الأصل في الثورة الإنسان، والأصل في الإنسان الحرية، والثورة في تصوري فعل تحرر معنوي، وقيمة مطلقة، وليست مادية بذلك القدر حتى تهب الناس العافية، ولكنها تعمل على كشف المرض كما تعمل على استئصاله، أداتها إرادة ناجعة، واتصال متعاقد مع الصبر، وفكر متقد، شرطه الخطير أن لا يخون نفسه، في غمرة الوجع ينوب عن المرجعية كالمرجعية، ويبذل قصارى جهده في تحديث خطابه ووسائله، بما يتواءم ومراحل العروج الثوري.

الخروج الواحد في الثورة ولأجلها يساوي إغلاق الباب، الاستمرارية وكسر الجدران وترك الباب معلقًا في الهوى كالهباء ضرورة ثورية. الواقعية العقلية تحتم إنزال العقوبة على أهل السماء، وطرد أهل الأرض من الطواغيت والجلاوزة، مِن الملأ إلى الخلأ بتعبير حجة الإسلام الغزالي. دون اليقين بالغيب والإيمان بالقدر في هذا الواقع العقلي، يكون التحامل على الملائكة واجب كوني!

في الذكرى التاسعة ليوم 11 فبراير (شباط) الموافق لعام 2011، لا نتذكر سوى الخاتمة في ذاكرة من الصور. الوجع يعبث في دقات قلوبنا كما يعبث سم الأفعى في الدم، ذنبنا الوحيد اختيار الدرب الذي نريد، وإعادة خلق الإنسان من جديد. لا بأس أيها الرفاق فالخاتمة طبقات وليست طبقة واحدة، وطبيعة الثورة أن خاتمتها تتجلى بالنصر دائمًا كالقدر، أو القدر كالثورة، ما يهمنا الآن هو النقد حتى نعاود البناء في لحظة هدم واسعة، ومرحلة استيطان للوعي تكاد تكون نادرة.

فما ماهية التجفيف الذي حدث للثوار، حتى كعوا وامتهنوا لقمة العياش كالحياة؟ لماذا أصبحت الكفاية الشخصية المُورِد الوحيد للمعنى؟ من هم الآن، وفيما هم في الاستقبال؟

من الجيد أن أتغنى بفبراير الذي أحبّه، لأن التغني شعيرة ثورية لا محيد عنها، ولكني شديد الحساسية حين أُغني وفي صوتي نشاز من نوع ما؛ يطارد الكلمات في فمي فيُصمتني، ويدعوني إلى فعل الأفضل، وليس الحلم أمام يوتوبيا الأمل.

أيها الثوار الأشقاء، لا نريد أن نكون كمرآةٍ محمولة في شارع، على استعداد لتقديم صورة لكل شيء، عدا إنجاز شعارات الثورة.

لقد كان التجفيف صادرًا عن أربعة أسباب:

الأول: أن الشكل الخارجي الذي لامس بعض الثوار، نزع عنهم دم الثورة، وأبدلهم شحمًا خاصًا كالورم.

الثاني: الزفرة الواحدة في الثورة، كانت زفرة روح ساحرة، تتطلع إلى الحلم وإن كان في المنام، كالولادة الواحدة من التلقيح الواحد.

الثالث: شاخ وعي الثوار وما زالت الثورة في أوج شبابها، فكان العجز بريد التغني، وكانت المظاهر فحوى الأشياء، وكاد الإرث أن يصير حق امتياز.

الرابع: كانت السياسة حيث كان الفراغ الثوري، وما زالت السياسة وما زال الفراغ الثوري.

انبثق عن ذلك الفراغ ثلاث قبولات كارثية:

الأولى: القبول بالحوثيين والتماهي معهم كثوار.

الثانية: القبول المعلن من بعض الثوار، والقبول السكوتي من البعض الآخر؛ حيال الحصانة التي مُنحت للمخلوع صالح.

الثالثة: القبول بعبد ربه منصور هادي رئيسًا توافقيًّا.

نستطيع القول إن المشهد كان واضحًا للرئيس المخلوع صالح أكثر مما كان واضحًا للثوار. أين نجدنا اليوم؟ والدماء تغسل الدماء في وطن 11 فبراير العظيم، في الشتات كالشتات، اختياريًّا كان أم اضطراريًّا، جيدًا كان أم رديئًا، الحقيقة أن المعنى شبه غائب، وأن الثرثرة كالشتات قائمة.

لقد فُقِد المنطق الصادق ففُقِد المبدأ الصادق، وطغت مياه المصالح على جبال الثورة حتى أغرقتها أو تكاد، واستُعمِلت الشخصية الثورية في سوق الكلمة فنالت الكفاية، وتركت الكفاف كفضلٍ وهبة! ليس في وسعنا في هذه اللحظة إلا أن نكون وما اخترناه، وقد اخترنا الإرث والكفاية.

في إيماني نصر فبراير والانتصاف له، في قلبي عشق لا ينطفئ لهذا الشهر الذي أوقد قلبي، في عقلي مواصلة الطريق وإن قل سالكوه.

إن الوطن الذي يئن في خضم ثورة جامعة قد غفر لثواره، ولكن الوطن الذي يئن عقب الثورة بفعل الثوار قد أخل بميزان حسناتهم، لا أقول ذلك إسقاطًا لهم ولا انتقاصًا من مواقفهم، ولكنها ملاحظات جادة، بل شاخصة كشخوص الواقع.

يقول كوندروسيه: «لقد قام ما أسمته عجرفة الديانة المهيمنة بالتسامح، أي رخصة يعطيها أناس لأناس آخرين تمكنهم من الاعتقاد فيما يقبله عقلهم، والعمل بما تمليه عليهم ضمائرهم».

لنا أن نعتذر من كوندروسيه لنصوِب رأيه، لم يكن الأمر متعلقًا بالديانة، وإنما كان متعلقًا بالمواطنة. أو كما يقول فولتير: «يمكننا أن نتسامح في الديانة، ولكن لا يمكننا أن نتسامح في السياسة. ضرورة حصر الوظائف العامة والمراتب الرفيعة في من يعتقدون بدين الدولة».

أنا هنا أنقد ذاتي، وأنقد هذه الخاتمة الأولى. سبق ودبجت كتبي بهذا الحبّ، وسأبقى، بيد أن القراءة الواحدة لا تكفي، لا بد أن نعاود القراءة أكثر من مرة، حتى نرى الحقائق المُرة التي اغتالتنا وأركست وطننا في أتون المحرقة.

التصفيق لا يصنع تاريخًا، والحبّ لا يجلب الحقيقة، ذاك الفعل وهذه الصفة يبعثان على إغلاق الباب واعتقال الثورة. يجب ألا تكون الثورة موقفًا شخصيًّا، وألا يكون الأمل موقفًا تدميريًّا، وألا يكون المواطن أعمى، وألا يكون المثقف أبكم، وألا يكون السياسي أصم، المستقبل الذي ننتظره نصنعه اليوم، والوطن الذي ينتظرنا يستحق منّا أكثر من ثورة.

أعترف لكم سلفًا أيها الرفاق أني شديد الوثبة حيال الصواب، صداميّ الفكر، أبيّ على المغالطات. السريالية التي لا تخدم الواقع لا تنسلك في ذهن إنسان محترم، المكوث القانع عن المجد وتحقيق ما يصبو إليه الوطن لا يمثل ثائرًا، الحديث عن قلة الإمكانيات حديث عجائزي بل جنائزي، التعلل بالسياسة واقتعاد كراسي المثقفين تعلل ساذج، النجاحات الشخصية نجاحات أنانية وتافهة في ضمير المواطن البسيط.

لا شيء يجبر الرجل العاقل على احترام المواقف، إلا المواقف ذاتها. إن الشكوى التي يتلمظ بها الثائر لا تليق به حتى يستحيل إلى عبد، وإن التنظير الذي يحاول بواسطته الممايزة عن الغير، لن يُغير منه شيئًا أيضًا، وإنما يزيد من اغتراره حتى يفقده جادة الصواب.

ما زلت أتذكر شخصيات وكلمات خالدة، «لن نتراجع حتى ترجع الدمعة إلى العين»، قالها الصديق محمد المقبلي ذات ثورة على قناة الجزيرة. الجميل همدان الحقب الذي يتحدث بعمق. خالد الآنسي الذي يكثف المقالة في جملة. فؤاد الحميري على منبر الثورة كنشوان الحميري على منبر التاريخ. توكل كرمان المُرسلة كخيوط الفجر ضد ألوان الظلام. محمد الأضرعي ضابط إيقاع مشاعر الثوار وفاكهتها. مروان الغفوري كاتب الثورة ومؤرخها. الأب الروحي للثورة محمد الظاهري. الكثير من الإضاءات والصور التي لا يسع المقام لذكرها.

إلى هؤلاء، من ذكرت ومن لم أذكر، وقد تفرقت بهم السبل، وربما حدث الطلاق الفكري أو العاطفي بينهم، هناك وطن ينتظر أبطاله، هناك ما يجمعنا ويكسر حاجز هذه الوحشة.

يقول إمرسون: «إن الخوف من العاصفة ينحصر بشكل رئيس في المخدع أو الكبينة، أما السائق البحار فإنه يقارعها طوال اليوم وتجد عافيته تجدد نفسها، تحت الجليد ينبض لا يقل حيوية عن نبضه تحت شمس حزيران».

إن الثورة هي النشاط الذي يصلح فساد الأشياء، لا ثورة الصدور العارية، بل ثورة النخب وإجماع الفكر حيال اختيار الطريق. هذا ما يقتضيه ظرفنا التاريخي الخطر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد