عنّ لي، على تخوم موضوع الحرية، أن نعرّج على جانب ربما بدا بعيدًا بعض الشيء عنها، ولكنه في الحقيقة يشكّل وجهًا آخر لا بدّ من الالتفات إليه، لمعرفة حقيقة العالم الذي نعيش فيه، والمصطلحات والمفاهيم التي نتداولها، وذلك هو جانب «الحرية»، منظور إليها عبر الممارسة الغربية تجاه الدول الإسلامية ودول العالم الثالث على وجه العموم!

ذلك أن هذه الممارسة حملت – على الدوام- أبعادًا، وضعت مصداقية تلك الشعارات موضع تساؤل؛ فالنضج المفاهيمي النظري، الذي يشهده «الغرب»، يقابله في مجال الممارسة العملية، والتطبيق الواقعي، نقص شديد يصل إلى حد التناقض، وإذا كان «الغرب» هو حامل لواء الحضارة الإنسانية اليوم، فإن النظر إليه من هذه الزاوية، هو أمر لن يشرّفه!

وقد يرى البعض أننا هنا نمارس تمييزًا ضد «الغرب»، على اعتبار أن التناقض بين «المثال» و«الواقع» هو أمر وارد دائمًا، وأن الغرب ليس بدعًا من الأمر، فليس هو الوحيد الذي وقع في تناقض بين نظرياته وممارساته، بل إن ذلك أمر ينسحب على الجميع، بمن فيهم المسلمون أنفسهم! ولكننا هنا – في الحقيقة- لا نبحث مدى الفرق بين «النظرية» و«التطبيق»، فذلك أمر نسبي، ولكل حضارة تناقضاتها. ولكننا نتكلم عن الجانب المفاهيمي النظري نفسه! فالغرب يحمل – إذا صحت العبارة- خطابين: خطاب لنفسه، وأبنائه، وخطاب لـ«الآخرين»، ومن هنا نشأ كثير من التناقض المفاهيمي، وعلى مستوى الرؤى النظرية نفسها، هذا فضلًا عن الممارسات البشعة، التي تولّدت – وما تزال- عن هذه الازدواجية في الخطاب والرؤى!(1).

لقد كشف «القرآن الكريم» عن صفات أساسية لـ«اليهود»، نبعت عن قناعات وعقائد فاسدة تربوا عليها، مجملها أنهم كانوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم شعب «متميّز»، وأن كل من عداهم هو أدنى مرتبة منهم. ولذلك جاءت قولتهم المشهورة، التي حكاها عنهم «القرآن الكريم»: «لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ» آل عمران/75، أي إنه لا حرج عليهم في كيفية التعامل مع غيرهم «غير اليهود»، فليس الله بمحاسبهم على ما يفعلونه بالآخرين، وتجاههم، على اعتبار أن تلك هي إرادة الله نفسه، لقد كانت قناعتهم أنهم حقًّا «شعب الله المختار»: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ» المائدة/18، «وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً» البقرة/80 (2).

إن هذه العقلية اليهودية هي بالضبط ما أصبحت الأساس الركين للعقلية الغربية المعاصرة، في نظرتها تجاه «الآخر» الحضاري، أيًّا كان هذا الآخر، حتى ولو كان اليهود أنفسهم! وهو ما أصبح معروفًًا ومتداولًا اليوم تحت اسم «المركزية الغربية»، فالغرب هو «المركز»، وبقية العالم «أطراف»، والغرب هو «السيد»، وبقية العالم «أتباع»! وهو ما أصبح اليوم في حكم البدهيات الواضحة، التي يتفق عليها الجميع! ولكن كيف نشأ ذلك، ومن أين تستمد هذه النظرة أصولها؟! ولماذا ترسّخت في اللاشعور الغربي؟! ذلك هو السؤال المهم والحساس، وهو الذي يحتاج إلى دراسات معمّقة في ميادين التاريخ، والفلسفة، والدين، والاجتماع وهو ما قام بجزء منه «د. عبد الوهاب المسيري» في كتابه «الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ»، و«د. عبد الله إبراهيم» في كتابه «المركزية الغربية: إشكالية التكوّن والتمركز حول الذات»، و«د. إدوارد سعيد» في كتابه «الاستشراق»، وكتبه الأخرى أيضًا، وكذلك «روجيه غارودي» في بعض كتبه، وخاصة: «أمريكا طليعة الانحطاط»، يقول «غارودي»: «وإعلان استقلال الولايات المتحدة بتاريخ 4 يوليو (تموز) عام 1776… يعدّ مثالًا صارخًا لنفاق «الحرية»، بالمعنى الأمريكي للكلمة: فالنصّ يعلن منذ أسطره الأولى: (خلق جميع الناس متساوين، ووهبهم الخالق حقوقًا غير قابلة للتصرّف: الحياة، والحرية، والسعي إلى السعادة). والحال أن هذا المنشور عن «الحرية» أبقى عبودية «السود» لمدة قرن: ووجب قيام حرب أهلية، ليتم في العام 1865 إنهاء ما سمّي «النظام الخاص»، أي العبودية»(3). وهذا النص لواحد من أبرز منتقدي الحضارة الغربية المعاصرين، هو مجرد نموذج لما يمكن أن يقال في هذا المجال!(4)، ولكننا لن نتوقف عند النماذج، إذ إن حصرها يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين؛ فنحن أمام حضارة تمتد قرونًا متطاولة، فضلًا عن أن البعض يرجع جذورها التاريخية إلى العهود الرومانية واليونانية(5)، وإن كان التركيز جاريًا على أنها نتاج مباشر وفعلي للنهضة الغربية الحديثة؛ فلقد اتّسمت ممارسات «الغرب» تجاه الآخرين – على مرّ التاريخ- بالعدائية وسلب الحريات، بل بالمذابح الجماعية والإبادة، ويكفي على سبيل المثال التذكير بالمذابح العديدة التي كانت تجري بين الشعوب الغربية نفسها، وأحيانًا بينها وبين شعوب من خارج القارة الأوروبية، وما تبع ذلك من استعمار مباشر لبعض الشعوب، وإبادة كليّة لبعضها الآخر، واستعمار غير مباشر – وبصور شتّى- يشمل كثيرًا من دول العالم، ما نزال نعيش آثاره حتى اليوم!

فهذا الغرب إذن ليس رومانسيًّا، ولا هو بداعيةٍ لحقوق الإنسان، أو نصير للحرية، إلا بقدر ما تقتضي حاجته ومصلحته، ولا يتناقض كلامنا هذا مع ما هو معروف عن الغرب من «ضمان» لحقوق الإنسان، أو الحريات، إذ إن ذلك «مضمون» فعلًا، ولكن لمواطني الدول الغربية نفسها، وليس للآخرين(6)، وفكرة أن «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، هو عبارة عن إعلان لـ«حقوق الإنسان الغربي» ليس إلا، أصبحت مشهورة ومتداولة، وهي تعني أساسًا أن الغرب لم يزل – إذ كان كذلك تاريخيًّا- يرى نفسه «شعب الله المختار»، وأن الآخرين لم يخلقوا إلا لخدمته!

وإذا كان «أرسطو» – ذلك الفيلسوف الكبير- قد قسّم الناس آنذاك إلى طبقتين: طبقة أسياد، خلقت «حرّة» لتحكم وتقود الآخرين، هم «الإغريق»، وطبقة أخرى من النوع الوضيع، خلقت للاسترقاق، وهم «غير الإغريق»، فإن هذا الأساس النظري، قد تحوّل عند «الرومان» إلى «قانون»، كان يفرق على ضوئه في الامتيازات والحرية والحقوق بين الروماني وغير الروماني.

ولقد ظلّت هذه النظرة – على سذاجتها وبدائيتها- تلهم الفكر الغربي، وخاصة بعد ما سمّي بـ«الكشوف الحديثة»، أي «اكتشاف»(7) القارتين الأمريكيتين، أو الهند، مثلًا، وبعد ظهور نظرية «أصل الأنواع» لـ«تشارلز دارون»، وما أرسته من فكر ذرائعي عنصري، وجد تعبيره الفلسفي عند «نيتشه» – على سبيل المثال ليس إلا- ووجد تعبيره العملي عند «هتلر» والنازية الألمانية(8).

وليس المقصود من كل ما سبق محاكمة الحضارة الغربية، أو الدعوة لاتخاذ موقف ضدها، أو… فنحن، في النهاية، كمسلمين، إنما ندعو الجميع إلى ما دعاهم إليه سبحانه، في كتابه الكريم: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» آل عمران/64، فهي دعوة إلى الالتقاء على القواسم المشتركة، وهي دعوة لا تحتكر «الهداية» أو «الخير» لأبنائها، بل تنظر إلى البشرية كلها بعين سواء؛ لأنهم جميعًا في نظرها أبناء أب واحد وأمّ واحدة، والمسلمون أول من اعترف بـ«الآخر»، المختلف دينيًّا وثقافيًّا، ولم يكتفوا بذلك، بل قنّنوه، ودافعوا عنه تحت شعار: «لهم ما لنا، وعليهم ما علينا»، وهذه قمة لم تبلغها البشرية حتى الآن(9).

إذن فليس المقصود التشهير، ولا المحاكمة، وإنما هو بيان لواقع تشكّل قريبًا منّا، وعلى آلامنا وجراحاتنا، وما نزال نتعايش معه، أو الأصح: ما يزال يتحكم فينا، ويرى نفسه «سيد العالم». ومن هنا أهمية بحث هذه الخلفية الفكرية والفلسفية له، حتى نحسن التعامل معه؛ فالغرب هذا هو الذي يتحكم في العالم اليوم، وهو الذي يقود «عولمته»، وهو نفسه الذي يهلّل لنظريات من قبيل: «نهاية التاريخ»، و«صراع الحضارات»، دون أن ننسى أن هناك، من داخل الغرب نفسه، من ينتقد كل هذه المسيرة، و«أيديولوجيا التفاوت، واختزال الآخر»، التي تمّيزت بها، كأمثال «غارودي» و«دريدا» و«هابزمار»(10).

ونختم بكلام للدكتور «عبد الوهاب المسيري»، في كتابه آنف الذكر، إذ يرى أن «العنصر الحاسم في ظهور النزعة الإبادية – ضد اليهود، وغيرهم من الأقليات والجماعات والشعوب- هو الرؤية الغربية الحديثة للكون. وهي رؤية يمكن وصفها بإيجاز شديد بأنها رؤية مادية واحدية (حلولية كمونية) تعود جذورها إلى عصر النهضة في الغرب»؛ ولذلك فهو يرى أن هذه النزعة هي إفراز طبيعي لهذه الحضارة، نشأ بسببها، وليس رغمًا عنها(11).. وهو ما يدعونا إلى التأمل العميق!

الهوامش:

1- «وشيئًا فشيئًا اختزل تاريخ العالم إلى ثلاث مراحل متصلة بالتقسيم العرقي، وتجلياته. فالشرق يمثل عصر الآلهة، واليونان عصر الأبطال، والغرب عصر الإنسان، عند «فيكو». والشرق يمثل عصر الدين، واليونان عصر الميتافيزيقيا، والغرب عصر العلم، عند «كونت». والشرق يمثل الروح المجرد، واليونان المثالية الفردية، والغرب الروح المطلق، عند «هيغل». والشرق يمثل الأخلاق والدين العملي، واليونان النظر المجرد، والغرب الذاتية المتعالية، عند «هوسرل». ولقد أباح هذا التقسيم أن يمارس العنصر الذي انتهت إليه كل معطيات التاريخ «أي: الغرب»، كل وصايته على الطرف الذي ما زال يتخبط بعيدًا عن مجرى ذلك التاريخ». د. عبد الله إبراهيم، المركزية الغربية: إشكالية التكون والتمركز حول الذات، المركز الثقافي العربي، 1997، ص273.

2- لا يشير القرآن بالطبع إلى مصدر هذه العقائد، أو كيفية نشأتها، فذلك أمر متروك لنا «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ» العنكبوت/ 32.

3- أمريكا طليعة الانحطاط، روجيه غارودي، دار عطية، بيروت، 1998، ص30.

4- قد يعترض البعض على ذلك بالقول بأن مثل هذا التفاوت بين النظرية والتطبيق هو أمر طبيعي، وليس خاصًّا بالغرب، طالما أن التطبيق يعتمد على مجموعة متشابكة ومعقدة من العوامل، قد لا تكون دائمًا ضمن دائرة القدرة الإنسانية في زمان ومكان معينين، وطالما أن التصحيح – كما في مثال غارودي- يأتي من قبل الناس أنفسهم، ولو بعد حين، وكل ذلك صحيح، وخاصة إذا ذهبنا مع الرأي القائل بأن مجرد الارتفاع إلى هذا المستوى من إقرار الحقوق والحريات، ولو على المستوى النظري، يظلّ كسبًا قانونيًّا وفكريًّا وإنسانيًّا للبشرية! ولكن الأمور ليست بهذا الصفاء دائمًا، وخاصة إذا كانت التجاوزات على تلك الأصول النظرية متكررة، وعلى أكثر من صعيد، ولفترات مديدة!

5- انظر: أحمد العماري، نظرية الاستعداد في المواجهة الحضارية للاستعمار، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ص26. وأيضًا: المركزية الغربية، د. عبد الله إبراهيم، ص25 وما بعدها.

6- لا ينفي ذلك أن تشمل بعض تلك الضمانات، كل من كان يعيش في دول الغرب، ولو كان من «اللاجئين» مثلًا، ولكن في المقابل علينا ألا ننسى أن ما يعرف بـ«التمييز العنصري» ما تزال تعاني منه كثير من الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وأن الموجات الجديدة من معاداة الأجانب، والشرقيين، والمسلمين عمومًا، لم تزل تجد لها أنصارًا، ومؤيدين، يزدادون يومًا بعد يوم.

7- يطلق الأوربيون على عملية وصول «كولمبس»، وأتباعه إلى «أمريكا» اسم «اكتشاف»، وذلك انطلاقًا من هذه العقلية التي نتحدث عنها، والتي لا ترى إلا ذاتها، وتقيس العالم على مقاسها؛ فوجود هذه «القارات» ليس له اعتبار، أو تاريخ، أو حضارة، إلا بعد «اكتشاف» الأوربيين لها، ومن هنا أيضا جاءت عمليات إبادة السكان الأصليين لتلك البلاد؛ فهؤلاء – في نظر الأوربيين- لم يكونوا يستحقون إلا الموت!

8- يرى د. «عبد الوهاب المسيري» في كتابه المهم «الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ»، ط دار الشروق، 1997، أن النازية لم تكن حدثًا شاذًّا، أو طارئًا على الحضارة الغربية، كما يحب الأوربيون أن يصوروا ذلك، بل هو إفراز طبيعي لها. يقول : «إن الحضارة التي أفرزت الإمبريالية، والشمولية، والمنفعية المادية، والداروينية، وفلاسفة العرقية الحديثة، هي الحضارة التي أفرزت رؤية إبادية، وصلت إلى قمتها في اللحظة النازية. ومن ثمّ، فإن الإبادة الجماعية تعبّر عن شيء حقيقي أصيل، لا في الحضارة الألمانية وحده، وإنما في الحضارة الغربية». ص95.

9- الخوض في تفصيلات ذلك يحتاج إلى مساحة كبيرة، ولكننا نكتفي بالقول : «إنه على الرغم مما يثار من غبار كثير ضد ما سمّي في التاريخ بـ «الفتوحات الإسلامية»، فلم يحمل المسلمون أيّ نوايا أو أفكار عن إبادة الآخرين، ولم يسجل عليهم التاريخ أيّ مسلك مشين من هذا القبيل، بل على العكس، فإن المؤرخين الأوروبيين هم الذين أطلقوا القولة المشهورة: إن التاريخ لم يعرف فاتحًا أرحم من العرب «أي المسلمين»، ولقد كانت البلاد الإسلامية – وما تزال– ميدانًا يتجاور فيه «المسجد» و«الكنيسة» و«البيعة»، وهو ما لم تعرفه البلاد الأخرى إلا حديثًا! وللمقارنة ليس إلا، أسوق التعليق اللاذع الذي يورده «إدوارد سعيد»، وهو يتحدث عن نظرة «جوليان بندا» بشأن المثقفين الأوروبيين، إذ يقول: «إن يسوع هو اللاأوربي الوحيد الذي يتحدث عنه «أي: الأوربيون» باستحسان». انظر: صور المثقف، إدوارد سعيد، دار النهار، بيروت، 1996، ص 39.

10- انظر: المركزية الأوربية، د. عبد الله إبراهيم/ الباب الثالث، تحت عنوان: نقد التمركز، ص313.

11- الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ، ص25.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد