من الخطأ اعتبار الإلحاد مجرد ظاهرة فقط، إذ أصبح هذا الموقف يقوم على حجج وبراهين، جديرة بالاهتمام والبحث، لكن الخطأ هو في تسفيه أتباع هذا الاتجاه، والدعوة إلى الكراهية ضدّهم بتلك التهمة المعلّبة وهي «المؤامرة على دين الله وتشويه الإسلام»؛ لأن هذا الاتهام بالتحديد دلالة على الضعف الفكري، وعدم القدرة على مواجهة الفكرة بالفكرة، والإساءة للأديان يمكن أن تكون من الجميع، وليس من الملحدين فقط.

حاليًا نحن في عصر العلم، والتكنولوجيا، والتفكير، والنقد، والشكّ وليس في العصر الأموي والعبّاسي؛ لكي نتّهم كل مخالف في الدين والفكر بتشويه الإسلام، لمجرّد وجهة نظر مخالفة، ومن الخطأ أيضًا على الملحدين أن يتّهموا المؤمنين بكافة الأديان بالغباء، واللاعقلانية، والبلادة، والإساءة إلى الرموز الدينية للمتديّنين، بل حتى اللادينيين لم يسلموا من الاتهام.

وعمومًا هذا الوضع في العالم العربي من تبادل الاتهامات بسبب الاختلاف في العقيدة والفكر؛ هو نتيجة لما سبق وأن أشرت إليه في مقالاتي السابقة حول الخلط بين «الخلاف والعداء»، بحيث يصبح المخالف فكريًّا ودينيًّا هو العدو الشرير الذي يجب استئصاله.

مثلما المؤمن يعتقد بوجود الله، الإلحاد هو عقيدة مثل سائر العقائد الأخرى؛ وهو الاعتقاد بعدم وجود صانع لهذا الكون، وأن هذا الأخير لا يخضع لأي قوة أخرى، سوى قوّة القوانين الطبيعية التي تحكمه، والتغيير الذي طرأ على هذه العقيدة؛ هي أنها أصبحت تعتمد أدلة علمية وفلسفية، بل وحتى من الديانات، بمحاولة إثبات تناقض أفكارها، وليس فقط على عوامل ظرفية كالسابق، كالقول إن الأديان هي سبب نكبة البشرية وتعاستها، أو أنظر أيّها المؤمن ماذا أنتج دينك من إرهاب وقتل وتخلّف؟

وفي قديم الزمان، كان الكهنة يرمون الكرة في ملعب الملحدين ويقولون لهم: أثبتوا لنا عدم وجود الله؟ أما بعد عصر النهضة الأوروبية انقلب الوضع؛ بسبب تقدّم العلوم، وانتشار أفكار المذهب الإنساني، التي انبثقت من الدين النصراني حول ذاتية الإنسان، وحريته، وحقّه في الشكّ والنقد من جهة، وانكشاف حقيقة رجال الدين وفسادهم، واستخدامهم الدين من أجل السيطرة على الناس، ولكسب المال والنفوذ، إلى وضع «إذا كنتم أصحاب الحق المطلق فأنتم المطالبون بإثبات وجوده وليس نحن».

في الحقيقة تمدد الإلحاد؛ هو نتيجة العقلانية المفرطة المتشبّعة بالعواطف، والمتمرّدة على ظلم كهنة الأديان ومتدينيهم خاصة، إضافة إلى احتكار الكهنة فَهم الدين وتفسيره؛ فأصبح الملحد يعرف الدين برجاله وليس بأفكاره، أي ما يسمّى المعالجة السطحية للدين، فعندما يتجلّى قبح أفكار الفقيه الفلاني؛ فهذا يعني عنده أن الدين قبيح، دون أن ننسى دور ثنائية الشر والخير في إلحاد الكثير، أما القول بتعالي الملحدين على المؤمنين؛ نرد عليه أن حتى أنفس المتديّنين لم يسلموا من تعالي بعضهم على البعض، والادعاء بامتلاك الحقيقة، وتكفيرهم لبعضهم البعض، فما بالك بهم مع الملحدين؟

في قضية العقلانية المفرطة، أعتقد شخصيًّا أنه لا يمكن نفي وجود الله بالعقل وحده؛ لأنه في الحقيقة العقل ليس هو الوسيلة الوحيدة للإيمان، وهذا بديهي؛ لأن الإنسان ليس مركّبًا من عقل فقط، بل من الكثير من الأجزاء في جسم الإنسان لها وظيفة معيّنة، وكل جزء لديه وظيفته في التعرّف إلى الله؛ فهناك من يستدل على وجود الله بوجدانه مثلًا.

إن مجال العقل في الحقيقة هو مجال الطبيعة فقط؛ لأن العقل ذا نزعة مادية، لا يستطيع أن يخرج من حيّز المادة، فما هو موجود في الطبيعة هو بالضرورة موجود في العقل؛ لذلك العقل مهمّته هي الانتقال من الشعور إلى المادة، ونجد الغيبيات مثلًا اعترف علماء الفلسفة الكبار مثل «كانط، وباسكال، وسبينوزا، وديكارت» أنها ليست من مجال العقل؛ لذلك العقل لا يجب أن نقحمه في الغيبيات، بل يجب أن نقحمه في البحث عن الله في الطبيعة، فماذا لو كانت مهمّة إثبات وجود الله أو نفيه ليست مهمّة العقل بالضرورة أو ليست مهمّة العقل وحده، وماذا لو كانت حقيقة الدين فوق العقل؟ وعندما أقول فوق العقل لا أعني التضاد، وإنما ما الذي يمنع من اتخاذ الأديان منهجًا مستقلًا عن منهج العقل في البحث؟

إن عصر السرديات الكبرى؛ أي النظريات التي تحاول تفسير الحياة من منهج أحادي شمولي، غير توافقي كالشيوعية مثلًا قد انتهى، فحتى العلم أيضًا لا يحصل بالعقل وحده، بل بالتجربة والكثير من العوامل الأخرى، ولم يستطع العلم أن يتقدّم إلا بعد أن جاء «كانط»، وأعلن حقيقة مهمّة؛ وهي أن السبيل إلى الحقيقة هي التجربة المتسلّحة بالروح العقلانية، وليس بالعقل وحده.

وليس فقط العقلانيين من وقع في فخ الأحادية والشمولية، بل وحتى الحسّيون أيضًا؛ باعتمادهم الكلّي على الحس في نفي القوى العاقلة، وكأن هؤلاء أرادوا من خالقهم أن يعيش معهم في الأرض، ويشاركونه المباهج والأحزان، حتى يؤمنوا بوجوده، فماذا بقي للإله هنا من معنى، وما هو معنى الرب عندهم؟ فما الذي يمنع أن يكون للحقيقة وجه تسليمي وليس فقط مطلقًا وملموسًا؟

وحتى لا ينخدع البعض بمصطلح العقلانية؛ فإن العقلانية لا تعني دومًا الذكاء، فكل من يتأثر بأفكار الفلاسفة العقلانيين؛ أصبح يظنّ نفسه من عباقرة البشرية، وهذا لعمري لهو أمر مثير للضحك والسخرية، إن الدراسات السيكولوجية تثبت أن كلما كان الإنسان منفتحًا على جلّ الأفكار المختلفة، غير منغلق على الأفكار الجديدة – الدراسة تشمل المؤمن والملحد وجميع البشر – كان أقل غباءً وأكثر ذكاءً، فما بالك ببعض بالفقهاء المسلمين المعروفين بـ«شيخ الإسلام» أو «أعجوبة الزمان»، وغيرها من الألقاب التي ما أنزل الله بها من سلطان؛ يعتقدون أن العالم خُلق من أجلهم فقط، وماذا عن بعض الملحدين الذين يستهزئون بأفكار المتديّنين، ويرمونهم بالغباء، أليس تصرّفهم هذا بالحماقة الكبرى؟

أما جانب العواطف في الإلحاد فهو واضح جدًا، فكم من ملحد فسّر إلحاده بسبب تصرّفات داعش، والإخوان، والسلفيين المتشدّقين باِتباع السلف الصالح، وتجميدهم للدين عند حدود أفهام الصحابة، والأئمة الأربعة، وفرض وصايتهم على الأخلاق والناس؛ وأن قتل الشيعي والملحد والمسيحي فريضة، وسبي النساء حلال، والحياة منقسمة إلى دار إسلام ودار حرب، وأن المرأة عورة كلّها، يجب أن تبقى في البيت، والكثير من الأمور، أو بسبب إصرار أئمة المسلمين على وضع أحاديث شنيعة في الصحاح، ونسبها للنبي؛ اضطرّ المسلم أن يتبرأ منها، ويقول عنها ضعيفة، أو ليست من السنّة، مثل أحاديث إرضاع الكبير، وأن المرأة من حبائل الشيطان، وأحاديث «الجنّة تحت ظلال السيوف»، فلماذا نلوم الملحد إذن؟!

لكن في نفس الوقت نقل هذه المعلومات كما هي، دون مقارنتها بالقرآن الذي هو مصدر الإسلام الأول، في الحقيقة هو موقف مثير للعجب، فهل الشخص الذي يعتمد على مثل هذه الأدلة هو إنسان فاقد للذاتية أو التفكير أم ماذا؟ فما هو الفرق إذًا بينك أيها الملحد عن السلفي؟ وكلاكما تحاولان التمسك بنفس وجهة النظر في الكثير من القضايا الفقهية، وتشددون عليها من أجل كسب المواقف والعواطف.

إن سلطان العواطف والأخلاق أقوى بكثير من سلطان الأدلّة العقلية؛ لذلك يجب أن لا يقسو المؤمن على الملحد والعكس صحيح، لأن المسلم باعتباره نموذجًا؛ نجده يقدّس آراء شيوخه، ويُمنع من مناقشة آرائهم الفقهية، إضافة إلى نفاق هؤلاء المشايخ، حتى مع أتباعهم؛ وهم من تسبّبوا في هذا الوضع، حيث خلقوا صورة مزدوجة عن الرسول؛ فتارة يكون الرسول رحيمًا ومتسامحًا ومتواضعًا في القرآن، وفي المقابل في كتب البخاري، ومسلم، ومصنّفات أحاديث رجال أتوا من أقاصي بخاري وسمرقند بعد رحيل الرسول بمائتي سنة يزعمون أنه قال أُمرت أن أقاتل الناس، وأن من بدّل دينه فاقتلوه.

أما ثنائية الخير والشر فلديها أهمّيتها في الموضوع، ويعيب الملحد المؤمن على طوباويته المفرطة؛ حتى أصبح المؤمن كائنًا غنوصيًا، يفضّل الإيمان بالخرّافات أكثر من إيمانه بالعلم، ونسي الملحد أنه هو أيضًا غارق في الطوباوية؛ إذ يحلم بعالم خالٍ من الشر مليء بالخير فقط، إن المنطق الحديث الذي بشّر به المتصوّفة وابن خلدون يقول: «إن الأشياء دائمًا تكون في تشابك، وتفاعل، وتناقض مستمر؛ وهذا ما يجعل الحياة تستمر». وقد لخّص هيغل هذا الطرح قائلًا: «إن كل شيء يحتوي على نقيضه في صميم تكوينه، وأنه لا يمكن أن يوجد إلا حيث يوجد نقيضه معه»، وبالمختصر المفيد، لا يمكن معرفة الشيء إلا بنقيضه، فلولا الشر فكيف عرفنا أن هناك خير في هذا العالم؟

ومن المؤسف أن نرى الملحدين، وحتى الكثير من الفلاسفة، قد حاروا في مشكلة الشرّ في العالم، ونسوا بأن سبب حيرتهم هو؛ ركضهم خلف منطق أرسطوطاليس البائد، الذي يقول بقانون عدم التناقض، أي أن الشيء عندهم موجود كما هو ومنفصل على غيره.

وفي الختام مقالي ونقدي المتواضع للإلحاد لا يعني تسطيحًا للنقاش الدائر منذ مئات القرون، بين المؤمن والملحد، لكن أدعو كل ملحد أن يقرأ هذا النقد بشيء من الموضوعية، وأن يتوسّع في الأفكار التي طرحتها. وأنا أعترف بأنني أميل للمتديّنين على اختلاف ديانتهم، في أشياء مثل التشديد على مواضيع الأخلاق، والإيمان، ومتعة الحديث عن المعجزات، والعالم الآخر، وحبّهم للخير، وتطبيق فرائضهم عن طيب خاطر.

وللملحدين في أشياء كاهتمامهم بالإنسانية، ونبذ العنف، والحرّية، وثقافتهم العلمية الواسعة، وحبّهم للنقاش والتساؤل، وأتمنى من الملحد شخصيًا أن يصل إلى نفس ما قاله عالم الفيزياء الشهير «فيرنر هايزنبرغ»: «إن أول جرعة من العلوم الطبيعية تجعلك ملحدًا، لكن في قاع الكأس ستجد الله في انتظارك»؛ لأن الانقلاب الكامل على الفكرة، هو سلوك غير علمي بالمناسبة، فكم من ملحد كان سلفيًا متشددًا في السابق، إذ في هذه الحالة تصبح الأفكار مجرّدة من سياقها؛ لكي تصبح خادمة للموقف الجديد والحالة الوجدانية الجديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد