في تعامل أغلبية الأمة العربية مع الوقائع، الظواهر والحقائق، تعامل وضعي غير موضوعي معياري كل يريد الفهم حسب نظرته، الجيد إذا كان هذا الفهم تعدديا مبنيا على حقائق ثابتة ومعلومات ومؤشرات بعيدًا عن التوجه الفكري، السيئ تكييفه مع الأيديولوجيا الشخصية للذات أو التفسير حسب نظرة أحادية غير علمية منطقية غير ملموسة! مثال:

تفسير كل الظواهر والحقائق بنظرة دينية مع تشدد، ومثال هذا تفسير الظواهر الطبيعية بغضب الله والتسليم بها دون مراعاة الجانب العملي العلمي والأخذ بالأسباب، فنظرة الدين فقهية أما نظرة العلم فعلمية عملية علية، مثال هذا تفسير التضخم الاقتصادي بقلة الاستغفار بينما الواقع هو الارتفاع المستمر للأسعار نتيجة سياسات الدولة وكذا تفسير عدم نزول الغيث في مكان ما بأن القوم ولوا أمرهم امرأة. لا أنكر الإعجاز العلمي وفضله الكبير في خدمة الدين ونشر الإسلام لكن أن ترجع كل شيء علمي للدين فهذا خيال وفي هذا مثل ما حدث للشيخ أحمد ديدات لما قال له القس إن في الحديث ورد أن الحبة السوداء شفاء لكل داء ماع دا السام والسام هو الموت، فقال له القس فلنجرب أن أعطيك السم ومن بعده الحبة السوداء فبهت الشيخ أحمد ديدات رحمه الله. فالإكثار من الإعجاز العلمي قد يصبح إزعاجًا علميًا.

تفسير الظواهر والحقائق بنظرة صوفية لايعلمها إلا صاحبها (بعض التجليات الصوفية) فمبدأ الصوفية هو تذوقها كما يقول ابن عربي وأرى في الأمر كأن تتذوق الموت لتعرف الموت أو تتذوق الخمر ثم تعرفه وهذا منافٍ للشرع. ففي الأصل كما قيل يجب تكييف الدين مع الحقائق العلمية لا العكس (هذا إن تم تكييفه فالدين أمر روحاني وشريعة حياة) لأن العلم نسبي متغير ومتطور وبهذا يكون الدين صالح لكل زمان ومكان.

تفسير الظواهر والحقائق بنظرة دجلية (كتفسير البدائيين أن الظواهر الفلكية والجيولوجية كالخسوف والكسوف والزلازل والبراكين هي سحر وعمل شياطين) كذلك التفسير الأولي للمرضى وغير الناجحين في حياتهم سواء العملية أم الزوجية على أنهم مسحورون أو بهم عين عافانا الله، فالأطباء المسلمون ينصحون بزيارة الطبيب والقيام بتشخيص أولي قبل العلاج بالرقية مثلا، فهناك مثلا من هي فتاة صالحة متزوجة برجل شقي غير صالح وتنتظر أن تكون علاقتها جيدة ومنطقيا علاقتها لن تكون في المستوى من الأول، أيضا كمن لا يدرس أو يجتهد وينتظر نجاحه ولما يفشل يفسر الأمر على أنه سحر وعين وحسد… فهذا يصبح كهنوت وتواكل وإيهام للعقل.

تفسير الظواهر والحقائق بنظرة التنمية البشرية، ومثال هذا تفسير الأمور على أنها نقص إيمان بالفكرة وعدم برمجة العقل الباطن (اللاوعي) ونقص ممارسة الإيحاء الذاتي واعتبار الشخص وحده المسؤول عن فشله دون مراعاة البيئة والإمكانيات كذلك تفسير الأمور بالممارسات الخرافية الأخرى كضعف الاستبصار والتخاطر والعين الثالثة والـ«Déjà vu».

كما أشير أيضًا في هذا الصدد إلى إيمان وتصديق الإنسان العربي بنظرية المؤامرة وتآمر قلة من اليهود على المسلمين والعالم بأكمله حتى إنه يرجح أبسط الأمور إلى هذا كلعبة السبينر مثلا أو أي فيديو كليب يحتوي على هرم وعين للماسونية. حدث في الجزائر أن اتهم بعض الشعب الجزائري على مواقع التواصل الاجتماعي الأوتاكو (مقلدي شخصيات الأنمي) في مهرجان فيبدا بأنهم عبدة شياطين.

تفسير الظواهر بميثولوجيا وخرافة كخرافة البومة والغراب في الشؤم والذئب في التفاؤل بيوم جميل.

لربما في بعض النقاط نستطيع أن ننتقد التفسير العربي والغربي أيضا مثل التصديق الأعمى ببعض العلوم التي فيها أشياء غير ملموسة ونظرية غير منطقية كعلوم الفلك وقصة اصطدام نيبيرو أو حتى صعود الإنسان إلى القمر، اكتشاف مخلوقات فضائية وإيمان الأمريكيين أن ناسا تتآمر عليهم. ميكانيكا الكم وخروجها عن مسلمات الفيزياء الكلاسيكية، الجيولوجيا وعلم الآثار والفيزياء النووية في إيجاد جمجمة إنسان عمره 3 ملايين سنة، البيولوجيا واللدنة العصبية رغم حداثة الأمر.

في الأخير هذه الاختلافات والتفسيرات غير المنطقية تنبع من عدم العلم بالأمور وارتياح النفس للتفسيرات الخيالية ولخمول بعض العقول عن الاجتهاد والتقصي والتحري وعدم تبني منهج الشك والنقد، فالواجب علينا لنرتقي بأنفسنا ونتقدم أن نشك ونبحث ونتعلم وأن نأخذ بالأسباب ونحكم بموضوعية وتعددية وشمولية بعيدًا عن العاطفة الجياشة.
فلتحيا الحقائق الصادمة بدلا من الكذب على النفس فليحيا السعي للتغيير بدلا من الاستسلام فلتحيا الواقعية رغم تأثيرها على العاطفة بالسلب. بالنظرة الواقعية ستتغير نظرتك وتحكم بموضوعية وتصل الحكمة وسرعة الفهم ولن تكون قبلة للاستحمار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد