الجزء الثالث: تحجيم الوعي الجمعي للمسلمين

حين صُدم العرب بالاستعمار يحتل أراضيهم ويسيطر على مقدراتهم، لم تقيض تلك الصدمة عقولهم النقدية، أو تهز حاجتهم المعرفية، في ضرورة إعادة النظر في موروثاتهم الفكرية، بل كان الركون إلى الموروثات النقلية وجمود المعرفة هو المسيطر على عقولهم. فبدلًا من أن يسيروا وفق تطور المعرفة، أو تكوين منهج علمي وفكري جديد، في فهم النص وقراءته، أخذ أصحاب الفكر الديني التقليدي يطالبون الناس والدولة معهم بالعودة إلى التاريخ والتزام خطاه، بوصفه أفضل الحلول لمشكلات العصر، مستشهدين ببعض الشواهد الاستثنائية، والكثير من الأساطير الخيالية عن أمجاد الماضي وبطولات عصره الذهبي.

فساقوا في سبيل ذلك شعارات ونظريات دون أساس علمي أو بحثي سليم، معتمدين فقط على عواطف الناس الدينية، ونرجسيتهم الثقافية، ثم أخذوا عبر الخطب والمواعظ، يوهمون الناس بأن الدين وحده يمكنه أن يسير بهم نحو التفوق الأممي، وأن الإسلام شامل لجميع وسائل التقدم العلمي والحضاري، ولو أنّا فقط عدنا للعصر السابق لانتهى الفقر، ولساد العدل، ولهزمنا الغير، بل لتمكنا من الفوز على الحاضر والمستقبل.

ربما يؤدي تَلَهُّف الناس للهروب من وصمة الفشل، وتتوقهم لتحقيق العدل والمساواة، وحاجتهم لإرضاء غرور الاعتزاز بالنفس، إلى تقليب أوراق التاريخ بحثًا عن أي رواية أو أسطورة تحقق لهم نشوة الشعور بالانتصار أو الفخر؛ فترخي أعصابهم وتريح ضمائرهم عن مواجهة فشلهم في تقديم حلول جدية وموضوعية، لمعالجة الترهل الاقتصادي والسياسي والعلمي والاجتماعي في بلادهم. وإذا لم يجدوا في أوراق التاريخ ما يشفي غرور نرجسيتهم، تجدهم يهربون إلى روايات الخيال المستقبلي، التي تنبئهم بقرب قدوم المخلص المنتظر، وبروز علامات نزول سيفه من السماء، حتى إذا جمع الله الأعداء في الصف الغربي، خرج إليهم بسيفه المسلول ليسحق به أعين أعداء الأمة العوراء، ويفتح لهم باب الروم المقفول.[1] من هنا يقدم بعض الدعاة، مدفوعين بعواطف دينية أو دوافع سياسية استقطابية، حلولا وطروحات تاريخية، أو نظريات خيالية، تُبقي على الجمود ولا تدفعنا نحو التقدم العملي أو حتى التفكير العلمي النقدي. وكلما حدث موقف هز العالم، أو اكتشاف أبهر الناس، جاء رواد المنهج النقلي ليربطوا حدث اليوم بحديث الأسلاف؛ فإعلان حقوق الإنسان، وتحرير الرق الذي يعد أفضل إنجاز بشري على مر التاريخ، وحقوق المرأة وغيرها مما قدمه لنا الوعي الجمعي للإنسانية، ألمح به السلف الصالح أو أشار له فقهاء المسلمين في كتبهم الأثرية! هكذا يقوم دعاة العقل النقلي بتبسيط الأمر، دون أن يعطونا سببًا لسكوت المسلمين لأكثر من ألف سنة عن ذلك السبق، وتركه للغير حتى يعلنوه. ولم يقتصر الأمر على العلوم الإنسانية، بل حتى الاكتشافات العلمية والثورة المعرفية التي توصلت لها الإنسانية، يربطونها بنصوص القرآن وما بات يطلقون عليه تسمية الإعجاز العلمي. وهكذا يجري تخدير العقل العربي والإسلامي بتأويلات عاطفية ونشوات فكرية، حتى يبقى الناس في سكراتهم النرجسية، مسترخين بأمجاد الماضي وخيالات المستقبل، بعيدًا عن مشاق العمل الحقيقي لنهضتهم ودفع ثمن السير في ركاب الحضارة المعرفية.

لا شك بأن الاستسلام لأسطورة أن الإسلام جاء بكل ما وصل له العلم الحديث، وما توصل له الآخرون من نظم الدولة المتقدمة والديمقراطية وكفالة حقوق الإنسان، تغذي نرجسية الوعي الجمعي العربي والإسلامي بأننا لا نحتاج لتقديم أي إضافة للحضارة الإنسانية، بدليل أن ما وصلت إليه أفضل الحضارات من تقدم، جرت سرقته من موروثاتنا التاريخية، أو نصوصنا الدينية، أو أن اغلب ما اكتُشف علميًّا وكونيًّا قد ورد في نص القرآن أو الأحاديث النبوية! تلكم الأسطورة التي يستمر دعاة المنهج النقلي في ترديدها، تجعلهم يخلطون بين ما هو علمي مبني على تراكم المعرفة الإنسانية وبين ما هو ديني مبني على الوحي والفهم الصحيح لمراد الله؛ وبين ما هو وظيفة العلم الدنيوية وما هو من مقاصد الدين الإنسانية. فمن المهم أن نفرق بين الوحي وما هو مبني على التراكم الإنساني المعرفي، لأنه من جهة يجعلنا نتعامل بواقعية ومنطقية مع النصوص الدينية، ومن جهة أخرى يدفعنا للاستمرار بالبحث، حتى نقدم إضافة جديدة لما أضافه غيرنا.

وعليه، فإن تحقيق المراد من العدالة لا يتم اليوم عبر حمل الحاكم دقيقًا على ظهره ولو قضى في ذلك عمره كله،[2] كما أن فرضية جمع أموال الزكاة، بديلًا عن نظام التكافل وموارد الدولة، لا تستقيم مع حاجات الدولة الحديثة ونظمها الاقتصادية العصرية.[3] بل هنالك نظم اقتصادية وعلوم إدارية على الدول الحديثة تبنيها حتى تستطيع مواكبة العصر في تغطية حاجاتها، ومن ثم تقديم التكافل أو الرعاية الاجتماعية لرعاياها. فنظم العدالة الاجتماعية والاقتصادية السليمة لا يمكن لها أن تتحقق وفق فرضيات تاريخية، بل عبر نظم حديثة من بينها فن استخدام ثروات الدولة الطبيعية، ومصادرها الصناعية المختلفة، وطرق الإنتاج الحديثة، والأهم من ذلك كله هو وجود نظم إدارية وقانونية حقيقية في المحاسبة، ومنع الفساد ومراعاة الشفافية.


[1] في الحديث: «الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ – كَثِيرُهُ – مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ» (رواه مسلم 5222). وفي حديث فتح القسطنطينية عن أبي هريرة مرفوعًا: «فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ، يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللهِ، ذَابَ (أي الأعور الدجال) كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ» (رواه مسلم 2897).

[2] روي عن عمر بن الخطاب أنه حمل الدقيق على ظهره ليوصلها إلى أم الأيتام. انظر البداية والنهاية جزء 7.

[3] يذهب معظم أصحاب التوجه الإسلامي إلى أن جمع الزكاة وتوزيعها في مصارفها الشرعية يمكنه وحده أن يقدم الحل الفعلي والدائم لمشكلات الفقراء والعاطلين وأصحاب الحاجات المختلفة. انظر تقرير مجلة الاقتصاد الإسلامي.  

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد