تمنع بعضُ الصّحف ودور النشر، خاصةً فى عالمنا العربى، نشر النقد، إن كان هناك نقد، على كاتب أو أديب أو مفكر ما، خاصةً إذا حمل شارة الشهرة وأعلى المبيعات، ورنّ إسمه رنينًا فى الأوساط الثقافية وغير الثقافية، فإنه يصير بذلك منزَّهًا عن النقد، ولا يحق لأحدٍ كائنًا ما كان أن يهزّ إعتباره ومبيعاته أمام مريديه، ويتحذلقون بحجة حرية الفكر، ولو قام هذا الكاتب بكتابة ما يضرُّ صريحًا ولا ينفع، ولو ضرب كلامًا يمنةً ويسره، وكل هذا بحجة حرية الرأى، وكأن حرية الرأى هى حرية أذى الذوق العام ورميه بالدنس دون رقيب، وكأنها ترك من يكتب يكتب بلا شفقة من رِقابة أو حذرٍ من نقد يأخذ بتلابيب الهرج. وليس يوقفه ناقد، فقد غابت المعيارية بغياب النقد، وهذه هى مأساتنا فى عالمنا العربى، فكل من هبّ ودبّ فى الإعلام العام من حقه الحديث فى أي مجال وإن كان – وغالبًا ما يكون – فاشل الرأى ضعيف الثقافة.

من أجل ذلك مات النّقدُ فى بلادنا، وأشكّ أنه لا زالَ أحدٌ يفرقُ بينه وبين السَّب والشتم والنقض، فلو شكونا من جزعِ أدبائنا من النقد، وإساءةِ فهمهم إياه، فالنقد لا يجامل صديقًا لصداقته، ولا يظلمُ عدوًّا لعداوته، بل هو يعطى لكل حق حقه، ليجرى النهر القويم فى مجراه، فتُنشر فى نهاية الأمر قطع الناقد، ويُرى بالمثل جواب المنقود، ثم يكون كلاهما والقُرّاءُ.
وأنا لا أعنى فى حديثى بمنح حق النقد لكل من أراد ذلك، فالنقد يقوّم الكتابة والفِكر، حتى يصلا سويًا لمرتبةٍ عاليةٍ سامية البناء، تنقذنا مما نحن فيه من هبوطٍ حاد فى الذوق والرأى العام، وتحمل الكتاب أن تكون رسالتهم هى خلق الرأى العام لا فى توجيهه، أن يفكر كل الناس إلى السبيل العلمى فى التفكير، بل يجب أن نؤَهّلَ الناقد، ليكون ذا بصيرةٍ ثاقبة حادة، يرى ما يسمو بالقارئ وما يهبط به، فإن كان، فسوف يتهيبُ كل من هبّ ودبّ أن يكتبَ حرفًا إلا بعد نُضج عقلٍ يتيحُ له مكانةً كى يقدّمَ لغيره ما هو يحتاجه، ولسوف يسمو مع كرّ الأيام ذوق الأدب العام، ويتسم سوق النشر والكتب بوسام الفخر والأدب والفكر، فلقد صار المجال واسعًا أمام كل من يملك مالًا ليقول ما يريد أينما ووقتما يريد، والنقد هو الذى يجعل المتحدث هو صاحب الفكر والأدب ولا شئ غيره، فإن وُجِدَ النقد قويمًا سيوجد معه المعيار الفنى لضبط، لا أقول الأفكار، ولكن لضبط معيارية هذه الأفكار، أن يعرف قائلُها قبل قولها ما سيُنقد به، فيقوم الفكرة وتقوم الفكرة الصحيحة فى نهاية المطاف، وهذا هو مقصدُ الأمر.
إننا لفى حاجةٍ ماسّة لعددٍ من النقاد لا يفتأون يتركون ما يُنشر، حتى تكون هناك معيارية لما يُكتب، وألا تُترك المسألة نسبية، وأنا لا أعنى هنا أن أقتل النسبية، وأن أحكِرَ فِكرًا واحدًا يسرى على الجميع، كلا، بل إننى أعنى بالنقد نقد جنس العمل من حيث كونه فنًّا ما، فمثلًا كتاب فى الفلسفة يتطرق لمواضيع دينية قد تؤذى أفكار البعض، فيجب نقدُه بنفس جنس الكتاب أى الفلسفة، وتوضيح أخطاء الكتاب، إن كانت به أخطاء، وتبيانُ ثغراته التى جعلتهُ يضربُ هنا وهناك، وإثبات قوة الحجة فى الدين فى مجال القول ذاته لا بمجالٍ آخر، وليس أن أحاربه من جنسٍ غير جنسه الفلسفى. فالنقد هو معيارية الرأى العام، وهو المِصفاة التى تمحو شوائبًا مكثت فى حياتنا الأدبية لوقتٍ آن زوالها منه، وإنى لأوقن يقينًا تامًا أن حاجتنا للمعيارية هى أولى وأحق من حاجتنا لحرية الفكر، لأن هذه الكلمة حجة لكل المتحذلقين، وهم يفرغونها من محتوها، ويتركونها كالطبل الأجوف يرن ولا ينفع. فهل من مُجيب؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد