تُعد الأسرة الخلية الرئيسية في المجتمع ومرآة تطور الأمة ونهضتها، كما أنها عنوان لانتماء عرقي وديني يحكي عن ثقافة الشعوب وهويتها. فكرة تأسيس الأسرة هي بمثابة إعداد مشروع قائم على تربية جيل جديد وتأهيله، يخدم من أجل مصلحة وطنه وقيمه وأصوله، وهذا المشروع لا يجري بعشوائية، بل يمر عبر قناة أخلاقية وقانونية وفق عقد شراكة تحت رضا الزوجين، بما وصفه الله، عز وجل، بميثاق غليظ يوَثِّق مسؤوليتهما والتزامهما على سيمات المودة والرحمة والتضحية.

إلا أن واقع الأسر بعالمنا وبدول العالم الثالث خصوصًا لا تمس بهذا التعريف أية صلة، فقد أخذت مفهوم الأسرة على محمل العبث والهزل وافتقرت أساسًا إلى الوعي والمعرفة، واتبعت مذهب التراتبية العسكرية شكلًا ومضمونًا بعيدين كل البعد عن مبدأ التواصل والنقاش.

1- في غياب الحقيقة تفشل التنشئة السليمة للأبناء:

تُكتمل صورة الأسرة بولادة باحث جديد شغوف بمعرفة الحقيقة، همه الوحيد هو الاكتشاف والاطلاع على كل شيء، وهو في دهشة من أمره، يحاول لمس الأشياء واللعب بها وطرح أسئلة كثيرة وعميقة المعنى، لا أحد منا يضاهيه عبقرية وفلسفة، ولا أحد منا قادر على إشباع فضوله، فيُقتل تفكيره الفلسفي بـ «أنت صغير كي تفهم»، وبالتالي يصنع أفكارًا مبنية على الملاحظة والاستنتاج دون معرفة السبب؛ أي إنه عندما يلاحظ تصرفات والده العدوانية تجاه والدته عندما ترفض هذه الأخيرة إطاعة زوجها، يستنتج أن العنف والضرب عقاب لكل من لا يطع الأب، إذن فكل ما يقوم به الوالد من تصرفات هو مرادف للتسلط وفرض للشخصية، ولكن هل الأم ستقوم بالتصرف نفسه إن لم يطع الزوج زوجته؟ أكيد لا والصغير لا يفهم ولا أحد يشرح له ولا أحد يكلمه، وكل ما يسمعه أوامر ومنجزات عليه فعلها «قم! اجلس! كُل! نَم! استيقظ! سيجبر على العيش في هذه الأسرة متأثرًا بقوانينها ومنتظرًا الزمن ليشرح له.

وهو ينتظر. يُقتل فضول الطفل شيئًا فشيئًا ويتوقف بحثه عن الحقيقة، عن حقيقة الأشياء التي يلامسها، عن حقيقة والديه، عن حقيقة نفسه؛ يرى أمه الطرف الضعيف والعبد المطيع مختنقة بقوانين المجتمع «عيب على المرأة أن…. »، «يجب على الزوجة أن….»، ويرى أباه الرجل الذي لا يعاب، القوي المتعال فرعون عصره، المالك الوحيد للحقيقة.

لكن ربما ما يجهله الطفل وربما الأم أيضًا أن هذا الرجل يحس هو أيضًا بالذل والنقص، يتسابق من أجل لقمة العيش المريرة وكأنه يخطفها من فم الأسد، يكتم في صدره آلامًا وهمومًا عدة، ولا يجد سوى الصراخ على أسرته الهزيلة، فلا هم ارتكبوا خطأً ولا هو حاور أسرته، ولا هي علمت مشكلاته.

في هذه الحالة تبقى الحقيقة في يد القوي، الشيء الذي ينافي فكرة سقراط عندما شدد على أن الحقيقة ليست بيد أصحاب «السلطة» أي إن كيف ما كانت مكانة الإنسان السلطوية في المجتمع لا يعني أنه من أصحاب المعرفة والبصيرة كما هو الحال لهذه الأسرة، أو بالأحرى الدويلة الديكتاتورية.

بعد أن كبر صغيرنا والتحق بالمدرسة، يتعرف إلى أصدقاء جدد، يجمعهم اللعب والمرح وفي غالبية الأحيان يتخاصمون ويتشاجرون. في الخصام تتكون لطفلنا شخصية جديدة مستوحاة من تصرفات الأب، لن ينفع حنان وسكوت الأم في صد ضربات زميله، ولهذا يلجأ إلى تلك الأفكار التي استنتجها في وسطه الأسري من دون معرفته لصحتها ولا لحقيقتها، بالتالي مع الأيام، يكبر الطفل وتكبر معه مشكلاته ومشاجراته، وفي كل شجار يقوي شخصيته ويغذي حصان الشر والجهل الذي بداخله.

كل هذه الأحداث والآباء غائبون عن حياة ابنهم لا يُسأل ولا يحكي، وإنْ سُئل كذب وانصرف، تَعلم الابن الحُكم الديكتاتوري من والده فطبقه على أصحابه، جيرانه، في الشارع، أمام المدرسة، في كل مكان. حتى أنه حفظ قاموس أبيه من كلام وحيل للمبارزة، وشيئًا فشيئًا يولد المجرم واللص والقاتل.

من هنا، تَفشل الأسرة في التنشئة السليمة للأبناء عندما تكتم عنهم الحقائق المفصحة عبر عمليات التواصل والاستماع.

إن سبب فشلها لا يعود إلى الفقر أساسًا، وإن كان فليس من الدرجة الأولى، وإنما إلى غياب الحوار ركيزة أساسية في حل مشكلات الأسرة وتعزيز العلاقات الزوجية والتعرف إلى أذواق الطرف الآخر بشكل واضح ومفهوم، كما أن الاستغناء عن قبعة السلطة والقوة لدى الوالدين ولدى الأب خاصة، يُفتح للطفل باب الثقة والأمن بالتساؤل والحكي، معززة بنقاشات تستلزم فيها تفكيرًا منفتحًا نقديًّا يساعدنا على تربية أولادنا.

2- ما علاقة التربية بالتفكير النقدي؟

تقول مقولة «أولادكم خلقوا لزمان غير زمانكم فلا تقصروهم على عاداتكم» المنسوبة للصحابيِّ الجليل علي بن أبي طالب، رضي الله عنه وأرضاه، توضح أن تربية وتأديب أولادنا لا يمكن أن تكون بالكيفية نفسها التي تربينا عليها نحن.

ولهذا لم تكن التربية سليمة بالعنف والتقليد، ولم يكن هدف التربية الخضوع والطاعة المطلقة، بل إن التربية بمنظورنا الخاص، هي عملية إصلاح ورد كل فرد إلى موضعه، وإقامة عوج الحياة، وفك أسرى العقل من التقليد الأعمى، وبلوغ معاني الحسن والإحسان، بتغيير أولًا سلوكياتنا كآباء وتبعية رئيسية لأبنائنا، ثم ثانيًا التحاور الذي يهدف إلى التعرف إلى نمط تفكير ورؤية هذا الجيل الجديد، بالإضافة إلى التقرب منهم والاستماع لآرائهم والوثوق باختياراتهم، وبفتح باب النقاشات الجدلية التي تفضح عقولنا وعقولهم وأخلاقنا وأخلاقهم، كما أنها مما لا شك فيه تقويما لنا في مدى صلاحية تربيتنا لهم.

إن النقاش المتمدن الأسري بين جيلين مختلفين ومتخالفين، لا نظن يكون سالمًا مسَلمًا من التصادمات الفكرية التي تعد من أهم معوقات عملية التربية، وبالتالي لا يوجد طريقة سِلمية أفضل من الإقناع شرطًا من شروط التربية، أي يجب أن نقنع أبناءنا بأهمية النوم باكرًا والدراسة مثلًا، لا أن نأمرهم بذلك من دون أن يعرفوا السبب، فالإقناع لا يقتصر على الإقناع اللفظي فقط بل أيضًا إلى الإقناع الذي يستند إلى الأمثلة والتجارب.

في قلب المعركة «أَقتَنع أو أُقتَنَع»، نُقوي لأبنائنا خصلة أساسية تساعدنا على التربية وبلوغ حقيقة الحق من الباطل، حقيقة الصح من الخطأ ألا وهي «التفكير النقدي».

يعد التفكير النقدي قنطرة عبور أفكار وأراء من جيل لجيل دون إفساد ود للقضية، بمجرد أنهم أصبحوا قادرين على إدراج التفكير النقدي في حياتهم الاجتماعية والدراسية والمهنية، فقد نكون قد تمكنا من إنتاج إنسان مفكر لا يقوى على الفساد والإفساد، ولا تستطيع رياح الأهواء أن تسقطه.

تكون التربية المعززة بالتحليل الموضوعيِّ للحقائق متحررة من القبول الأعمى، بعيدة عن سفاسف الأمور ودانيها، تقوم على معالجة مشكلات ميدانية، فجميل أن نطلب آراء أطفالنا عن النظام التعليمي والتربوي بمؤسساتهم، عن الأثاث الجديد بصالون البيت، عن القضية الفلسطينية، عن مستقبل العالم، عن علاقة الفرد بالمجتمع، عن معادلة رياضية، عن وجودية الله، وغيرها من القضايا المعلقة والمغلقة في أرشيفات عند كبار المختصين.

يشترط في هذه العملية مجموعة من الخاصيات منها: الإنصات الذي لا يقتصر على حاسة السمع فقط، بل يناشد كل الجوارح بالتركيز على ما يقال والتخمين بما لم يُقل، متابعة حركات الجسد، الانتباه إلى الكلمات المتكررة، استحمال الخطاب دون التفكير في المسؤوليات المنتظرة من عمل واجتماعات، التركيز في ما يحكيه الجيل الجديد وتشجيعه على التعبير والمتابعة، تحليل المعلومة من منظور الطرف الآخر والتخلص من مكانة أب إلى مكانة ابن أو زميل بالقسم.

كل هذه النقاط تُعلم الطفل العقل المنفتح، والتعاطف مع المتحدث، واحترام عملية التواصل، وتنمي في نفسه حس المسؤولية، والثقة والاعتماد على النفس.

في قلب هذه الاختلافات والاتجاهات المعاكسة، ننقل إلى أبنائنا سمات الرحمة والتسامح والصبر، وتقبل الآخر، وهي كلها أساسيات التفكير النقدي تشاركها غايات التربية السليمة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد