“الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر والسلام عليك يا عمر… عذرا على هذا الضجيج وعلى هذه الصرخات والآهات وعلى أصواتٍ تعالت في حضرتك فليس بيننا عقلُ رشيد. عذرًا على غياب الأدب في مسجدك وعلى انعدام الالتزام بآداب قضيت عمرًا في إرسائها، عذرًا على جاهلية بُعثت أنت لتنورها بضياء ما جئت به وعذرًا على قلة أخلاق إنما بعثت لتُتممها. نحن من نبأت أصحابك في الغيب عنهم، نحن غثاء السيل”.

 

نساء الأمة

 

على روضة من رياض الجنة، يبدأ السباق في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم  بعد صلاة العشاء والفجر والظهر في مواعيد فتح باب الروضة للنساء اللائي يحتشدن أمام الأبواب المؤدية لها، فينتظرن قرابة ساعة تطرق فيها أسماعهن لذا الباب الذي سيُفتح فجأة. أثناء ذلك تقوم المنظمات في المسجد بتقسيم النساء عبثا لمجموعات حسب اللغة والوطن. أذكر كيف ظلت المنظمة قرابة ساعة تحدث المجموعة العربية عن آداب دخول المسجد وضرورة الالتزام بخفض الصوت ومراعاة سلامة الجميع وتوصيهن بهجر البدع التي لا تصح مثل الزغاريد أو التمسح بالحوائط واللافتات! ثم بدأت أصوات تنذر بفتح الباب فكأن شيئا لم يُقَل وكأن لا عقل في العقل يعقل “وعينك ما تشوف إلا النور”.

 

ركضت النساء كأن من تسبق منهن فستفوز بالجنة ولو صدقوا لسبقوا! انتظرت مجموعة قليلة مع المنظمة التي يبدو أنها اعتادت على الشعور بخيبة الأمل في كل مرة تنبح صوتها فيه هباءً. وبعد مرور الوقت ودخول المجموعة للروضة بقوة الدفع تبدأ رحلة البحث عن موطئ قدم والمحاولة لالتقاط الأنفاس بعيدا عن من قد يمررن عليك بأقدامهن للوصول إلى أقرب مكان لقبر رسول الله! أو هذا يرضيه؟ أيعقل أن يكون الناس في بيت النبي ويؤذونه بأذية العباد؟ ليس بمثل هذا جاء محمد  صلى الله عليه وسلم!

 

هذه الظاهرة المتكررة تنذر بمستوى عجيب من اللاعقلانية أصابت العقل الجمعي النسوي والموكل إليه إعداد وتنشئة أجيال الأمة. والأمر على تعقيده يتطلب دراسة تفصيلية تحلل الأسباب وتضع تصورات التغيير ولكن إجمالا يمكن القول أن سبب الأزمة يكمن في عدم صقل المهارات المنطقية والنقدية والفكرية للنساء وفي الصورة الذهنية التي تكونها المرأة عن نفسها منذ الصغر والمستقاة من مجتمع ذكوري لا يرى فيها إلا جسدا خاليا من العقل، أو عقلًا ناقصًا من المنطق. إنه مجتمع تشب فيه النساء على أنهن تابعات لا مبدعات.

 

عشوائية الفكر والواقع

 

إن البلاء الأساسي في بلادنا يكمن في غياب المنطق والتخطيط وتغييب العقل وشيوع العشوائية في شتى أمور الحياة بدءًا بالفكر وانتهاءً بالطرقات والعمائر والمدن. فإن الواقع من حولك ما هو إلا انعكاسات لواقع العقل الجمعي الذي يحكمنا. لا تغيير يحدث في خارج نفس الإنسان إلا ويلزمه إرادة تغيير في داخله. أين هو هذا الميزان الذي نحكم به أفكارنا وأفعالنا وأقوالنا وقيمنا وواقعنا، إنه ميزان العشوائية الذي يكيل بمكيالين فيُحِق خطأً ويُخطئ حقًّا.

 

عجبًا لحال أمة نزل فيها قرءان يرسي لها قواعد التغيير التي يتحدث عنها الآن علم النفس الإيجابي والاجتماعي بعد أكثر من ألف وأربعمائة عام ويزيد. ألم يُقَل لنا من رب العالمين جل في علاه (أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). تأمل كلمة بأنفسهم وما فيها من معانٍ قد تغيب عن من لا يتدبر إعجاز البيان واللغة فإن حرف الجر السابق للكلمتين يتقابلان في موازاة للمعنى فيكون تغيير ما بالقوم شريطة أن يحدث تغيير في دواخلهم. وإن الباء تجعل مكمن التغيير داخل أغوار النفس وفي طياتها فإن حدث في جوهر النفس أحدث الله تغييرًا مقابلًا في حالها.

 

الحل في الطابور!

 

لن تُصلح أمة لا تعرف ثقافة “الطابور” والذي على بساطة رمزيته يمثل قيم العدل والمساواة والرحمة والنظام والصبر واحترام الآخرين. إن العجب العجيب هو أننا على حالتنا هذه ننتمي لدين الصف والجماعة. أو ليست الصلاة طابورًا صُف عرضًا؟ هل يمكن لجمع من الناس أن يصلوا إلا صفًّا؟ بل أو ليس الاصطفاف من آداب الإسلام وقيمه؟

 

في أحد البرامج التلفزيونية، ذكر مسئول لجنة التعريف بالإسلام قصة مهمة عن الفوضى التي يتهم بها باطلا العالم الإسلامي، حيث عرض بعض المسلكين على رجل أمريكي مشاهدة حية للمسجد الحرام بمكة المكرمة قبل إقامة الصلاة وسألوه: “كم من الوقت يحتاجه هذا الكم الهائل من الناس للاصطفاف في رأيك؟ فأجاب: “ساعتان أو ثلاث ساعات! فقالوا: “ولكن اعلم أن للحرم عدة أدوار!” فقال: “إذن يستغرق الأمر قرابة 12 ساعة. فقالوا له: “وماذا لو أن كل هؤلاء المصلين من جنسيات مختلفة ولهم لغات مختلفة وبعضهم لا يفهم لغة الإمام نفسه!” فقال: “هؤلاء لا يمكن أبدا أن ينتظموا”. وإذ فجأةً ينادي إمام الحرم “استووا واعتدلوا” فيستوي ويعتدل الناس جميعهم في أقل من لحظات ويذهل الرجل وينبهر بمشهد حضاري ليس له في هذا العالم من مثيل!

اقْرَأْ

لم تكن مصادفة أن رسالة الإسلام لم تبدأ بعبادات أو معاملات أو عقيدة بل بدأت بما هو في الأصل أصل كل ذلك، بدأت باستنارة العقل المتأمل والمتدبر لكل ذلك، بدأت بـ”اقرأ”. ويجزم العلماء أن كل أمر جاء في القرءان فهو يقتضي الوجوب فصيغة الأمر جاءت هنا لتطاع وليست محل اختيار. وإن المعنى البياني لكلمة اقرأ يتعدى فعل قراءة الكلمات والأسطر فالقراءة هنا تدل على الفكر والتفكر والعلم والتعلم والهدى والاهتداء باسم الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم.

 

 

اللهم أصلح آخر هذه الأمة بما أصلحت به أولها.

اللهم قراءة بالعقل والقلب لكتابك المسطور والمنظور في الكون.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد