تعرضت الحركة الإسلامية في الوطن العربي لحالة من النقد وذلك بعد الإخفاق الشديد في إدارة المرحلة الانتقالية لا سيما في مصر ورجوع الحركة خطوات كبيرة للخلف مما كلفها انهيار التنظيم واعتقال القواعد والرموز على حد سواء، فضلًا عن حالات القتل العمد في صفوف الحركة ذاتها، الأمر الذي أصاب أبناء الحركة الإسلامية باليأس والإحباط وإطلاق العنان للنقد والتجريح لقادتها.

حالة النقد هذه حالة طبيعية تأتي في إطار هيمنة رموز تلك المؤسسات على الرأي العام داخلها والوقوف أمام أي محاولة للتغيير، إذن ما تشهدة الحركات الإسلامية أمر تراتبي يجب تفهمه واحتواؤه، لكن المشكلة ليست في كم النقد الموجه من قواعد تلك المؤسسات فهولاء وإن كان تجاوز بعضهم حدود النقد وآدابه إلا أن الواقع وما أتى به من مستجدات يفرض علينا تفهم حالة الانقلاب القيمي من هؤلاء.

لكن المشكلة الحقيقية تكمن في رد فعل تلك الحركات تجاه أي نقد يُوجه إليها، فصار يُنظر للنقد الموجه لها أنه نقد لفكرة الإسلام وربما يحكم أحدهم على المُنتقد بالكفر والخروج من الملة إذ تجرأ على النقد، إن أعظم آفات الحركات الإسلامية أنها لا تفهم معنى النقد جيدًا، وهنا يأتي السؤال، لماذا يخاف هؤلاء من النقد؟ ربما لأنهم يرون النقد نقصًا منهم أو تصيدًا لأخطائهم وهذا من المفاهيم المغلوطة التي ترسبت في عقول الكثير من رموز تلك المؤسسات.

من أخطر المفاهيم الخاطئة عن النقد هي كيف يجوز نقد الحركات الإسلامية على ملأ من القوم، إذ إن النقد يساهم في تفرق القوم عن تلك الحركات لا سيما إن كان النقد من أحد أبنائها؟ والحقيقة أن القاعدة المنطقية تقول إن الأخطاء الظاهرة تُنتقد علانية وأن المُتصدر للرأي العام يجب أن يستوعب كل الآراء الموجهة له سواء سلبًا أو إيجابًا، وإذا كان النقد يقدح في تلك الحركات وغيرها فمن باب أولى يقدح في حق الأنبياء وجيل الصحابة الفريد الذين ضربوا أروع المثل في تقبل النقد بل والتشجيع عليه والحرص على التناصح وقبول الرأي الآخر.

أنبياء الله تعالى كانوا نماذج في تقبل النقد ولم يقدح هذا النقد في شأنهم ولم يحط من مكانتهم شيئًا، فها هو نوح عليه السلام يتلقى العتاب من ربه دون أن ينقص منه قدر أُنملة (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)، وموسى عليه السلام يعتذر للخضر (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا)، والنبي صلى الله عليه وسلم يتلقى العتاب الإلهي من ربه ولم يقل أحد إنه تقليل من شأنه العظيم (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا).

وهذا جيل الصحابة يؤكد ما ذكرناه سالفًا، فقد رفض أبو بكر الصديق ثناء الناس عليه وقال (اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون)، وكان عمر بن الخطاب يقول (رحم الله من أهدى إليّ عيوبي) والحديث عن كم المواقف التي وقف فيها العلماء والمخلصون للحكام والقادة سرًا وعلانية ما وسعنا هذا المقال، لكن يكفي الإشارة إلى أهمية النقد والهدف منه ورد فعل الشخص المُنتقد، إذ إن النقد الذي نقصده نقدٌ للتنزيه وليس لتشويه تلك المؤسسات.

إن الطامة الكبرى في إشكالية النقد، أن تلك المؤسسات الإسلامية والتي تُكافح وتناضل من أجل الحرية بمعناها العام بل وتضحي بالغالي والنفيس من أجل القضاء على الاستبداد والديكتاتورية، هي هي من تمارس بعض هذه الآفات في بعض المواقف، فكيف تُنادي بعلاج أزمة وأنت تُعاني منها، ما هكذا يا سعد تُورد الإبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات