لا عيب أبدًا في التفكّر في الدين وفي خلق الله سبحانه وتعالي، فهذا واجبٌ علينا لكي نعلمُ من نحن ولماذا خُلقنا وكيف أمدّنا الله بنعمٍ لا عدد لها، وكيف نستخدمها الاستخدام الأمثل لننول جنتهُ. ولا عيب في أن نبدأ في تشغيل عقولنا ونُبدِع في خلق أشياء جديدة ونبتكر ونطوّر من حياتنا لنتغلب على العوائق التي تحجب من رؤيتنا. فما كُنّا توصلنا إلى ما نحن عليه الآن من علوم وفنون وابتكارات عالمية بدون استخدام الوسيلة المهيّئة لحلِّ مشاكلنا، وهي التفكّر والتدبّر والحكمة والاختراع.

ولكن مع حداثة هذا العصر، تغيّر شكل التفكير وتغيرت العقول وأصبحتْ دائمًا تبحثُ عن الاختلاف، حتى وإن كان خطأً. فنرى الآن الشباب قد وصل لمرحلة ما من اللامبالاة المفرطة، فلم يعد يهتم لا بتقاليد المجتمع ولا بتربيته التي نشأ عليها ولا بتعاليم الدين. أرى في شوارعنا رجالًا رغبت في كسر الملل والتغيير من نمط حياتهم، فارتدوا ملابس أشبه بملابس النساء وتكلموا بطريقة غريبة لا نفهمها، وصففوا شعرهم على أشكال مختلفة حيّرت عقلي، فلم أعد أرى الرجل رجلًا ولا الأنثى أنثى ولا المجتمع كما كان، فالكل يلهثُ وراء التغيير والاختلاف.

مع كلِّ هذا، ومع كثرة القراءة والتفتّح والتكنولوجيا التي رحبتْ بنا إلى عالمٍ خطير يهددُ كل شرارة تفكير في عقولنا، أتت علينا موجة متوقعة من «انتقاد الدين». فأصبحت وظيفة العقل هي التفكّر في الدين، ليس ليثبُّت إيماننا أو ليُزيدنا معرفة لله ولكن لإثبات وجهة نظر البعض التي تضع احتمالا حتى ولو ضئيلًا أن هناك خطأً في الدين. فأنا أرى الآن الشباب في سنواتهم الأولى من الإدراك والتي تختلط مع سنوات المراهقة المُرهِقة، أنهم يتلذذون باستخدام الفلسفة في التدبّر الديني ويظلون يبحثون عن شيء خفيّ يضعونه في عقلهم لينالوا الشهرة أو الانتباه، ويصبحوا مختلفين. أنا لست معترضًا على مبدأ التدبّر الديني باستخدام الفلسفة، ولكن إن استُخدِمتْ الفلسفة لتهدم أي عامود أساسي داخل بنية الدين، فشكرًا لها، فأنا لا أريد تضليلًا سخيفًا يجعلني في حالة من الشك الخالي من أي منطق؛ أنا لا أريد الشك لأجل الشك.

أمواج الفلسفة دائمًا ما تُعكر صفو الدين، لأنها تعتمد على التفكير الخالي من أي مُعتقدات دينية كانت أو دنيوية، وهذا التفكير الذي ليس لديه بنية تحتيّة هو أخطر أنواع التفكير العقلي لأن ليس لديه أي مرجع غير الإنسان وعقله. فالإنسان صاحب التفكير الفلسفي، وأنا أتكلم فقط عن الانحراف الديني باستخدام الفلسفة، يخترعُ الشيء ويُدخله في ممرات عقله ليضعه تحت الاختبار وبالتالي يوافق عليه. عندما تتحدث مع شخصٍ تحركه الفلسفة، تجد أن ليس لديه أي حُجّة، أو دليل منطقي؛ هو فقط يريد أن يفكر ويخلق عُقدًا وخيالات وأفكارًا شاذة ويدخلك في دوامةٍ من العراك الفكري معه ومعك أنت شخصيًّا.

إن أصل الفلسفة هو حب المعرفة، وحب المعرفة يجعلك تبحث عنها، وتبحث عنها من خلال طرح أسئلة كثيرة لتصل إلى الحقيقة. ولكن الآن الفلسفة أصبحت أن تطرح أسئلة كثيرة لتزيد من حيرتك، وتضعك في دائرة من الشك لا مخرج منها. أسئلةٌ تُطرح في الدينِ، كأين الله ومن خلقه ولماذا لا نراه، وإذا حفرت أعمق في الأسئلة فستجد أن الإنسان بدأ في انتقاد الدين والقرآن والتعديل منه. فكثيرًا من أصحاب هذا التفكير يرون، كمثال، أن ليس من العدل أن يحق للرجل أن يتزوج أربع نساء، فأين العدل وأين حقوق المرأة المُهدرة وما إلى ذلك من العُقم التفكيري الذي يدفعهم في نهاية المطاف إلى رفض الدين والاتجاه إلى الإلحاد أو العِلمانية، فهما وجهان لعملة واحدة.

إن الانخراط الزائد في الفلسفة يجعلك تمرن عقلك على الشك حتى يشك في أشياء لا مجال للشك فيها، فهو كما يُطلَق عليه بالإنجليزية Slippery Slope‪ أو «مغالطة المنحدر الزلق» لأنه إذا أخذت أول خطوة فيه، ستجد نفسك تنجرف إلى عالمٍ آخر من المعرفة أنت أضعف من أن تكون فيه. فهناكَ أشياء لا تحتاج إلى فلسفة أو تفكير مُطوّل فيها، لأن الدين منبعه الإيمان، والإيمان هو ما ينبع من داخلك؛ هو إحساسٌ يجعلك ترى الحقيقة بقلبك قبل عقلك، فداخل كل شخص منّا ضمير حي يحرك حواسنا دائمًا نحو حُب الدين تلقائيًا بدون أسباب. فإن تلاعبت الفلسفة بعقلك وأغرتكَ، فاستخدمها لمعرفة الدين لا للبعد عنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدين, الفلسفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد