عند الدول العربية ذات النظام الشمولي ليس الخوف من الموت، ولا الخوف من المحاسبة هو هاجس الملوك والرؤساء، الإبقاء على عرش الحكم هو هاجسهم، أما الشعوب المستضعفة فهاجسها الأول هو البقاء ولقمة العيش بعيدًا عن زخم الحياة وضوضائها.

ولادة من الخاصرة

الخوف على السلطة والخوف من فقدانها بات وباء يجتاح أغلب الدول العربية ويصيب جل من حكمها، ليس بغريب هذا الأمر عن بيئتنا العربية فامتلاكك للسلطة والنساء والأموال قد يصيبك بجنون عظمة، لم يسبق له مثيل وفقدان كل هذه المتع سيستحيل هاجسًا قد يدمرك قبل أن يدفعك لتدمير من هم حولك أو من تعتبرهم خطرًا يحدق بك وبكل ما تتمتع به من امتيازات.

كذلك الحال في المملكة، بات التاريخ يتكرر والحدث تعاد صياغته وفقًا لمقاييس ومعايير يضعها الأمير الشاب محمد بن سلمان تمامًا كما رؤياه 2030.

سلسلة من الاعتقالات أو ربما «كورونا» سياسية تجتاح المملكة، تبدأ بأعراض غريبة ولا أحد يدرك نتائجها وإن -صح التعبير- هوس يصفي كل من تتوفر فيه خصائص نفسية وفكرية معاكسة لما عليه الأمير الشاب.

قيل إن الملك على حافة الحياة، ولهذا السبب استعجل ولي العهد اعتقال الأمراء الثلاثة بغية السيطرة على استقرار مسار الحكم ولمن ستؤول له التركة السياسية العظيمة، ليخرج الملك في استقبال مسؤولين، وينفي بذلك كل الشائعات التي تدور حول خبر احتضاره أو وفاته.

ربما كان للسياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه الدولة السعودية، دور هام في ارتكاب هذا الفعل أو لعلها فعلا فترة مخاض عسير تعيشه البلاد تحت وطأة حالة الرعب والطوارئ العالمية، زيادة على ذلك توتر محيط المملكة الذي كان لها دخل فيه (قطر واليمن) فربما كان هذا سببًا لما اتخذه الشاب الثلاثيني من قرارات.

انقلاب ومؤامرة.. مغامرة جديدة

شبيهة هي حادثة اعتقال الأمراء الثلاثة بالرواية الفرنسية لكاتبها أليكساندر دوما «الفرسان الثلاثة»، فهي تنقل ما كانت تعيشه فرنسا في القرن السابع عشر تحت حكم لويس الثالث عشر، الذي صعد الحكم بعد اغتيال والده في فترة كانت صعبة، خصوصًا في ظل الصراع بين حكام البلاد ونبلائها وفي هذا الخضم يأتي الفرسان الثلاثة المناهضين لأفكار لويس الثالث عشر والمؤمنين بمبدأ «الواحد للكل» بغية خدمة البلاد والعباد والدفاع عنهما.

ربما كان للأمراء الثلاثة كاريزما وقبول شعبي كبير أرهب الأمير الشاب ودفع به إلى محاولة تصفيتهم ووضعهم قيد الاعتقال، ليس هذا بغريب ففي حادثة الريتز كارلتون وتحت شعار محاربة الفساد، اعتقل رجال دولة وأعمال تربطه ببعضهم صلة قرابة قوية أو دعم كبير للبلاط الملكي، دفع بعضهم ثمن حريته غاليًا وأموالًا طائلة كي ترجع لخزينة الدولة السعودية وكأنها غرامة أو شيء من هذا القبيل.

وقد قالت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن محمد بن سلمان اعتقل هؤلاء الامراء لأنهم كانوا بصدد أعداد قنبلة سياسية كانت ستقلب النظام السياسي رأسًا على عقب، وقد كان الأمير أحمد بن عبد العزيز (عم ولي العهد السعودي وشقيق الملك سلمان الأصغر) على رأس قائمة المعتقلين لما له من نفوذ اجتماعي لكن من المهم أن نسأل في هذا السياق: هل أن العالم فعلًا سيصدق رواية الانقلاب؟ وهل فعلًا كان هؤلاء الأمراء بصدد إعداد انقلاب تاريخي في المملكة؟ أم أن الأمير الشاب تهور في اتخاذ قرار الاعتقال؟ هذا قد يساهم مرة أخرى في تلويث العباية البيضاء بمزيد من الحبر الأحمر.

لعنة خاشقجي وبقية المعتقلين هل تستمر؟

لا يكف الأمير الشاب عن مفاجئتنا في كل سنة منذ توليه ولاية العهد بحدث يهز العالم ويسيل حبر الصحف العالمية، ففي 2017 كانت بداية الرحلة مع اعتقال الأمراء ورجال الأعمال ثم حادثة الخاشقجي واعتقال ناشطين وناشطات في المجتمع المدني واعتقال المشايخ وعلماء الدين لعل من أبرزهم سلمان العودة، وغيرهم الكثير ممن عصفت بهم الإقامات الجبرية والنفي والاغتيال والإخفاء القسري.

كلها مسائل وإشكالات لقيت تنديدًا كبيرًا من قبل المنظمات الحقوقية الدولية، بيد أن هذا التنديد لم يؤثر أبدًا على الحد من سلطة الأمير السعودي، ولم يدفعه حتى للتفسير أو الانسحاب، بل كان شغله الشاغل هو البقاء وتنفيذ ما صممه من قرارات جديدة ستهز المملكة.

قد يتساءل قارئ، كيف أن كل هذه النوائب لم تهز الأمير الشاب ولم تزعزع ولاية عهده، الإجابة حتمًا ليست في هذه الكلمات البسيطة، بل هي موثقة في أحد خطابات الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» الذي قالها بشكل صريح «نحن نحمي السعودية، قد لا يكون بإمكانك البقاء هناك لأسبوعين من دوننا عليك الدفع مقابل جيشك» من الجلي الآن أن أوراق اللعبة كلها صارت على الطاولة مكشوفة واضحة وضوح الشمس، حتى أنها لا تحتاج الى تفسير الدفع مقابل الحماية والتصرف في السلطة دون أي حسيب ولا رقيب».

هل بدأت بداية النهاية؟

كثيرون هم من يضعون فرضيات عديدة لهذا الأمير الشاب ومصيره تصل حد احتمال الاغتيال، بيد أنها تبقى مجرد تخمينات واحتمالات لا ندري إن كانت تتلاءم مع الواقع، وما يحدث كل يوم من مستجدات أم لا، لأن وجوده أصلًا يرتبط بجملة من الظروف والخيارات الاقتصادية والجيوسياسية وربما بأنظمة أخرى.

وفي ظل الأزمة الأخيرة، التي تسبب فيها فيروس كورونا هل ستنقلب الموازين والقرارات؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد