الجزء الأول: التفسير النقدي للنص القرآني

تشكل الوعي الجمعي للمسلمين، بمختلف طبقاتهم، على تقديس النص دون النقد، وتقديم المرويات على المنطقيات،[1] وخلق رموز تاريخية وأخرى أسطورية تم إحاطتها بهالة من القداسة والتحصين، الى أن وصل بهم المطاف لتجميد المعرفة، وتكفير الفلسفة النقدية، ورفض كل ما خالف موروثهم الثقافي وارثهم النقلي التلقيني. فلماذا وكيف حدث هذا التحول في العقل الجمعي للعرب والمسلمين؟

حين العودة إلى النهج القرآني، نجد أنه وضع أسسًا أو قواعد عامة للتعامل مع المعرفة، هدفت إلى نقد الموروثات والتحرر من تراكمات الماضي وجمود الفكر، ﴿قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾،[2] ليكون مبدأ النقد العقلي أساسًا علميًّا ومنهجيًّا يجب إعماله عبر جميع العصور، وفي مختلف الأفكار والعلوم، سواء كانت متعلقة بالوجود، أو الخالق، او الطبيعة أو الكون. وهكذا أسس القرآن لوسائل بحثية جديدة، تعمد إلى تحري مصدر المعلومة ونقد مضمونها، ثم السير المستمر في البحث والتحري لتوسيع مدارك العقل، وكشف أسرار الأرض والكون وما بينهما من مخلوقات، وما حولهما من قوانين ومتغيرات، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾.[3] ورغم حث القرآن على ضرورة إعمال المنهج النقدي، فإن ذلك لم يمنع من انتشار المنهج النقلي التلقيني عن معظم المدارس الفقهية الإسلامية والفكرية العربية عبر تاريخها الممتد، حتى استحكم منهم جمود المعرفة ومحاربة الفكر الناقد، وبالتالي فصل الدين عن واقع العصر وانحصار قدرته على الاستجابة لمتطلبات الواقع المتغير.

لقد جعل الله الإنسان خليفته على الارض ثم كرمه الله بأن ﴿نَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾،[4] وميزه عن غيره بأن علمه الأسماء كلها. وبذلك تكوّن الإنسان الأول، وتميز عن غيره من المخلوقات عبر تمكنه من استخدام العقل والوعي والتواصل بالكلمة. فالاستخلاف في الارض قد ملكه الإنسان بإعمال العقل وإشغال الفكر، وتلك الروح التي نفخها الله في الإنسان قد أحيت فينا الوعي حول الذات والغير، وبالمعلومة التي علّمها الله لآدم، وعجزت الملائكة عن إحاطتها، تكونت لدينا المعرفة. تلك عناصر الكلمة – التصميم – التي أحيت الإنسان، وجعلته يرتقي على سائر المخلوقات، فحق للملائكة أن تسجد لكلمة الله وعظيم صنعه؛ إنها قدرة الإنسان على التفكير وإعمال العقل حتى يصل بها إلى جنة المعرفة.

إن صدق الاعتقاد بكون القرآن صالح لكل عصر ومكان، لا يتحقق عبر تقييد فهم نصوصه وتفسيراته لعصور سالفة أو موروثات ميتة. بل لا يتحقق صلاحه لكل زمان ومكان إلا إذا فهم القرآن على أنه منهاج ومقاصد، وضع للناس لكي يتعلموا طرق التفكير والاهتداء، وليس محددات وأحكام وضعها الله بشكل حصري ومقيد بحيث لا يمكن أن نخرج عن إطارها أو التفكير خارج مربعها، وإلا كيف نفهم قوله تعالى، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾.[5] فلا يعقل أن يكون القرآن تبيانًا لكل شيء إلا إذا كان المقصود أنه أوضح لنا المنهج العقلي، وأعطانا وسائل المعرفة التي من خلالها نستطيع الوصول إلى كل خير والابتعاد عن أي سوء، وفق حاجات الناس وبما يتناسب مع علومهم وثقافتهم في كل زمان ومكان. ولعلها من المفارقة العجيبة أن أصحاب المنهج النقلي لا يكفون عن القول بأن الإسلام هو آخر الرسالات السماوية، ولكنهم ينكرون ذلك فعلًا وعملًا وفكرًا. فالقول  الاعتقاد بأن القرآن هو آخر الرسالات السماوية، لا يستقيم مع ما ينادي به أصحاب المدرسة التقليدية السائدة، من توقف فهم النص القرآني عند شرح السابقين، أو تفسير الأولين، أو الوقوف عند خطاهم والتقيد بمصطلحاتهم، لأن ذلك المنهج التقليدي غير قادر على تطوير مفاهيم الأخلاق، أو مقاصد العدل الذي دعا إليها القرآن، ولا يمكنه أن ينتج فهمٕا قادرًا على تحريك النصوص وفهم معانيها بشكل يتوافق مع العصر ويلامس كل مكان وزمان.

وفق ذلك يمكن القول بأن التفكير النقدي العقلي يملك وحده فهم مقاصد القرآن الكبرى، وتحري أهدافه العامة التي دعا الإنسانية جمعاء للتمسك بها، تاركا لهم طرق ووسائل تحقيق تلك المقاصد والاهداف وفق واقعهم وقدرتهم على التخيل والإبداع. فمثلًا وضع القرآن قواعده العامة وفلسفته الخاصة في أصل التعامل الإنساني، حيث غرس القرآن بذرة الأخلاق الصلبة، ثم طلب منا سقاية تلك الغرسة، والعمل على تطويرها؛ وليس التوقف عند حدود تلك البذرة أو مرحلة غرستها الاولى. نلمس ذلك جليًّا في قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾.[6] فرغم حث القرآن في مواضع كثيرة على الإحسان والتقوى، ومنعه للفاحشة والبغي، فإنه لم يضع أي محددات أو مقيدات لتبيان معنى الفاحشة أو الإحسان، بل تركها مفتوحة لما أوزعه الله في قلوب وعقول البشر من تصور وتطور لمعاني حُسن الخلق أو سوء التصرف. وهكذا تكررت الآيات التي تدعوا الى التفكير والتدبر، والدعوة الى الإحسان والتقوى، دون تقييد تلك المصطلحات بمحددات جامدة، أو تعريفات مقيدة، مما يفرض على الناس استخدام المنهج العقلي النقدي، من أجل تفسير تلك المعاني، والوصول للحق والخير والجمال وفق واقع العصر، وتقدم المعرفة، وارتقاء الإنسانية. وبالتالي تبقى تلك المعاني تتدرج تلقائيا مع تدرج إرتقاء الأخلاق الإنسانية، وترتفع بما يتناسب مع مدى السمو الفكري والشعور الإنساني، ورقي الوعي الجمعي للبشرية.

ان انقطاع الوحي عن الناس، يفيد حتمًا أن البشرية قد بلغت رشدًا، ونضجت وعيًا، بشكل يُمَكِّنها من وصل ما قُطع من الوحي، وذلك عبر إعمال العقل ونَظمِ الفكر في فهم مقاصد القرآن الكلية، حتى يصل الناس للحق والخير والجمال وفق واقع عصرهم وتطور ثقافتهم الإنسانية، وبالتالي يكون الكتاب قد بين لنا كل شيء نحتاجه للوصول إلى مراد الله وسعادة البشرية، وصلاح الكون. وعليه فإننا نملك الادعاء بأن المنطلق العام الذي دعا إليه القرآن وطالب البشرية جمعاء بالتمسك به، هو أن كل حق وخير وجمال يتوصل له الإنسان عبر تطوره الفكري والحضاري يكون حتمًا من عند الله، أمر به وحث عليه؛ وأن كل ما هو خلاف ذلك الحق والخير والجمال، يكون منهيّّا عنه، أمر الله بتجنبه وحثنا على البعد عنه. فالأخير يمثل الفحشاء المنهي عنه بالقرآن، والأول يمثل التقوى والاحسان الذي أمر القرآن به.

وبالتالي فإن ما ورد في القرآن من موانع أو أوامر إنما كانت على سبيل المثال لا الحصر، أي إنها تضع للفرد الحدود الدنيا للأخلاق الإنسانية، ثم تطالبه أن يطورها ويرتقي بإنسانيته معها، بحيث لا يقف مفهوم الأخلاق عند عصر سابق بما في ذلك عصر الصحابة، بل تبقى معاني الأخلاق ومفاهيم الخير والحق تسمو وترتقي مع تطور الأخلاق الإنسانية، تلامس واقعهم وتسير مع إنسانيتهم في كل عصر وزمان ومكان. ولضرب صورة أوضح لما سبق يمكن النظر الى موقف الإنسانية من مسألة الرق، حيث ان العبودية أو الاستعباد لم تمثل مشكلة اخلاقية في عصر السابقين بما في ذلك زمن الصحابة، ثم تطور الوعي الإنسانيّ في العصر الحديث حتى تمكن من ربط الاخلاق بالحرية والكرامة الإنسانية. كذلك فإن مفهوم المواطنة، وحقوق الانسان، وقوانين العمل، وحقوق المرأة والأقليات «إنديفور» الحاجات الخاصة، وغيرها، أصبحت اليوم أكثر تقدما في الوعي الجمعي للإنسان، وبالتالي فان ذلك التطور الأخلاقي الذي وصلت له الانسانية يجب أن يمثل التقوى والاحسان الذي أمر القرآن به.

فالرسالة الإلهية يجب ان تبقى متقدمة على الوعي الإنساني للأخلاق، وتسمو عليه، ولا يملك عاقل أن يجعل رسالته الدينية وما تحمله من دعوة أخلاقية، متأخرة عن تطور الفهم الإنساني للأخلاق. فضرب المرأة، إذا كان لا يشكل عبئا أخلاقيا في زمن معين، فان قبول ضرب المرأة أو تحقيرها قد أصبح اليوم يشكل مهانة كبيرة يرفضها الوعي الجمعي للإنسانية، ولا يجوز قبولها بتبريرات الفهم الخاطئ للنص أو الامتثال لأقوال السلف وأفعالهم. وهكذا تقاس جميع المسائل الإنسانية والأخلاقية المتعلقة بواقعنا المعاصر، والذي لم يعد مقبولًا فيه ما كان اسلافنا يقبلونه او يلتزمونه. فمثلا حريم الاعتقاد في عصرنا، والتي أصبحت «إنديفور» تمثل اهم المبادئ الإنسانية، لا يصح ان نجرها للوراء أو نسلخها من واقعنا، بحجة التزامنا بالموروثات الفكرية لأسلافنا وفهم الخاص للنصوص التي كانت تبيح لهم قتل من خالفهم أو غير معتقداته. وعلى ذلك يقاس مفهوم المساواة، وحقوق المواطنة، ومسائل الميراث وسن الزواج والعدة، ومفاهيم الطاعة والقوامة، وقضايا الصلح والحرب، والجهاد والجزية، والحدود والحرابة، …الخ، من المفاهيم الإنسانية والأخلاقية التي يجب يتم ادراكها وفقا لمعطيات العصر، وبشكل يجعل من الرسالة الإلهية متناغمة بل ومتقدمة على ما حققته الإنسانية في سمو وعيه الإسلاميًّا الأخلاقي. وبالتالي فان موقف الفكر  من المتغيرات الإنسانية والأخلاقية، يجب أن يكون داعمًا وساعيًا لهضم واحتضان كل ما جاء فيها من خير وجمال.

إذا كانت رسالة الإسلام وما نزلت به نصوص القرآن، قد بينت لنا المنهج العام في التعامل الإنساني وقواعده الأخلاق، فانه يجب علينا إذن السعي لتطويرها والعمل لديمومة تقدمها. كذلك الأمر في شؤون السياسة ونظام الحكم، بما يشمل القوانين الدستورية والقوانين الخاصة والعقوبات والحدود وفصل السلطات، حيث جعل القرآن جميع تلك المسائل تخضع لقواعد عامة ، متمثلة بتحري ميزان العدل وتحقيق العدالة، كما جاء جليا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.[7] فالأمانة والعدل هي المقصد العقلي الذي دعا له القرآن وحثنا عليه، دون تحديد مفهوم خاص للنظم التي علينا أن نستخدمها في تحقيق مراد الله في إقامة العدل. ولعل ربط العدل بكل من الأخلاق (تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ) وسياسة الحكم والقضاء (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ)، ثم تكرار ذلك في مواقع كثيرة، دون تحديد مفهوم حصري لتلك المفردات أو تقييدها بتعريف معين، لأوضح دليل على مقصد القرآن بأن مفهوم العدل يجب أن يرتبط بمدى تقدم الفهم الجمعي للأخلاق الحميدة، وأن وسائل الحفاظ على منظومة العدل والعدالة، بما فيها التشريعات القانونية والتنفيذية، يجب أن تتطور بمقدار تطور الوعي العام للأخلاق الإنسانية، ومدى تقدم أنظمة الحكم السليمة، حتى يكون تأدية الامانة، او تحقيق العدل، قد تم فعلا بإحسان. وذلك يمثل المنهج الذي يجب أن يسير عليه الناس في فهم مقاصد القرآن ودلالة آياته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد