«اللازمة اللغوية» هي كلمة أو تعبير أو جملة تجري على ألسنة الناس بسلاسة في أحاديثهم اليومية ومناسباتهم الخاصة أو العامة، وتتميز بحسها الفكاهي أو جزالتها اللغوية (أو كليهما معًا) وقدرتها على وصف الموقف أو الحدث وتلخيصه وإبراز أهم جوانبه (وخاصة المستترة منها)، وإضفاء هالةٍ من السيطرة والتمكن والفهم على قائلها، كما أنها – في الغالب – تحمل إيحاءات وتلميحات تتعدى ظاهرها.

وبسبب مقدرتها الفريدة على الانتشار السريع على ألسنة الناس، يستخدمها المسوقون بكثرة لمحاولة تسويق وترويج منتجاتهم وخدماتهم؛ وسعيد الحظ منهم من يستطيع ابتكار لازمة بسيطة وبليغة وظريفة تجد طريقها بسهولة لألسنة جماهيره المستهدفة، فتحمل سلعته معها أينما حلت، وتحقق له الأرباح المأمولة.

وفي مصر، وبسبب طبيعة شعبها المحب للضحك، ورغبة كل واحد أن يبدو خفيف الظل أمام الآخرين (حتى أولئك الذين يتصفون بالسماجة وثقل الظل في الحقيقة؛ وهم كُثُر!)، فإن الفكاهة تعد شرطًا أساسيًا من شروط اللازمة الناجحة.

وهناك أمثلة كثيرة جدا على بعض اللازمات الظريفة التي انتشرت في طول البلاد وعرضها انتشار النار في الهشيم، سواء كانت مصنوعة خصيصًا كلازمات التسويق والدعاية («قطَّعني يا معلم»، «ده باين عليه مبياكلش كرانشي»، …)، أو مأخوذة من سياق حقيقي، كالاقتباسات الشعبية لبعض جمل وإفيهات الأفلام والمسلسات («أحلي من الشرف مفيش»، «دقيقة واحدة أتحزم وأجيلك»، …)، أو خليط منهما، كتلك الإفيهات التي يتم اصطيادها من كلام الخصوم لأغراض تنافسية، ولخدمة صراعات حقيقية غير شريفة في معظم الأحيان («غزوة الصناديق»، «نكاح الجهاد»، «جبنة نستو يا معفنين»، …).

ولكن في بعض الأحيان يكون الحدث الجاري من المكانة والجدية، ما يتطلب ممن يريد أن يستغله بلازمة ما أن تكون لازمته على مستوى مكانة الحدث وجديته؛ كما حدث في بداية القرن الواحد والعشرين مثلًا عندما تم اختيار «النادي الأهلي المصري» إفريقيًا وأطلق عليه لقب «نادي القرن».. ففي الحال قام المسئولون بإطلاق «دوري القرن» على مسابقة الدوري المحلية وقتها! ثم تبعتهم الجماهير بألقاب غريبة على غرار («جريمة القرن»، «فنان القرن»، «كازينو القرن»، …)، حتى أن أحد بائعي البطاطا الجائلين سُمع وقتها ينادي على بضاعته قائلًا: «يا بطاطا القرن يا عسل»! والغريب هنا أن «وحيد القرن» – وهو الوحيد فعلًا صاحب الوسم الحقيقي غير المفتعل – لم يرد ذكره أو تكريمه أو الاحتفاء به بأي صورة من الصور!

وفي أحيان أخرى يكون الحدث ذا بعدٍ دينيٍ، سواء كان متوافقًا مع توجه ديني ما، أو متعارضًا مع آخر، من تلك الأشياء المتوارثة والمستقرة في وجدان الجماهير. وهنا لا يجد القائمون على الحدث مناصًا من الرجوع إلى التراث الديني نفسه لاصطياد لازمة تمكنهم من ترويج الحدث بين الجماهير، أو على الأقل التقليل من حدة الرفض المتوقعة له.

ففي التسعينات مثلًا، تم استخدام الآية الكريمة «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله» لتبرير التحالف العسكري مع الولايات المتحدة لحرب العراق، للدرجة التي خُيل للمتابع وقتها أن القرآن الكريم ليس فيه غير هذه الآية! فقد ظلت تحاصر الجماهير في وسائل الإعلام وقاعات المؤتمرات ومنابر المساجد حتى صارت تجري على ألسنتهم مجرى اللازمة، وصاروا يستخدمونها فيما بينهم لتبرير سلوكهم الشخصي ومشاحناتهم الخاصة وإضفاء طابع من التدين والورع على تعديهم على بعضهم البعض!

ولا يقتصر اصطناع لازمة من التراث الديني على الأنظمة الحاكمة فقط، وإنما قد يتعداها إلى الجماهير أيضًا! وهو ما حدث حاليًا – على سبيل المثال – مع واقعة تصوير الثقب الأسود لأول مرة وإثبات صحة الفرضيات العلمية النظرية بشأنه! فقد تطوعت الجماهير بنفسها لاستحضار الآية الكريمة «فلا أقسم بالخنّس، الجوارٍ الكنّس» إلى دائرة الضوء، وهي الآية التي تم تفسيرها قديمًا بأنها تشير إلى الكواكب والنجوم، وحديثا بأنها قد تشير للثقوب السوداء!

فبرغم أن الكثيرين لا يعرفون الآية وتفسيراتها، والغالبية الساحقة لم يسمعوا عن فرضية الثقوب السوداء من قبل؛ إلا أنهم وبمنتهى الحماسة تباروا في الحديث عن الآية والفرضية، وتقديم شروحات لهما وأدلة على ترابطهما، وكأنهم هم من نزلت عليهم الآية ومن وضعوا الفرضية العلمية ابتداءً! وصارت لفظتي «خنّس» و«كنّس» تتداولان على الألسنة وعلى منصات التواصل الاجتماعي بغزارة تنبئ عن ميلاد لازمة جديدة، حتى أن الواحد لا يستبعد أن يدخل إلى أحد أسواق الخضروات العشوائية فيسمع هذا الحوار التخيلي بين بائعتي جرجير:

(- شوفتي بدرية خطبت مين لسعيد ابنها؟
— مين؟
– البت سماح بنت نعيمة
— إيه! وملقتش غير سماح؟!!
– مالها سماح! دي ما شاء الله عليها، بيضا ووشها مدور ومنور زي «أفق الحدث»
— بس قلبها أسود من جوّه وتحسيها «خنّس» في نفسها كده!)

وبغض النظر عن حسْن أو قبح استخدامها، تبقى اللازمة اللغوية أداة فعالة في يد من يجيد ترويضها، حاكمًا كان أو محكومًا، فاعلًا كان أو مفعولًا به!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد