الجزء الثاني: تكوير الفكر الإسلامي

فتحت الأحداث التاريخية من بعد عهد عمر بن الخطاب الباب مشرعًا لتدخل الدولة الإسلامية، وفرض مصالحها السلطوية على المدارس الفقهية الدينية والعلوم الإنسانية؛ مما أدى إلى وصول مدارس محددة وآراء معينة – دون غيرها – إلى مراكز القوة والاستئثار، ولعبت العوامل السياسية الدور الأكبر في تشكيل المنهج الديني وطرق التعامل مع نصوصه. وفي عهد الدولة الأموية أدى الصراع على الشرعية السياسية بين معاوية وعلي، ثم الصراع على أحقية الخلافة بين آل البيت والأموين، إلى بروز فكرة الحق الإلهي في الحكم[1]، وخرجت نصوص وتبريرات دينية داعمة لتوجه كلا الفريقين، واستغلت الدولة الأموية أقوال بعض الفرق، كالجبرية، والقدرية، في تبرير سلطتها القمعية.

وفي العصر العباسي اشتد الصراع السياسي على شرعية الحكم بين أبناء آل البيت، وبحثَ كل فريق عن غطاء ديني يستتر تحته، فنشأت فكرة الإمامة عند العلويين مقابل الخلافة عند العباسيين، وظهر المذهب الشيعي مقابل المذهب السني، ونتيجة للتحولات السياسية والاجتماعية المختلفة، تقلب موقف الدولة العباسية مع المذاهب والفرق الإسلامية المختلفة من تقريب وعطاء لبعضها على حساب الأخرى[2]. مع نهاية العهد العباسي الأول وتفكك الدولة العباسية إلى دويلات، استقر الأمر للمدرسة النقلية التي أخذت بفرض توجهات دينية محددة وبسط تصورات عقائدية معينة على عموم الناس. وقد ساهم تشارك المصلحة بين أنظمة الحكم، عبر التاريخ الإسلامي حتى يومنا الحالي، مع الفرق الإسلامية ذات المنهج النقلي إلى اضطهاد الفكر المخالف وتحجيم انتشاره، حتى لم نعد نعرف سوى روايات معينة، ومعتقدات محددة، ومناهج خاصة وضعها ذلك المذهب النقلي لمنع ومحاربة أي فكر نقدي أو عقلي جديد ومختلف[3].

وهكذا تشكل الوعي الجمعي للمسلمين بمختلف طبقاتهم على تقديس النص دون النقد، وتقديم المرويات على المنطقيات، وخلق رموز تاريخية وأخرى أسطورية أحيطت بهالة من القداسة والتحصين، إلى أن وصل بهم المطاف لتجميد المعرفة، وتكفير الفلسفة النقدية، ورفض كل ما خالف موروثهم الثقافي وإرثهم النقلي التلقيني.

إن المنهج النقدي الذي التزم به المسلمون في مراحلهم الذهبية، جعلهم يتعاملون مع القرآن وسائر النصوص الدينية بعقلية نقدية مكنتهم من تحري المقاصد الكلية للنص وتفهم ملابسات نزوله، ومراعات تاريخية النص ومحيطه الثقافي والاجتماعي، وضرورة تطوره خارج حدوده الزمانية والمكانية بما يخدم واقعهم ويثري حياتهم، ويقوي معارفهم. وبالتالي تنوعت المذاهب العقائدية، وتزاحمت المدراس الفقهية، واختلفت الأحكام الشرعية، فالدين لا يعبر عن ذاته، بل يعبر عنه ما يملكه أصحابه من مناهج، وأفكار، وفلسفة، ومنطق.

إن العقلية النقدية التي فتحت آفاق التقدم والمعرفة في العصر الأول للعالم الإسلامي، تبرأ منها اليوم أصحاب المدرسة النقلية، حتى أنهم لا يسمحون إلا بتقليد أفعال السابقين وأقوالهم دون زيادة أو نقصان، فأنهوا بذلك تطور الأخلاق والعدالة ونظم الحكم والحضارة. بل استفحل منهجهم التلقيني حتى وصل إلى تجميد المرويات والمنقولات الدينية، وتقديم روايات على أخرى، وإشهار أحداث دون غيرها، بما يتناسب مع أفكارهم ومصالحهم السياسية والاجتماعية. فمثلًا، أخذوا يقدمون مقولة «ناقصات عقل» [4] على آية تكريم الله للإنسان[5]، ويضعون بابًا في فقه الرق دون فقه الحرية، وتقصير الثوب على تطويل الكرامة، وقيام الليل على عمل النهار، وفقه الجزية على فقه المواطنة، وهكذا، حتى تم إخضاع العقل الجمعي للمسلمين لدائرة فهمهم الحصري، ومدارسهم الفكرية الخاصة.

وساهم في انتشار تلك المدرسة النقلية، حاجة سلطة الخلافة لبسط سيطرتها السياسية على الناس عبر تغليف أدوات ووسائل حكمها برداء ديني قادم من السماء. وبناء على ذلك تم ربط شرعية الدولة بنصوص دينية، وتم تصوير الخليفة بأنه ظل الله في الأرض[6]، وبررت سلطة الخليفة المؤبدة بما سيق على لسان عثمان بن عفان بأن الخلافة هي قميص من عند الله يُلبسه من يشاء ولا يجوز خلعه[7]، ومنحوا للخليفة حق قتل المخالف عبر تصوير موقف أبي بكر الصديق في حربه على القبائل بأنها حرب عقائدية، وليست حرب سياسية لحماية الدولة[8]، كما أججت العنصرية الفكرية والفرقة الطائفية عبر تقديس بعض الشخصيات والمرويات التاريخية، وجعلت البيعة والطاعة والدعاء إلى الحاكم من المقدسات التي تسبق في أهميتها محاربة الفساد. واقتصر مفهوم أولي الأمر على شخص الحاكم، وليس قانون الدولة ودستورها، حتى تم تقديم الطاعة على العدالة[9]. وهكذا تم تحجيم العقل النقدي في الوعي الجمعي للعرب والمسلمين عبر مراحل التاريخ الإسلامي حتى يومنا الحالي.

وقد ساهم في تشكيل تلك المدرسة النقلية ما جاب العالم الإسلامي من صراع وطيد بين مدرستي أهل الرأي وأهل الحديث، حتى انتصر أصحاب المدرسة الأخيرة مع نهاية العصر العباسي الأول. فبينما كان سباق مدرسة أهل الفكر، وما عرف بأهل الكلام وفقه الرأي، يسير بنفس سرعة أصحاب مدرسة أهل الحديث، حول آلية التعامل مع الأحكام الشرعية وطرق الاستنباط، استمر هذا السباق خلال مراحل الخلافة حتى العصر العباسي الأول، دون ان ينتصر أحدهما على الآخر. لكن مع دخول العالم الاسلامي لبداية القرن الهجري الثاني، تم تأسيس ما عرف بأصول الفقه، ووضع له قواعد خاصة جعلت مصادر التشريع مقتصرة على النص القرآني، والسنّة، والإجماع، والقياس، أو الاجتهاد[10]. وبالتالي تأسست مشروعية السنّة في ذلك العصر كمصدر ثانٍ من مصادر التشريع، حيث شمل ذلك المصدر أحاديث الآحاد بنفس القدر والدرجة التي يحتج به الخبر المشهور أو المتواتر. ولم يقتصر الأمر على جعل السنّة فقط شارحة ومفسرة للنص القرآني، بل تم تأصيلها كمصدر مستقل وجوهري منبثق عن الوحي. فكما أن القرآن أنزل بواسطة وحي، كذلك الأحاديث أنزلت عن طريق الوحي، وبالتالي فإنها تتمتع بنفس القوة التشريعية والإلزامية للقرآن.

ولم تقتصر السنة على الاقوال الصادرة عن النبي، بل تم توسيع مفهوم السنّة لتشمل الأقوال والأفعال والموافقات الصادرة عن النبي، أو حتى أصحابه، سواء في المعاملات أو السياسات، أو أي أمر آخر بما في ذلك السلوك الاجتماعي والثقافي، وحتى المنبثق عن الطبيعة البيئية الخاصة بزمانه. وبذلك النهج الاصولي الجديد أخذ الفقه يتحول عن مدرسة أهل الرأي، الذين كان تصورهم لعلاقة السنّة بالقرآن لا يتجاوز كونها نصًا شارحًا لا يستقل بالتشريع[11]، وقد اعتبر أصحاب مدرسة النص أن الاجماع يعد مصدرًا من مصادر التشريع، بل جعل معظمهم الإجماع جزءً من الوحي، وحتى القياس أو الاجتهاد، فقد تم تقييده بما يجعل مخرجاته لا تقوم إلا على اكتشاف لما هو موجود أصلًا في النصوص، وبالتالي لا يخرج الاجتهاد عن كونه عملية رفع الستار عن الحكم الموجد بالفعل داخل مكامن النص، ليكون الهدف الواضح هو توسيع النص وتضييق مجال العقل[12].

وبذلك فإن الإنسان بعقله البشري وإدراكه المعرفي قد تم إخراجه تمامًا من دائرة الفقه ومعادلة الاجتهاد، ولم يسمح للإنسان بدخول تلك الدائرة أو الاقتراب من محيط المعادلة، إلا إذا تمكن من حفظ النص، واعتمد على آليات الاسترجاع والترديد. فكل شيء في هذا الكون، وكل تساؤل في هذه الدنيا، له إجابة شافية، ولكن ينقص فقط أن يمتلك حفظ النص وتذكر المعلومة [13]. تلك المنهجية أسست للعقل النقلي، وحجمت الفكر النقدي، وازدادت سيطرة المدرسة النقلية تدريجيًا حتى استحكمت من أمر المسلمين وعقولهم. وكما ذكر نصر حامد أبو زيد[14]، فإن الوعي الجمعي للفكر الإسلامي استقر على اعتبار القواعد التي يتلقونها عن المذاهب الإسلامية، بكونها قواعد ثابتة ذات منطلق عقدي أو ممتدة عبر الوحي الإلهي، وليست قواعد تكوّنت وتراكمت عبر صيرورة تاريخية محكومة بقوانين اجتماعية وقواعد ثقافية خاصة، ومرحلة تاريخية محددة[15]. هذه الشمولية في توسيع سلطة النصوص، بل جعل قراءاته أزلية، ثم تقييد القياس ليكون مجرد أداة اكتشاف الثابت من النص، قد ألغت وعي الإنسان وفاعليته العقلية، كما أهدرت خبرته التراكمية، وقضت تمامًا على المنهج النقدي وتطور نظرية المعرفة. ومما زاد في تحكم النص على العقل هو انتصار الدولة لتلك المدرسة النصية، ودعم سلطتي المجتمع والسياسة لإرادة رجال الدين والحكم في تكريس المنهج النقلي وإلغاء الفكر النقدي[16]. وهكذا يأتي الأشعري في مجال العقيدة والغزالي في مجال الفكر والفلسفة، ويجمع بينهما ابن تيمية في نبذ العلوم الدنيوية[17]، لتكتمل بهم دائرة تكبيل العقل العربي الإسلامي والهيمنة على مجمل الخطاب الديني والمعرفي حتى عصرنا الحالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد