تدور المجتمعات البشرية في فلك التغيير والتطوير الذي فرضته المعلوماتية في هذا العصر، فضلًا عن أنه أحد السنن الكونية التي أقرها الله سبحانه وتعالى، ونتيجة لتطلع الإنسان إلى مواكبة عجلة التقدم العلمي للإفادة من تلك المعطيات إلى أقصى حدٍّ ممكن؛ أضحت التكنولوجيا بكل أنواعها وأشكالها، مطلبًا أساسيًّا من مطالب هذا العصر، وسمةً مميزة له، وذلك لأن معدل التغيير والتطوير أصبح أكبر من معدل اللحاق به، أو حتى مجرد توقعه، مما جعل الإنسان يجد نفسه محاطًا بكمٍّ كبير من التحديات التي لا يمكن مواجهتها، أو التغلب عليها بالطرق التقليدية.

ولما كانت تلك الثورة المعلوماتية سببًا في ضخ كمٍ كبير من المعلومات والمعارف إلى الأفراد دون مراعاة ما تطلبه كل مرحلة عمرية من احتياجات، أو نوع الثقافة التي يستهدفها المجتمع في تعليم أبنائه، كان لا بد لأي حركة للتغيير أن تكون منظمة تنطلق من تشخيص موضوعيٍّ للواقع، وذلك للوقوف على جوانب القوة والضعف، بهدف تعزيز وتدعيم جوانب القوة، وإخضاع جوانب الضعف للمعالجة، أو إيجاد بدائل تمكنُنا من الخروج بأشكال وتحسينات جديدة تواكب الطموحات وتحقق الآمال، وتساهم في تكوين العقلية العلمية الناقدة المستنيرة التي تعمل على مسايرة التطور الحضاري الحادث مع مواجهة التحديات المستقبلية، والتمييز بين الحقيقة والزيف، وكذلك التخلص من التأثيرات الثقافية الضارة التي تلازم الحضارة الحديثة.

نشأة التفكير الناقد:

يذهب البعض إلى أن التفكير الناقد قديم قدم الإنسان؛ فهو أحد أنماط التفكير الإنساني، الذي حاول من خلاله الإنسان تنظيم حياته بشكل واقعي ومثمر، فيضع حلولًا مبتكرة لمشكلاته اليومية، ويفند الادعاءات والأقوال ويفحصها ويكشف حقيقتها، قبل أن يعتقد صحة أمر ما من عدمه. ولقد ظهر التفكير الناقد في العديد من الحضارات القديمة منها: الحضارة الفرعونية، والحضارة اليونانية، والحضارة الإسلامية فهو أمر فطري –كقدرة وميل- ملازم لنشأة العقل الإنساني ونشاطه الهادف، وإن كانت مهاراته مكتسبة ومتعلمة وتحتاج إلى تدريب ومِران.

ويرى بعض الباحثين أن التفكير الناقد وجد تطبيقه على أرض الواقع منذ قدم الزمان في إطار فلسفيٍّ، منذ أيام الفلاسفة والمفكرين القدماء، وأن التفكير الناقد بدأ مع أرسطو قبل خمسة عشر قرنًا، والذي وضع أساسًا للتفكير الراسخ في التفكير الناقد، وتبعه في ذلك تلميذه أفلاطون، وكذلك سقراط؛ إذ برزت في أيامهم الحاجة للتفكير بشكل منهجي، وتتبع الإيحاءات بتوسع وتعمق، وذلك بسبب معتقداتهم حول الأشياء؛ إذ أكدوا أن الأشياء غالبًا ما تكون مختلفة في حقيقتها، عما تبدو عليه في الظاهر.

وكذلك وجد في الحضارة الإسلامية منذ نشأتها. فمن بداية نزول القرآن الكريم وهو يدعو إلى إعمال العقل والتفكير، فيحذر من العقل الجمعي المنساق وراء فكر الجماعة البشرية، التي كثيرًا ما تستفزها العواطف والتسرع والهوى دون روية أو تثبت، فيقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ (سورة سبأ، الآية: 46). فيدعو إلى إعمال العقل والتأمل بعيدًا عن إثارة مشاعر الحشود وانفعالات الجموع كبديل عن الحجة المنطقية، ذلك لأن التقدم في التفكير الناقد لا يتم إلا كمرحلة فردية وكدحٍ شخصيٍّ، فيلفتنا القرآن الكريم إلى أنه باعتدال نمط التفكير، تكون النتائج صائبة.

إلا أن مفهوم التفكير الناقد -في أصوله- يرجع للفيلسوف سقراط، الذي عرف التفكير العقلاني بهدف توجيه السلوك. وفي العصر الحديث بدأت حركة التفكير الناقد مع أعمال جون ديوي عندما استخدم فكرة التفكير المنعكس والاستقصاء. وفي الثمانينيّات من القرن العشرين، بدأ فلاسفة الجامعات يشعرون بأن الفلسفة يجب أن تعمل شيئًا للمساهمة في حركة إصلاح المدارس والتربية.(1)

مفهوم التفكير الناقد:

الفعل «نقد» يعني ميز الدراهم وأخرج الزيف منها، (ابن منظور، ب ت: 425). وورد تعبير نقد الشعر ونقد النثر في (المعجم الوسيط، 2004: 982) بمعنى أظهر ما فيه عيب أو حسن، والناقد الفني كاتبٌ عمله تمييز العمل الفني، جيده من رديئه، وصحيحه من زيفه.(2)

وإذا رجعنا إلى الكلمة الإنجليزية Critical نجد أنها مشتقة من الأصل اللاتيني Criticus أو اليوناني Krititkos، والذي يعني ببساطة القدرة على التمييز أو إصدار الأحكام.(3)

  • وقد عرفت التفكير الناقد في أطروحتي للماجستير بأنه: عملية منتظمة ونشطة يستخدمها المتعلم بغرض التمييز بين المفاهيم السليمة وغير السليمة، ويمكنه من خلالها التمييز بين الحقيقة والرأي، والاستدلال بشكل موضوعي دون التأثر بالأفكار الشائعة، ومناقشة الموضوعات بدون تحيز شخصي أو عاطفي، مع استخلاص النتائج ووضعها في إطارها الصحيح.(4)

     

أهمية التفكير الناقد:

تكمن أهمية التفكير الناقد لدى أفراد المجتمع أنها تؤدي إلى فهمٍ أكثر عمقًا للمحتوى المعرفي الذي يتعلمونه، وربط بعض عناصره ببعض، وتمكنهم من مواجهة متطلبات المستقبل، والاستقلال في التفكير والتحرر من التبعية، وعدم التمحور الضيق حول الذات، للانطلاق إلى مجالات أوسع من خلال التشجيع على التساؤل والبحث، وعدم التسليم بالحقائق دون التحري عنها.(5)

فالتفكير الناقد يُعدُّ نوعًا من أنواع التفكير المهم التي يلجأ إليها الفرد في تعامله مع الكثير من المواقف والأحداث؛ فهو يساعد على تغيير أوضاع الإنسان نحو الأفضل، ويزيد من ارتباطه الإيجابي فيمن حوله، وتتضح أهمية التفكير الناقد حيث إنه: (6)

  1. من أهم أنواع التفكير التي تساعد الفرد على نقد المعلومات الناتجة عن الانفجار المعرفي، والتقدم العلمي الهائل، ومن ثم التوصل إلى المعلومات الصحيحة، وتوظيفها لتحقيق أهدافه وأهداف المجتمع.
  2. ضروري لإعداد الأفراد الذين لديهم القدرة على نقد الأفكار الناتجة، والحلول المقترحة للمشكلات، وإخضاع هذه المشكلات والحلول للمنطق.
  3. ضرورة لإعداد الأفراد الذين لديهم القدرة على مسايرة التقدم العلمي، ومتابعته في جميع المجالات دون توقف.
  4. ضروري لإعداد الأفراد، مما يمكّنهم من تحليل الموضوعات الخاصة بمناقشة ما تحليلًا دقيقًا، للتوصل إلى استنتاج سليم.
  5. ضروري لحماية عقول الأفراد من التأثيرات الثقافية الضارة، والمنتشرة في الجامعات وشبكة الإنترنت.
  6. ضروري لإكساب أفراد المجتمع النظرة العقلية النافذة، التي تعتبر من المتطلبات اللازمة للحياة في عصر العولمة، الذي يتسم بكثرة التيارات الفكرية والثقافية المتناقضة.
  7. ضروري لإكساب أفراد المجتمع القدرة على مواجهة الظواهر والمستحدثات البيولوجية، وتقويمها تقويمًا سليمًا لتحديد ما يفيد المجتمع، وما لا يفيده، واتخاذ القرارات السليمة.

إن التفكير الناقد من المسائل التربوية التي بدأ التربويون وعلماء النفس يولونه اهتمامًا كبيرًا في العقود الأخيرة، باعتباره أحد المفاتيح المهمة؛ لضمان التطور المعرفي الفعال الذي يسمح للفرد باستخدام أقصى طاقاته العقلية للتفاعل بشكل إيجابي مع بيئته، ومواجهة ظروف الحياة التي تتشابك فيها المصالح وتزداد المطالب، وتحقيق النجاح والتكيف مع مستجدات هذه الحياة. ومهارات التفكير الناقد يحتاج إليها كل فرد من أفراد المجتمع، ولقد أظهرت هذا معظم الدراسات التجريبية، والتي تم من خلالها استخدام برامج خبرات لتنمية مهارات هذا النوع من التفكير.

أشكال التفكير الناقد:

التفكير النشط Active Thinking:

 وهو شكل من التفكير التحليلي المنطقي المباشر، يثير أسئلةً مهمةً تبحث عن معلومات وحقائق، ويحلل الأوضاع للوصول إلى ما وراء الفكرة.

التفكير الإستراتيجي Strategic Thinking:

وهو شكل تفكير مستقبلي تنبؤي يضع افتراضات، ويصمم سيناريوهات متوقعة للتعامل مع متغيرات مستقبلة: ماذا يحدث؟ ماذا يمكن أن تستنتج إذا حدث؟

التفكير النظامي Systematic Thinking

وفيه يلجأ المفكر إلى تحليل العوامل المؤثرة في المشكلة أو الموقف، ويتميز نظر المفكر للموقف أو المشكلة بنظرة كلية تبحث في العلاقات والعوامل المتشابكة، ويهتم المفكر فيه بالبحث في ما خلف المعطيات الحالية ليرى الصورة الكلية.

التفكير الكمي Quantum Thinking

ويعني التفكير الذي يتيح الوصول إلى الجديد غير المتوقع، وهو يقوم على فكرة أن هناك دائمًا حلًّا آخر وحقيقة أخرى، وقد أوضحت جيرالد نادلر وشوزو هنينو في كتاب بعنوان التفكير الاختراقي «لماذا يجب علينا أن نعتبر سبلنا في حل المشكلات».

ويعتمد التفكير الاختراقي على سبعة مبادئ أساسية هي: مبدأ التفرد، ومبدأ الفرض، ومبدأ الحل التالي، ومبدأ النظم، ومبدأ الجمع المحدود للبيانات، ومبدأ تنظيم البشر، ومبدأ توقيت التحسين.

التفكير العاطفي Emotional Thinking

وهو تفكير يستند إلى مشاعر، وتنظيم الأولويات في حل المشكلات وصولًا إلى الحل، ويستطيع المفكر من خلال التفكير العاطفي التوصل إلى حقائق يعجز عنها التفكير المنطقي.

ويمكن القول إن الفرد الذي يفكر تفكيرًا ناقدًا، يكون قادرًا على الاستدلال المنطقي، وذلك لتعيين الحدود، وتحديد المسلمات الخاصة بالموضوع.(7)

خطوات التفكير الناقد:

هناك خطوات للتفكير الناقد يجب على كل فرد أن يتبعها كي يكتسب مهارات التفكير الناقد ومنها:

  1. جمع كل ما يمكن جمعه عن موضوع البحث.
  2. استعراض الآراء المختلفة والمرتبطة بالموضوع.
  3. مناقشة الآراء المختلفة لتحديد الصحيح من الخطأ.
  4. تمييز نواحي القوة والضعف في الآراء المتعارضة.
  5. تقييم الآراء بطريقة موضوعية.
  6. البرهنة على صحة الحجج والأدلة.
  7. الرجوع إلى مزيد من المعلومات إذا ما اقتضى الأمر ذلك.
  8. القدرات اللازمة للتفكير الناقد.
  9. الدقة في ملاحظة الأحداث من حيث وقوعها.
  10.  تقييم موضوعي للموضوعات.
  11.  البعد عن العوامل الشخصية في التقييم.(8)

ويذهب عادل مصطفى في كتابه «المغالطات المنطقية» إلى أن التفكير الناقد يتألف من ثلاث مراحل:

  1. الوعي بوجود افتراضات أساسية.
  2. التصريح بهذه الافتراضات وإخراجها إلى وَضَحِ النهار.
  3. تسليط أضواء النقد على هذه الافتراضات: هل هي ذات معنى؟ هل تنسجم مع الواقع كما نفهمه ونعيشه؟ متى تصح هذه الافتراضات ومتى تبطل؟(9)

المعايير العقلية لتقويم التفكير الناقد

 

ولقد حددت (جامعة ولاية شمال كارولينا بالولايات المتحدة، يناير 2014: 15-16) المعايير العقلية لتقويم التفكير الناقد في التالي:

  1. الوضوح: أن يكون سهل الفهم، وأن يخلو من الارتباك والغموض.
  2. الدقة: أن يخلو من الأخطاء والعيوب والشوائب، وأن يؤكد حقيقة أو معيار معين.
  3. الإحكام: أن يكون دقيقًا ومحددًا ومؤكدًا.
  4. الربط: أن يكون وثيق الصلة بالموضوع، بحيث يكون له علاقة منطقية وقريبة منه.
  5. الجوهر أو المغزى: أن يكون له أهمية نسبية.
  6. العمق: أن يتعامل مع تعقيدات الموضوع.
  7. السعة: التعرف على الرؤى المختلفة في جوانب السؤال المتعددة.
  8. المنطق: أن يتم تبريره بشكل صحيح في نطاق نظام المبادئ والمفاهيم والافتراضات التي يشملها النشاط أو الممارسة.
  9. النزاهة: التعامل مع جميع الجوانب بشكل متشابه، دون الرجوع إلى مشاعر الإنسان أو اهتماماته.

سمات المفكر الناقد:

فلا بد أن يتصف المفكر الناقد بكثير من السمات منها أن يكون:

  • مرنًا ومتفتح الذهن لكل جديد.
  • لا يجادل فيما لا يعرف.
  • يسأل عن كل شيء لا يدركه.
  • يفصل بين التفكير المنطقي والعاطفي.
  • يقدر المعرفة والأفكار.
  • يوازن بين أطراف المجادلات قبل أن يصل إلى المعرفة غير المنقوصة.
  • دائم التأمل والملاحظة.
  • يكتشف البدائل.
  • يتجنب الخطأ في تحليل الموقف أو الخبرة.
  • يتوخى الدقة في تعبيراته اللفظية وغير اللفظية.
  • محب للاستطلاع.
  • قادر على الاستدلال المنطقي.(10)

معوقات التفكير الناقد:

  1. الانقياد للآراء التواترية، ويقصد بالآراء التواترية تلك الآراء الشائع استخدامها بين الناس، والتي يتقبلها الفرد، ويتداولها دون الرجوع إلى مصادر حقيقية، أو التأكد من صحتها، أو اكتفاء الفرد من الأدلة التي تعطى له.
  2. التعصب بمعنى ميل الفرد إلى التقيد والتمسك بصحة آراء معينة، قبل أن تعرض عليه أيّ بيانات أو وقائع، ويتمثل التعصب في التفكير الناقد، في الحكم على موضوع ما من وجهة نظر معروفة سابقًا.
  3. القفز إلى النتائج، قد يبدأ الفرد بقضايا قد تكون صحيحة، ثم يتركها دون تسلسل منطقي، وينتقل إلى نتائج غير مؤكدة.
  4. وجهات النظر المتطرفة، والانقياد للمعاني العاطفية، والمؤثرات الانفعالية، ويحدث ذلك نتيجة ارتباط موضوع التفكير بعلاقة ذات صلة انفعالية وعاطفية بالفرد.
  5. التسرع في فهم واستيعاب المواد المقروءة أو المسموعة أو المرئية.
  6. التسرع في إصدار الأحكام وإبداء الآراء.(11)

البيئة المحيطة والتفكير الناقد:

إن التفكير الناقد لا يمكن أن يقوم، أو تكون له كلمة مسموعة إلا في مناخ التعدد، والحوار الحر المفتوح، والروح النقدية لا تنبعث في مجتمع راكد، غافل عما يدور فيه وما يجري حوله، لا يخالجه شك في شيء، ولا يدفعه مثل أعلى إلى أن ينهض من غفلته، ويتألم لمصيره، ويرى ما يقع فيه من أخطاء يتبعها، ويحاصرها، ويحرّض عليها؛ حتى يجتثها ويقتلعها.

ولا شك أن البيئة المحيطة لها دورًا مؤثرًا وكبيرًا في تنمية مهارات التفكير الناقد، فقد تملي على أفراد المجتمع أنماطًا سلوكية معينة، والبيئة الغنية بالمثيرات الإيجابية والبعيدة عن التوتر ومنغصات الحياة المختلفة تعمل على تنمية وتطوير التفكير النقدي لأفرادها، حيث يتعين على الإنسان أن يفكر ويتخذ قرارات سليمة تمكنه من التكيف مع المجتمع الذي يعيش فيه، ومن هنا يعتقد أن قرار تعليم التفكير يعد قرارًا سياسيًّا فالمجتمعات المتقدمة تغرس في أبنائها صفة الثقة بالنفس والاعتماد عليها، وتؤهلهم لاتخاذ قرارات سليمة وتمنحهم الفرصة الكافية للنظر فيها(12)، لذلك فإن حُسن إدارة شئون المجتمع تتطلب إعداد جيل من المفكرين الذين يحسنون تصريف أمور حياتهم، ومواجهة تحديات المستقبل علي أسس قوية من الوعي والفهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد