاملنا بها لمواجهة هذه الصعوبات، تساعدنا في اكتساب المهارات التي تشكل أسس شخصيتنا. كما أن تطوير مهارة التفكير النقدي تساعدنا لنفكر بطريقة ذاتية التوجيه.

إن التفكيرالنقدي ليس للتعلم فقط، بل هو مهارة حياتية، وأقتبس هنا مقولة لجون ديوي الذي قال إن التعليم ليس إعدادًا للحياة بل هو الحياة نفسها، فهذا التفكير يجب أن نعتمده في جل جوانب حياتنا، ولا أن نتعلمه فقط في المدرسة ونتركه قابعًا هناك.

يظل التفكير النقدي يشكل حاجة ملحة بالنسبة لمجتمعنا العربي، الذي يعاني من نقص في الجانب النقدي الذي يطرح أسئلة باستمرار، ولا يقبل جوابً دون دليل أو أساس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تفكير, نقدي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد