بتاريخ 23 فبراير 2015 نشر مقال للكاتب عماد الدين السيد بعنوان (الله الذي لا ينصرنا) ، استهل فيه الكاتب بمشهد مواجهة بين شاب مصري وجنود الشرطة في واحدة من الأحداث الدامية التي مرت بنا في السنوات الأخيرة، يرفع فيه الشاب حجرًا ليلقيه نحو إحدى المدرعات وهو يستغيث بالله لينصره، ويتساءل الكاتب بصيغة استنكارية كيف لهذا الشاب الذي يقف إلى جانب الحق في مواجهة الباطل أن ينهزم ويتبع ذلك سقوط العديد من الأبرياء وقتل الكثيرين، ذلك الاستهلال كان المقدمة ليلقي إلينا بالسؤال الرئيسي والذي يحاول من خلال مقاله الإجابة عليه؛ (لماذا لا ينصرنا الله؟).

لنرى المقال يعرض علينا سيلًا من المغالطات والأخطاء المنطقية والمعرفية الفادحة، يسوق فيه عددًا من الاستدلالات التاريخية الجزئية وبعض التفاسير الشخصية لبعض النصوص القرآنية والروايات ليخرج منها بتقرير حول مفهوم النصر الذي يراه والذي عبر عنه بأنه نصر الغلبة والتفوق المادي على الطرف الآخر، وحصر أسبابه بشكل واضح حول عوامل البراعة والحنكة القتالية والتخطيط في المعارك مع نفي أن يكون لعوامل الإيمان أو عدمه من تعلق بالمعاصي والشهوات دورًا في تحقيق الهزيمة أو النصر!

النصر المادي وتهافت الاستدلال

من أوائل تلك المغالطات هي اعتماده على أسلوب الاستقراء أو التعميم الخاطئ في أدلته التاريخية التي توصل من خلالها لمفهومه المادي عن النصر، فنراه جاء على ذكر بعض الحوادث الفردية مثل معركتي اليرموك ودومة الجندل التي استطاع فيهما جيش خالد بن الوليد تحقيق النصر دون غيره من الجيوش، وأيضًا معركة القسطنطينية التي استطاع فيها محمد الفاتح تحطيم حصون مدينتها بخطة استثنائية، ليخرج علينا في النهاية بالخلاصة التي انتزعها من هذه الأمثلة عندما يخبرنا بكل وضوح “يبدو لنا من هذه القصص أن الانتصار في المعارك لا يرتكز بشكل أساسي على قوة الإيمان أو ضعفه، ولا يرتكز حتى على مجرد الأخذ بالأسباب. بل يرتكز بشكل أساسي على براعة الخطة وعبقريتها”.

والحقيقة أن الخلل الرئيسي في هذا السياق موجه إلى هذا النموذج الاستقرائي لقصوره في نفسه، وذلك لأن التاريخ قد حفل بآلاف الحوادث باختلاف أبطالها وتباين أوقاتها وظروفها والعوامل التي أحاطت بها فلا يمكن حصرها للخروج بنتيجة أقرب للصواب، كما أن هذا الدليل يمكن نقضه بسهولة بمجرد عرض نماذج أخرى معارضة لحضارات كانت متقدمة ماديًا وعلميًا ثم انهارت بسبب انتشار الشهوات أو الغضب والرغبة المحمومة في السيطرة، فنرى أمة الإسلام نفسها قد قامت كحضارة عظيمة على أيدي قلة من المؤمنين الصادقين والمستضعفين المعذبين في مكة والفاقدين نظريًا للأسباب المادية، ثم أدى افتقاد هذه الأسباب المعنوية ذاتها إلى الانهيار عندما تسلل ضعف الإيمان وانتشار الشهوات لدى ملوكها فيما بعد حتى سقوطها في يد أعدائها، كل ذلك بالرغم من توفر عوامل القوة المادية ظاهريًا من اتساع النطاق الجغرافي ودخول عشرات الآلاف إلى الدين الإسلامي ووجود العديد من العلماء المتميزين في مجال الطب والفلك والرياضة والطبيعة وغيرها، بالإضافة إلى تطور آليات ووسائل الحرب والقتال، وهي كلها عوامل كان يجب أن تمنح النصر المحتم بالقياس إلى النظرة المادية البحتة التي ساقها الكاتب.

ما الإيمان؟

في جزء آخر من المقال تطالعنا تساؤلات الكاتب عن كيفية قياس الإيمان ودرجته الكافية لتحقيق النصر! تلك النظرة التي لم تخلُ من سيطرة النزعة المادية أيضًا عندما نراه يقارن بين درجات إيمان الأفراد بالنسب المئوية! ثم يتساءل عن سر هزيمة الشخص المؤمن التقي والورع بذنب صاحبه (بشكل آخر محيطه أو مجتمعه) عندما تقل درجة إيمان هذا المحيط عن النسبة المطلوبة! لنجده يخرج علينا بهذا المفهوم من السياق: طالما أننا لا نرى فرقًا بين من كان مؤمنًا وغير مؤمن في مسألة تحقق النصر، إذن دعونا نخرج قضية الإيمان من المعادلة!

إن هذا المعنى لا يساهم إلا في ترسيخ فكر المرجئة القديم في فصل الإيمان عن العمل وإنكار علاقة الإيمان مطلقًا بتحقق النصر، كما أنها لا تنم سوى عن ضعف وقصور شديد في إدراك مفهومي الإيمان والنصر الحقيقيين بل وعن عدل الله وكيفية تحققه في المجتمع.

فالله سبحانه وتعالى لا يقيس إيمان الفرد بتلك الطريقة السطحية المبنية على القيام بالأفعال الظاهرية مثل قيام الليل والاستغفار وغض البصر، بل إن مفهوم الإيمان الحقيقي هو كما وصفه الرسول الكريم بأنه (ما وقر في القلب وصدقه العمل) وهو ما يضع شرطًا ضرورية للإيمان وهو ترسخ المفاهيم والاعتقادات الإيمانية في النفس بحيث يكون العمل مصداقًا وترجمة وانعكاسًا مباشرًا وتلقائيًا لها، وهو ما يخرجنا من دائرة الظاهر للتأكيد على أهمية الباطن، وما أكثر من نراهم ظاهريًا يلتزمون بالسلوكيات التعبدية أمام الناس وهم أبعد ما يكونون عن منزلة الإيمان بمفهومه الحقيقي.

التفسيرات الظنية الاستحسانية للنصوص

في مواضع مختلفة من المقال نجد نوعًا آخر من المغالطات يتمثل في اعتماد الكاتب على التفسيرات الاستحسانية الظنية المبنية على الهوى والرأي الشخصي دون دليل لعدد من الروايات والنصوص، فعلى سبيل المثال يستشهد بغزوة أُحد حيث يدعي أن سبب الهزيمة هو عدم إطاعة الخطة المحكمة للمعركة من وجهة نظر تكتيكية وليس بسبب معصية الرسول (ص) وطغيان شهوة التكالب على جمع الغنائم الحربية، وهو لعمري استدلال يفتقد لأي مرجح، اللهم إن كانت النظرة العلمانية المادية التي تنزع القداسة والقيمة وتحول كل شيء إلى قضية مادية دنيوية بحتة، فما هو قوله في الدليل النصي الذي جاء في هذه الحادثة من قول الله تعالى (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ)، (والرسول يدعوكم في أخراكم)، وما هو المرجح لتفسيره المتهاوي ذلك؟

نفس الأمر نراه في تفسيره لأمر غزوة حنين ولوم الله تعالى للمؤمنين فينفي كون ذلك بسبب العجب بكثرتهم والشعور بالقدرة والاستقلالية عن مشيئة الله تعالى، بل يؤوله إلى الاستهتار بالخصوم مما أدى إلى التساهل في المعركة وساهم في علو ناصية الأعداء على المسلمين!

ثم يختم موقفه بتفسير آخر يلوي فيه عنق النصوص بشكل واضح حين يتحدث عن موقف عمر بن الخطاب من عزل القائد الحربي خالد بن الوليد، فينفي أن تكون الدلالة متعلقة بتخوف عمر أن يثق الناس بقدرة خالد على نحو مستقل وفقدان إيمانهم وثقتهم بالله، ويرجعه فقط إلى تخوفه من فقدان الناس الثقة في أية قيادة أخرى!

إن هذا التفسير الاستحساني والشخصي للآيات والأحداث التاريخية وإسقاطه على المعنى الدقيق الذي يريده الكاتب هو كارثة معرفية وعلمية ودينية تفتح الطريق لكل خائض وصاحب رأي وهوى لكي يفسر النصوص والأحداث كما يريد، وفي علوم التفسير نعرف أنه لا تفسير أو تأويل إلا بدليل معتبر عقلًا وشرعًا.

عشوائية المنهج المعرفي

بالرغم من محاولة الكاتب ترسيخ هذا المفهوم المادي للنصر إلا أننا نجد بعض الجمل المتناثرة خلال المقال تتحدث عن شأنية الله والمعنويات وعلاقتها بأمر النصر أو الهزيمة، وذلك في حديثه عن قصة أصحاب الأخدود وفي تطرقه لحادثة غزوة حنين واعترافه بأن “كثرة العدد لا تغني شيئًا لو أراد الله أن يضرهم، فهو مالك الملك”.

إن هذه التناقضات إنما توحى بالتشتت والتخبط وغياب الرؤية وعشوائية المنهج لدى صاحب المقال، فقد أخرج الله والمعنويات من الباب ثم حاول أن يدخلهم غفلة من الشباك، والحقيقة أننا لو تساهلنا معه لقلنا أنه يحاول أن يقدم رؤية أوسع تضع الله والمعنويات في المعادلة مما سبقت في أول المقال لتصبح أكثر مقبولية، لكنها تظل تفتقد للتوازن حيث ترجح الكفة المادية وتفتقر للاستدلال الصحيح وتشوبها قراءة هوائية لا دليل عليها من النص والحدث التاريخي.

في نهاية المقال أيضًا تطالعنا الفقرة التالية “لن تعرف طيلة حياتك هل كنت من أهل الحق أم لا، وهل تدخل الله لنصرتك أم لا”، وفي هذا المقام تبدو لنا محاولة نفي قدرة الإنسان على معرفة صحة أو خطأ اختياراته أو التمييز بين طريق الحق من الباطل، وهو الأمر الذي يخالف منطق العقل الذي يستطيع الاستدلال من خلال مقدمات يقينية وبديهية على صحة أو خطأ المعرفة النظرية التي يكتسبها كما يستطيع التمييز بين الحسن والقبيح من الأفعال، ولعمري لو كان الأمر كما يصور الكاتب ماذا يتبقى سوى تمام العبثية وانتفاء القدرة على الاختيار الإنساني عندما تستحيل أمام الإنسان طرق معرفة الحق؟!

إن هذا التدارك الأخير إنما يمثل أخطر ما جاء في المقال من الخلط الشديد بين نسبية وعشوائية المنهج المعرفي وبين معرفة الحكمة الإلهية من بعض الابتلاءات أو النعم، فالأولى ستؤدي حتمًا إلى انتفاء القدرة على المعرفة وإقرار النسبية والعدمية، وإنكار كل معنى بما فيها معنى الوجود نفسه، أما الثانية فتفتح الباب لتحري الحق والصدق والأخذ بالأسباب على قدر الاستطاعة ثم التوكل على الله وأخذ الأسباب، وأخيرًا الصبر والرضا بقضائه، وشتان ما بين الأمرين.

المعجزة والتأييد الإلهي

في جزء آخر من المقال نشهد عددًا آخر من المغالطات والتباس المفاهيم المتعلقة بقضية المعجزة والتأييد أو التسديد الإلهي، يبدأها الكاتب بتصوير أمر المعجزة بكونها أمرًا خارقًا واستثناءً من قوانين الطبيعة المادية، فتصبح أمرًا خارجًا عن نطاق العقل والإدراك. والحقيقة أن المعجزة ليست مخالفة للعقل ولكنها فقط مخالفة للعادة والعرف العام وبينهما فارق، فالأولى تدعى حدوث نتيجة بدون مقدمات أو أسباب وهو محال، أما الثانية فتعترف بخضوع المعجزة لقانون العلية إلا أن أسبابها قد تكون غير معروفة أو ليست مما جرت عليه العادة لدى أصحابها، ونحن في حياتنا المعاصرة نجد العلم الحديث قد أثبت ذلك باكتشافه للعديد من القوانين المفسرة للظواهر الطبيعية التي كانت مجهولة من قبل، كما يقر بوجود الطفرات وهي الحوادث التي لا تتكرر بشكل دائم وإنما تحدث على سبيل الندرة وفي حالات خاصة جدًا وكل ذلك لا يعني أنها خارجة عن نطاق العلل والأسباب.

هذا التصور الخاطئ لعدم خضوع المعجزة للأسباب الطبيعية هو ما ترتب عليه الاعتقاد الخاطئ الذي وصفه الكاتب أيضًا بأن الله يتدخل بشكل جبري من خلال المعجزة أو “هدية السماء” – على حد تعبيره – لنصرة من يؤيده، وهو القول الذي يؤدي إلى سقوط الاختبار والتكليف وينفي الغاية من الوجود الإنساني التي تعلقت إرادة الله بكونها مختارة ولديها إرادة حرة في الفعل، كما أن فيه نسبة للظلم إلى الله وتشكيكًا في عدله.

والخطأ الآخر الذي وقع فيه الكاتب هو المتعلق بقصره لأمر التأييد الإلهي على الأنبياء وحدهم اعتقادًا بأن ذلك التأييد لا يُمنح سوى للمعصومين وليس لمن كان يصيب ويخطئ مثل عامة الناس، وهو قول مضحك، فالأولى أن يؤيدنا الله عندما نكون على حق ويرفع عنا تأييده عندما نكون على الباطل، ومن قال إن إلهام الله لنا لاكتشاف ثغرة في خطة العدو أو اتخاذه قرارًا غير حكيم لا يعد على سبيل التأييد والتسديد من الله!

إن المعجزات وإن اختص بها الأنبياء كنوع من التأييد الخارق للعادة أمام أقوامهم فإن ذلك لا ينفي استحقاق غيرهم لهذا التأييد طالما استوفوا شروطه الإيمانية ووقفوا فيه إلى جانب الحق بإخلاص وصدق ويقين، ولكن كما يبدو فإن الكاتب أراد بهذا الجزء التأكيد على فاعلية العلل المادية وحدها كمسبب للنصر وكأن لسان حاله يحث الآخرين بعدم التوقف لحالهم مع الله أو اهتمامهم لأمر الله في تأييدهم أو نصرتهم، وهو نوع آخر من دس السم في العسل يحاول به ترسيخ ذلك الاتجاه العلماني الذي يسعى لنزع أية علاقة لله وتدخل له في أمور حياتنا الجزئية والعملية.

من أين يأتي النصر؟

إن تحصيل المفهوم الحقيقي للنصر يرتبط بالرؤية المعرفية للإنسان التي تشكل مفاهيمه، وهو ما يؤكد سيطرة الرؤية المادية المستمدة من الفلسفة المادية الغربية التي طمست هويتنا وشوهت مفاهيمنا نتيجة لهيمنة النظام العالمي برؤيته وأيدولوجياته المادية الاستعمارية، وهي الرؤية التي لا تؤمن سوى بنصر التغلب والقهر ولا تقيسه سوى بحساب المكاسب والخسائر المادية وعدد القتلى في الطرفين ومدى تقدم وتطور الآلة المادية العسكرية.

أما الرؤية الإلهية فهي التي تضع الله في مركز الكون وتعتبره هو الموجد لكل الأسباب وهو العلة الإيجادية التامة لكل معلول، وبناء عليه فإن كل أسباب النصر على اختلافها هي منه وتعود إليه، وفي مقام توحيد الربوبية ندرك أن لا رب ولا مدبر ولا فاعل إلا الله، وهو ما يضع تفسيرًا للآية (وما النصر إلا من عند الله).

هل تنتفي بذلك مسؤولية الإنسان في صناعة النصر؟

إن مسؤولية الإنسان وحاجته إلى أن يأخذ بالأسباب المادية والمعنوية لا تنتفي لتحقيق النصر، فمع كون الله سبحانه هو الفاعل والمسبب الأول ولكن فعل الله في العالم المادي (الدنيا) لا يكون بشكل مباشر بل يأتي من خلال سلسلة أو واسطة من الأسباب التي تسمى بالأسباب الإعدادية، وهذه الأسباب لا تستغني في وجودها عن الله ولا تسود أو تنفذ إرادتها بشكل مستقل وإنما تكون في طول إرادة الله وربوبيته – مثل أننا ندرك جيدًا أن الله هو الخالق ومع هذا يحتاج الطفل لأب وأم لكي يولد – وهؤلاء يحتاجون أيضًا لأسباب لإيجادهما، وهكذا تترتب العلل والمسببات حتى تنتهي إلى الله فجميع تلك الأسباب المتوسطة تحتاح إليه في الوجود.
فعندما يقول الله في معرض آيات النصر (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، فهو يعني أن الله هو الذي منحك الإرادة التي اخترت بها أن ترمي، ومنحك القوة والقدرة التي رميت بها، لذلك تعتبر إرادتك وقدرتك هي واسطة الأسباب والتي بدون إيجادها عن طريق الله لم تكن النتيجة (النصر) ليتحقق.

مفهوم النصر الحقيقي

في مسألة النصر تتنوع هذه العلل الإعدادية لتشمل كلًا من العلل المادية من حسن التخطيط وفهم الواقع والكفاءة والحنكة والمهارة العسكرية واتخاذ أسباب القوة المادية وغيرها، كما أنها تشمل عللًا معنوية منها الصبر والتضحية والإيمان والتقوى وصلاح النفس ومعرفة الحق والتزام جانبه بصدق التوجه.

والتصورات الإلهية تصيغ مفهوم النصر الحقيقي على المستوى الفردي في تحلي الإنسان بالأسباب المعنوية فيفوز بالسعادة والقرب من الإله، وعلى المستوى المجتمعي فبالإضافة لصلاح أفراده يحتاجون للأخذ بالأسباب المادية من أجل تحقيق عدالة الله في الأرض والانتصار على الظلم والفساد في المجتمع، من هنا يصبح جهاد الفرد وصبره وتضحيته في المعركة فوزًا ونصرًا حتى لو انتهى لهزيمة مادية، ومن هنا أيضًا ندرك أن الله لا يمنح نصره الشامل للمجتمع إذا لم يتمتع حد معقول منهم بالكمالات الحقيقية بعيدًا عن البحث عن الشهوة أو الشهرة أو السلطة، ودون أن تتوفر لهم أيضًا شروط أساسية من فهم الواقع وكيفية إرساء العدل والوحدة والتعاون على الأهداف، من دون أن يضر أو ينقص ذلك من جزاء أفراده المؤمنين شيئًا.

ولما كان الأصل للأسباب المعنوية بدون إهمال الأسباب المادية، لذلك كان تأييد الله للمؤمنين على قلة العدد فهؤلاء استوفوا الشروط المعنوية وجاهدوا قدر طاقتهم لاستيفاء العلل المادية فاستحقوا تأييد الله ونصرته، ولذلك كانت أيضًا هزيمة من يقف إلى جانب الحق أحيانًا عندما يهمل العناية بأسباب القوة.

النصر المادي

يطالبنا الكاتب في نهاية مقاله بالسعي إلى تحقيق النصر المادي الدنيوي فقط فهل هذا هو النصر الحقيقي الذي نبحث عنه؟ إن من يأخذ بأسباب النصر المادية فقط يمكن أن يحقق نصرًا على المستوى المادي ولكنه لن يكون نصرًا بالمفهوم الحقيقي، ففي مسائل النصر المادي يستوي المؤمن والكافر (كلًا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك)، وهو ما يفسر تحقق نصر القوة والغلبة للبعض حتى مع كونهم يقفون إلى جانب الباطل.
لكن الحقيقة أن أهل الحق لا يهمهم تحقق النصر المادي في حياتهم أو لا، فكل المكاسب المادية أو هزيمة النصر في جولة لا تعني أنه باطل، فالحق هو الحق في ذاته وليس حق القوة وليس مع المتغلب، وبالتالي فلا ينبغي أن يصبح الغرض هو البحث عن تحقيق أي نصر مهما كان، بل يجب علينا معرفة ماهية النصر الحق ومن ثم نتوجه إليه (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).

عدل الله

نتيجة لغياب بعض العلل الإعدادية ووجود الموانع ومحدودية مشيئة الإنسان وإراداته ففي النهاية قد يجتهد للأخذ بجميع الأسباب ثم لا يتحقق النصر المادي، لذلك يخبرنا الله أن على الإنسان السعي وليس عليه إدراك النتائج وهو عين عدل الله، فالله سبحانه لم يكلف البشر ويحاسبهم على تحقق نتائج أفعالهم بل يحاسبهم قدر وسعهم وطاقتهم على الفعل، وعلى توجههم أكان في طريق الخير والحق ونصرته أم في طريق نصرة الزيف والباطل والشيطان ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى).

كما أن عدم تحقق النصر المادي قد يكون لحكمة من الله أو تعلق لإرادته بأمر آخر، فقد تتعلق بالابتلاء لتمحيص المؤمن من الكافر أو لادخاره الجزاء في الآخرة (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون).

كما أن الانتصار على الظلم وإرساء قواعد المجتمع العادل لا يتعارض مع كون المجتمع فقيرًا أو يمر بابتلاءات مادية نتيجة للنقص الموجود في عالم المادة، أو لمحاربة المجتمعات الظالمة له، من خلال كل ذلك يمكن لنا أن ندرك مدى تهافت أسئلة الكاتب الاستنكارية حين يقول “لم يستجب الله للشاب المستغيث ولم ينصره بالشكل الذي أراد” أو عندما يتساءل “ما السر الذي جعل النصر يتأخر قرابة عام كامل؟!”.

ولا يمكن أن تتعلق إرادة الله بالنصر بعد أن تتحقق الأسباب من جانب ثم لا ينصرنا الله، لأن هذا القول ينسب الظلم للإله إما لعجز لديه أو لفقر أو لجهل وكل ذلك عليه محال (وما ربك بظلام للعبيد)، فعدالة الله قد تحققت بالفعل عندما خلق لنا النظام والكون على أفضل استعداد ممكن، وعندما أرسل لنا الخطة التفصيلية لإقامة العدل على الأرض ولم يترك سببًا لتعريفنا بها وإقامة الحجة علينا إلا وفعله من إرسال للكتب والرسالات والهداة، وما يتبقى علينا هو أن نختار بإرادتنا الحرة التزامنا بها أم لا، وعليه فكل ظلم وكل شر في الأرض هو نتاج لأفعالنا نحن فقط وليس لأحد آخر، نحن من نختار نصرة الحق أو الباطل، ونحن من سننجو ونستفيد إن اتبعنا وأطعنا واهتدينا، ونحن من سنخسر دنيانا وآخرتنا إن أعرضنا، وتظل سنة الله الكونية وقانونه في الأرض (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) و(مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ).

هل أخذنا بالأسباب؟

إن الهزيمة التي منينا بها في السنوات الأخيرة تجعلنا ندرك أن ثمة فارق كبير بين من يحمل فكر وهم ورسالة المجتمع الفاضل والعادل وبين من يحمل فكر الثورة فقط، فالأخير رافض للظلم بدون أن يدرك معايير العدل أو يملك رؤية لما هو قادم وقد يمارس أفعال الطغاة والظالمين في حركاته دون التقيد بالمبادئ الأخلاقية والاجتماعية، لذلك تحتاج الثورة إلى الفكر قبل الحركة ثم إلى النفوس المجاهدة المضحية التي آمنت بالعدل سبيلًا وغاية، وليس فقط إلى من يسعى وراء النصر المادي – هذا إن استوفى أسبابه – أو من يسعى وراء حرية المصالح والشهوات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الله, النصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد