الجزء الاخير: التحرر من سلطة النقل

إن استخدام العقل النقدي في التعامل مع النصوص الدينية أو التاريخية، تتيح لنا تحري دقة ما وصلنا من معرفة أو معلومات، وتجعلنا أكثر انسجامًا مع أنفسنا وتاريخنا، كما انها تمكنا من فهم الواقع وتقديم حلول موضوعية لمشكلاته.

تلك الآلية تجعلنا نتفهم المراحل التاريخية والسياسية للدولة الإسلامية، ونقيم سلوكها وتصرفاتها وفق منظور واقعي وانساني وليس وفق مسلمات أسطورية أو ملائكية. كما أن الدراسة النقدية ستمكننا من استيعاب التدرج الحضاري للوعي الإنساني وتطور منظومته الفكرية والأخلاقية، مما يتيح لنا الاعتراف بفضل الحضارات الإنسانية المختلفة على المسلمين بالقدر نفسه الذي نعترف فيه بفضل المسلمين على غيرهم. فعلى سبيل المثال، لم يكن الإسلام أول من قدَّم للبشرية نظام التكافل الاجتماعي، بل كان الروم أول من عرف عنهم ذلك النظام، ثم أخذت أشكاله بالتطور إلى أن وصل له المسلمون، فساهموا بالإضافة عليه، ثم وصل إلى الغرب فأضافوا عليه، ويمكن لنا أن نأخذ إضافتهم ثم نطورها، وهكذا تكون المعرفة تراكمية ومستمرة. يقاس على ذلك نظم الحكم، وإدارة شؤون الدولة، وطرق النظافة، ووسائل الحجر الصحي، وآلية التعامل مع الأعداء، وبناء المدارس والمستشفيات، وغيرها من شؤون الدنيا ومعارف البشرية. فكل ذلك قد حثت عليه حضارات سابقة وصلت معظمها إلى العرب، ثم جاء نور الإسلام، فعمل الرسول على أخذ أفضل ما وصله من علوم السابقين ومعارف اللاحقين، واستخدم أحسن أدوات عصره في التعامل مع متطلبات المجتمع والدولة، من مثل شؤون الصحة والنظافة وحسن المظهر، وتطبيق النظم الإدارية والبيئية، وهكذا. وبالتالي كان رسول الله يستخدم ويحث على أفضل ما وصله من معرفة إنسانية، ليس من باب كونه دينًا موحى به، بل من باب أنها علوم دنيوية ومعرفة تراكمية.[1]

إذا فسرنا النصوص الدينية والسيرة أو الأحاديث النبوية بتلك الفلسفة، فيمكن لنا بعدها أن نستوعب أي أثر أو قول عن الرسول جاء متفقًا مع العلم الحديث، وكان قد حث عليه الرسول أو طوره المسلمون من بعده، بوصفه امتدادًا أو تراكمًا للمعرفة الإنسانية، وفي المقابل يتم تفسير كل رواية لا تتفق مع العلم الحديث بكونها أقوال ومعارف بشرية كانت أفضل ما توصل إليه الإنسان في عصر معين، ثم تمكن الإنسان من الوصول لما هو أفضل أو أصح منها. بتلك الآلية نعزل الدين عن منافسة العلم الذي قد يخطئ، ونبتعد عن دس الدين في كل ما يمكن علميًّا إثبات عكسه. وعليه تكون الأقوال المأثورة عن دور الإبل في العلاج [2]، أو منع السم بأكل بضعة تميرات [3]، أو الشفاء من كل داء بالحبة السوداء [4]، أو ما ورد عن جناح الذباب[5]، أو النظم الاقتصادية والإدارية والعسكرية والسياسية، تكون كلها مما يندرج تحت باب المعرفة الإنسانية القابلة للتعديل والتطوير والتحسين. ولعل الحديث المشهور عن النبي حين قال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ»[6] بعد أن خرج التمر رديئًا بسبب إرشاده لأصحابه في أمور النخل، لأوضح دليل على ما سبق. فلو أنتج النخل تمرًا صالحًا، لحول أصحاب النهج النقلي إرشاد النبي من مجرد المعرفة الإنسانية القابلة للتعديل والتطوير إلى سنّة روحانية يتقربون بها إلى الله. لكن أراد النبي أن يضع لنا قاعدة عامة في أن أمور الدنيا، من زراعة وطب وسياسة واقتصاد وغيرها، تكون كلها مرتبطة بالخبرة التراكمية الدنيوية التي نحن اليوم أعلم بها، ثم سيكون الأحفاد غدًا أعلم بها منا، وهكذا لا تنتهي دائرة المعرفة عند زمان أو أمة أو مكان. هذا هو المنهج العلمي الحديث والمبني على نظرية المعرفة، التي قال عنها الفيلسوف بوبر إنها تنمو عبر قيامنا بالفحص النقدي المستمر إلى ما لا نهاية، وبالتالي لا يوجد حد للمعرفة نهائيًّّا.

لقد سبق أن أشرنا إلى أن انقطاع الوحي عن الناس، يفيد حتمًا أن البشرية قد بلغت رشدًا، ونضجت وعيًا، بشكل يُمَكِّنها من وصل ما قُطع من الوحي، وذلك عبر إعمال العقل ونَظمِ الفكر في فهم مقاصد القرآن الكلية، حتى يصل الناس للحق والخير والجمال وفق واقع عصرهم وتطور ثقافتهم الإنسانية. وإذا كانت رسالة الإسلام وما نزلت به نصوص القرآن، قد بينت لنا المنهج العام في التعامل الإنساني وقواعده الأخلاق، فإنه يجب علينا إذن السعي لتطويرها والعمل لديمومة تقدمها. إن هذا المنهج النقدي الذي التزم به المسلمون في مراحلهم الذهبية، جعلهم يتعاملون مع القرآن وسائر النصوص الدينية بعقلية نقدية مكنتهم من تحري المقاصد الكلية للنص وتفهم ملابسات نزوله، ومراعاة تاريخية النص ومحيطه الثقافي والاجتماعي، وضرورة تطوره خارج حدوده الزمانية والمكانية بما يخدم واقعهم ويثري حياتهم، ويقوي معارفهم.

المطلوب إذن هو التوقف عن إسقاط التاريخ والدين في معركة الإنسان مع المعرفة العلمية أو الإنسانية، أو نظم الدولة الإدارية والسياسية، بل علينا قراءة النص الديني أو الموروثات النقلية قراءة نقدية، قابلة للتعامل مع الواقع وتطور المجتمع وفهم المقاصد. علينا أن ندرك أن مراد القرآن هو تحرير العقل من سلطة الموروث وجمود الفكر، وتحري أهدافه ومقاصده الكلية بما يتيح لنا التطور الحضاري والأخلاقي، خارج حدوده الزمانية والمكانية، بما يخدم الواقع ويثري المستقبل، ويقوي صلة الإنسان بخالقه، ويحسن تواصله مع من حوله. كما علينا أن ندرك أن ما وردنا من أقوال وما توصل له أسلافنا من معارف لم يكن مبنيًّا على نسق تاريخي معين، أو التزام ديني محدد، بل بني على ما وصلهم من علوم سابقة، أضافوا عليها خبراتهم التي تمكن غيرهم من الاستفادة منها ثم تطويرها والبناء عليها.

ونحن نملك اليوم أيضًا أن نستفيد مما طوره غيرنا ثم الإضافة عليه، إذا رفعنا عن عقولنا غطاء الجمود النقلي، وقمنا بدراسة النص بعقلية نقدية موضوعية معمقة، وتعلمنا العلوم المختلفة وفق مناهج البحث الحديثة ونظرية المعرفة، ثم نعمل على الإضافة التراكمية عليها، وهكذا يستمر التدافع بين الناس حتى لا تفسد الأرض، وحتى يستمر ذكر اسم الله.


[1] عن رافع بن خديج، رضي الله عنه قال: «قدِم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة وهم يأبرون النخل (يُلقِّحون النخلَ) فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه، قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا، فتركوه فنفضت، فذكروا ذلك له فقال: إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر» رواه مسلم. (2363) وعن أنس بن مالك: «أن النبي، صلى الله عليه وسلم، مرَّ بقومٍ يُلقِّحون فقال: لو لم تفعلوا لصلَح، قال فخرج شِيصًا (تمرًا رديئًا). فمرَّ بهم فقال: ما لنخلِكم؟ قالوا: قلتَ كذا وكذا، قال: أنتم أعلمُ بأمرِ دنياكم» رواه مسلم (2362) وفي رواية عن طلحة أن النبي قال: «إن كان ينفعهم ذلك فلْيصنَعوه، فإني إنما ظننتُ ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظنِّ، ولكن إذا حدَّثتُكم عنِ اللهِ شيئًا فخُذوا به، فإني لن أكذبَ على الله عز وجل» رواه مسلم. (2361)

[2] ورد في صحيح البخاري «أن ناسًا اجتووا في المدينة فأمرهم النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يلحقوا براعيه يعني الإبل فيشربوا من ألبانها وأبوالها فلحقوا براعيه فشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صلحت أبدانهم». صحيح البخاري. حديث رقم (5362)

[3] ورد في الصحيحين قول النبي، صلى الله عليه وسلم، إن: «من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر» أخرجه البخاري (5445). وفي رواية مسلم «من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره سم حتى يمسي» صحيح مسلم (2047) .

[4] روي عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «في الحَبَّةِ السوْدَاءِ شِفَاءٌ من كل دَاءٍ إلَّا السَّام». قال ابن شهاب: والسام الموت، والحبة السوداء الشونيز. هذا الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه برقم (5688)، وأخرجه الإمام مسلم برقم (2215)، وأخرجه الإمام الترمذي برقم (2041)، وأخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (7287).

[5] في صحيح البخاري وغيره أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء». صحيح البخاري (5782).

[6] انظر الهامش 30 أعلاه، وقول الرسول علية السلام «أنتم أعلم بأمور دنياكم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد