كنتُ أراقب البحر من المكان الذي جلست فيه. والأغاني العربية كانت تتابع بنغم من القائمة الموسيقية الموجودة بهاتفي. وبينما التف النسيم بطيور النورس البيضاء وتمايل معها أثناء الطيران، خالط سمعي لحن شجي أبدعته أيدي رياض السنباطي؛ فجاء متناسقًا مع أبيات قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي «يوم العيد وليلة القدر» التي غنتها أم كلثوم بنبرتها الساحرة «الملك بين يديك في إقباله عوذتُ ملكك  بالنبي وآله».

كانت أمواج بحيرة مرمرة تتراقص أمامي. والسفن تبحر بين ضفتي إسطنبول. وطيور النورس تحوم بأجنحتها تحت سماء المدينة وَتَرِفُّ الهواء بأجنحتها على السفن؛ لتقترب من الراكبين بحثًا عن فُتاتِ الخبز. ذلك المنظر الطبيعي كان أشبه بقطعة موسيقية تم تلحينها بين يدي وأنا جالس هناك على شاطئ (كادي كوي) أراقب المشهد من قلب الطبيعة المائية.

البحر يساعدنا على انتزاع الذكريات الفنية من ذاكرة التاريخ. هناك على ضفاف المتوسط ولدت «ألكساندرا بدران» بمدينة مرسين ومن مُقلتيها تنبعث التراجيديا الفنية التي جعلتها تعيش بحظٍّ بائسٍ. وعلى الرغم من جمال النَّاظر الموجود بحدقة عينيها عُرِضَت عليَّ صفحات من تاريخها الحزين. ومن تاريخها البائس تنبض حياتها بالفن والجمال.

تُعزف الآن برأسي بعض الألحان العربية. فمنظر الغروب وحركة الشمس وصوت أسمهان المنبعث من هاتفي وهي تغني بلطف أغنية «ليالي الأنس في فيينا» أعادا إليَّ ذكرى ولادتها في البحر. بحيرة مرمرة يصب فيها بحر إيجا ومدينة إزمير تقع بمنطقة إيجا وأسمهان قد ولدت على متن سفينة كانت تبحر بعائلتها من إزمير متجهة إلى بيروت عاصمة لبنان.

لم يُنجز محمد القصبجي بالرغم من مهارته وقامته وإبداعه في فن التلحين؛ أي أعمال تذكر على مستوى القصائد العربية، بينما أبدع في ألحان تلك الأغاني القصيرة والأدوار التي لحنها لأم كلثوم وقد عمل معها لأكثر من أربع عقود. لم يكن ميالًا لتلحين القصائد لذا اقتصر على تلحين الأغاني العامية التي اعتقد أحمد رامي بأنها من الشعر الفصيح وماهي منه بشيء. ومضى الحال بهذه الصورة ولم تضف أم كلثوم أي شيء لمكتبة الموسيقى العربية على مستوى القصائد. ومنذ عام 1936م، جاء رياض السنباطي لفرقتها لكي يعطي للتاريخ الموسيقي ألحانًا جديدة فتناول فيها بعض قصائد الشوقيات.

ونحن سنتناول ألحان تلك القصائد وغناء أم كلثوم لها بالنقد والتحليل. وسنعرض لكم فلسفتنا النقدية ورؤيتنا الموسيقية للفن وسنعرض آراءنا بوضوح منطلقين من الفلسفة البنيوية. سنفصل بين الفنان والنص الذي غناه ولن نلتفت إلى السياق الثقافي الذي عاش فيه الفنان ولا يهمنا ما قال النقاد عن الفنان من مدح زاد عن حده. لذا سنقيِّم العمل الفني بكل حياد موضوعي.

الموسيقى علم تركيب الأصوات. والتلحين جزء منها؛ لذا على الملحن أن يتعامل مع الأنغام الموسيقية من هذا المبدأ لأن الأنغام تنبض بالحياة. مثل الألفاظ التي تبنى منها القصائد تعتمد على مهارة الشاعر فكلما كان رقيق الحس وفي قلبه قد أودع الله ملكة التعبير الفني جلب القلوب بشعره من خلال النص. والملحن يجذب الناس بالأنغام والألحان.

القصيدة الشعرية محكمة في بنائها النصي. إذ يحكمها قانون دقيق لنظم القصائد على الأوزان الموسيقية فيتم فيه مراعاة مواقع الشعور في النفس. لذا فبراعة القصيدة تظهر من ألفاظها والمعاني التي يعبِّر عنها الشاعر بواسطة تلك الألفاظ المحكمة بالوزن والقافية وكلما انسجمت الكلمات وتلاحمت داخل بِنية النص كان ذلك الانسجام بين الأبيات هو الهدف الموسيقي وراء تأليف الشعر وتلحين الموسيقى.

لا توجد قصيدة من قصائد أحمد شوقي غنتها أم كلثوم إلا وفيها أغلاط. وقد عدتُ إلى جميع تلك الأغاني كلها وسمعتها مرة كناقد ومرة كمعجب ومرة كمحلل نفسي، وفي كل الأحوال انتيهت إلى هذا الرأي: أم كلثوم لم ترقَ إلى مستوى إتقان القصائد العربية الفصيحة على الرغم من تجربتها الطويلة في مجال الغناء العربي.

بين أيدينا قصيدة «ذكرى المولد» لأحمد شوقي التي غنتها أم كلثوم ولحنها رياض السنباطي وفي بداية الأغنية خطأ واضح في النطق غنت:

«ويُسأل في الحوادس زو صواب فهل ترك الجمال له صوابا» والصواب: وَيُسأَلُ في الحَوادِثِ ذو صَوابٍ فهل تَرَكَ الجَمالُ لَهُ صَوابا وتستمر في الأخطاء إلى أن تبلغ هذا البيت: وَكُنتُ إِذا سَأَلتُ القَلبَ يَومًا تولَّى الدَمعُ عَن قَلبي الجَوابا

في الغناء الأول نطقتْ «إذا» بشكل صحيح وفي الثانية عَكَّتْ في الغناء فغنتها:(إزا) ثم أنهت البيت بكلمة (العزابا) وهي تريد (العذابا) وقد عذبتني وعذبت الشعر العربي وغذبت شوقي في قبره.

وفي هذا البيت البليغ:

وَما اِستَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ

إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُم رِكابا

ارتكبت فيه جريمة تألم منها صاحب الشوقيات بقبره وحولت الشوقيات إلى شوكيات بعدما أبدلت (إذا) وغنتها (إزا) فهذه الكلمة بينة الغلط وقبلها غلط آخر «وعلمنا بناء المجد حتى أخزنا إمرة الأرض» والصواب: أخذنا. وغنت قابا بدلا من غابا.

وفي هذا البيت وقعت في خطأ صغير:

أَبا الزَهراءِ قَد جاوَزتُ قَدري بِمَدحِكَ بَيدَ أَنَّ لِيَ اِنتِسابا فغنت بيد أن لي «النسابا» ثم تداركت وغنتها بشكل صحيح.

وعلى الرغم من غناء أم كلثوم لقصائد شوقي وتلحين السنباطي لها فإنها لم تقدر على غنائها بشكل سليم والأمر يعود إلى ضعفها في اللغة وعدم الاطلاع على القصائد العربية والتدرب عليها. بالإضافة إلى أن السنباطي ليس بشاعر لذلك اكتفى بتلحين الأغنية ولو كان شوقي على قيد الحياة لثقف أم كلثوم وهذبها لإلقاء قصائده بشكل سليم، ولكن غنت بعد وفاته.

ولو أخذنا من أم كلثوم هذه القصيدة وأعطيناها «لنور الهدى» لسمعنا غناءً فصيحًا ونطقًا سليمًا لألفاظ القصيدة فهي أكثر ثقافة وفصاحة من أم كلثوم ومن يسمع منها «يا جارة الوادي» ويقارن بينها وبين أم كلثوم لتأكد من أنها تملك ثقافة واسعة وأن غناءها للموشحات لا توجد فيه أي لكنات ولكن التاريخ الموسيقي ليس بعادل والجمهور والنقاد كذلك.

ويشفع للسيدة «أم كلثوم» مدحها للنبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فمنذ بدأت رحلتها الغنائية وهي تمدح إلى آخر عمرها وتاريخها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد