عندما يتحول التقليد إلى هدف

تعتبر المحاكاة من أهم المفاهيم المعاصرة التي تدور حولها الأبحاث والدراسات في المجال التعليمي والصناعي، ويقوم مبدأ المحاكاة على فكرة التقليد فمثلًا:

– يبدأ الرسامون والنحاتون وحتى المؤلفين بتقليد أعمال سابقة قبل أن يبدأوا بتقديم أعمالهم الخاصة، يقول آلان شوس: لقد ساعدت الكتابة، بطريقة المحاكاة أو عن طريق تقليد أعمال كُتَّاب جيدين، طلابي عند كل منعطف تقريبًا في بداية عملهم بالكتابة. نظرت دومًا إلى الرسامين باعتبارهم نماذج؛ يرسلون تلاميذهم إلى المتاحف، حيث يمكنهم نسخ أجزاء من لوحات كبار الفنانين[1].

– وعند تدريب الأشخاص على مهارات التفاوض يتم وضعهم في بيئة تحاكي البيئة الحقيقية قدر الإمكان، حيث يتم تمثيل اجتماعات ولقاءات قريبة جدًا مما يجري على أرض الواقع، ويتقدم المتدربون إليها ليختبروا قدراتهم ومعارفهم.

إذًا لا يستغني الإنسان – عادة – وخاصة في مراحل التعلم الأولى عن محاكاة بعض المواقف وتقليد بعض التصرفات، إلا أن هذه المحاكاة الضرورية كثيرًا ما تنقلب إلى داء أشبه ما يكون بالإدمان السرطاني، بحيث يتحول التقليد من وسيلة مساعدة إلى هدف بحد ذاته لا يتعلق بتعلم مهنة أو مهارة، إنما يرتبط بكل تفاصيل الحياة وأكثرها خطورة، وهو التفكير.

إن انتشار ما يمكن تسميته بالتقليد المطلق يعود لسببين

1- السهولة: إذ يلجأ البعض إلى تقمص وتبني كل الأفكار والتصرفات التي تصدر عن قائد ديني أو سياسي أو فكري، وبذلك يتجنبون عناء التفكير وصناعة قناعات خاصة بهم عن طريق قراءة يقومون بهم بأعينهم وعقولهم، وليس بعيون وعقول آخرين.

2- الموروث الثقافي: نتيجة قراءة سطيحة للتاريخ يتكون لدى شريحة واسعة قناعة مفادها بأنه لا بدّ حتى يزول الشر من شخص معصوم نقلده بشكل مطلق، كما كان الناس في عهد الأنبياء، وهكذا يبدأون باستحضار نموذج نبوي وإلبساه لمرجع ديني يقوم بدور المقلَّد الذي لا غنى عنه.

ولو عدنا لمفهوم التقليد أو الاقتداء في القرآن الكريم والسنة الشريفة لوجدنا أنه لا وجود لقضية التقليد المطلق، بمعنى لا يوجد أمر ولا حتى وصية تشرع لنا استنساخ جميع ما يقوم به هذا الشخص، وجميع ما يفكر به حتى لو كان نبيًا.

بل حتى أسلوب القرآن الكريم في طرح الوصايا والأوامر كان تفاعليًا، بمعنى كانت الآيات الكريمة تطلب من القارئ أن يتفكر وأن يعقل وأن ينظر، ولم تكن الآيات نصوصًا إخبارية أو طلبية فقط.

أما الآية الكريمة التي نصت على التقليد فكانت مقيدة، قال تعالى: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ. ( سورة الأنعام: 90)، فالآية لم تقل (أولئك الذين هدى الله فاقتد بهم) إنما ذكرت قيد الاقتداء بالهدى، في إشارة واضحة إلى أن الاقتداء ليس مطلقًا، وأن الهدف ليس الاقتداء بقدر ما هو الوصول إلى الهدى.

وهذا ما كان مطبقًا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حيث لم يطلب من الصحابة الاقتداء المطلق به، إلا في قضايا الصلاة والنسك، وترك لهم حيزًا واسعًا لا وجود فيه للتقليد، إنما كان التفكير والإبداع هما سيدا الموقف، وذلك مثل حادثة تأبير النخل الشهيرة وحادثة اختيار مكان موقعة بدر.

تكمن خطورة تحويل المحاكاة إلى تقليد مطلق عندما يظهر عيب أو خطأ في ذلك المرجع، حيث نقع بين نارين: نار تحويل الخطأ إلى صواب حفاظًا على صورة المرجع، ونار سقوط المرجع من أيقونة مقدسة ليست له، الأمر الذي يؤدي بشريحة كبيرة إلى التمرد على المحاكاة ورفضها بكل جوانبها حتى لو كانت في الجوانب الإيجابية فقط، وهكذا تساهم فكرة التقليد المطلق في هدم فكرة القدوة الحسنة بمعناها الطبيعي، وتحرّض المجتمع على التخلي عنها.

إن التركيز على الاقتداء في الخطاب الديني والسياسي والتسويق لفكرة النجاة بالتقليد يهدف إلى حشد أتباع يستجيبون لأي أمر، ويسلمون لأي رأي، ولا يفكرون في التغيير مطلقًا، أتباع مسلوبو التفكير وحتى الإرادة، أتباع لا يعرفون من صور الإبداع إلا الإبداع في التقليد، أتباع في صورة قطيع غائب عن الوعي تمامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد