التفريط في التراث الإسلامي المعرفي، الذي خدم البشرية والإنسانية طيلة قرون، «العصر الوسيط» منه على وجه الخصوص، والذي ما يزال إلى اليوم قادرًا على المساهمة في صياغة المعرفة الإنسانية، والإجابة ببساطة على بعض إشكالات العصر، يعد من أكبر الأخطاء المنهجية، إني أقدم بين يدي المقالة هذه المقدمة وعين «العبد الضعيف» لم تخطئ بعض الدراسات التي تنادي بأطروحة «علم كلام جديد» مبتوت الصلة عن تراث الأقدمين، بحجة أن كثيرًا من الأصول المنطقية التي اعتمدها هؤلاء السادة يكذبها العلم الحديث أو ينقدها، معتمدين في ذلك دراسات تقنية غير ذات طابع فلسفي.

ومقابل ذلك هناك محاولات أخرى جادة لصياغة أطروحة في «تجديد علم الكلام»، أما من ناحية الخطة المتبعة لاستقصاء المباحث المتعلقة به، توسيعًا للبعض وتقليصًا للبعض الآخر، أو من ناحية المضمون المعرفي بإضافة أبعاد علمية، وتقنية، وفلسفية جديدة، أو من ناحية الصياغة والأسلوب الذي اتخذه علم الكلام القديم، وهو الأسلوب الجدلي التجريدي الجاف، إلى أسلوب عاطفي أو فكري، يخاطب وجدان الإنسان وعقله، لكنه وللمفارقة غير مبتوت الصلة بجهد الأقدمين، وهذا هو المطلوب، فالبتر مع القديم إعدام للحاضر؛ لافتقاده المستند الذي يجعل تسويقه مبررًا في المجتمع «الذي له قيمه، وأفكاره، وأعرافه، ومزاجه، وثقافته، وتراثه المعرفي أيضًا» ولعل هذه هي مشكلة الأفكار المصدرة إلى جغرافيتنا.

لا يشك متابع للمشهد الثقافي العربي عموما أن «الإلحاد» لم يصبح ظاهرة حقيقة تستحق المتابعة لأسباب موضوعية:

أولها: أغلب الملاحدة الذين يجاهرون ويصرحون بإلحادهم «وبعضهم تحول إلى أيقونات وأبطال» شباب صغار السن، لم يتمكنوا بعد من فهم الأبعاد الفلسفية التي انطلق منها كبار فلاسفة التنوير، والوجودية، والمثالية والماركسية، ولذا تجد غالب مبررات أطروحاتهم – إن صحت تسميتها أطروحات– مبررات معرفية هي محل أخذ ورد، أصالة – الداروينية– مثلًا، أو مبررات أخلاقية – تصرفات بعض المتطرفين– مثالًا آخر.

ثانيها: منهم من لا يفرق بين الإلحاد (atheisme) وبين اللاأدرية (agnosticisme) وبين الربوبية (irreligion) فالكثير من الملاحدة يختلط عندهم مفهوم إنكار الدين بإنكار وجود الإله، ومنهم من يختلط عنده مفهوم التوقف السلبي في الإثبات والنفي (اللاأدرية) بإنكار وجود الله، وكل اصطلاح فلسفي من هذه الاصطلاحات يحتاج في تحريره ودراسته وقتًا لمعرفة أين يندرج هذا الفيلسوف أو ذاك، من خلال تراثه «المكتوب» الذي تركه، وهذا لا يتاح إلا لباحث جاد.

ثالثها: النزعة الأخلاقية الانحلالية –وهذا واقع مشاهد– فالرغبة في التحلل من قيود وضوابط أخلاقية يلزم الشرع والدين بها تدفعه إلى محاولة إيجاد مبرر معرفي أو فلسفي ينكر الدين جملة، وحين يحاكي الشاب العربي «الإلحاد» هو يحاكي دورًا ليس له، بل دورًا بعيدًا عن مزاجه، وتفكيره، وثقافته، وقيمه.

وفي ما يلي بعض المقدمات التي دبج بها السادة المتكلمون «من أهل السنة» مصنفاتهم في إثبات قدم «واجب الوجود» وهو «الله» تبارك اسمه، تنزه وتقدس عن النقائص والأشباه والأمثال، وكذا في «حدوث العالم» وبعض المقدمات الضرورية للمعرفة الصحيحة، والتي تعد مادة خام صالحة لبناء نقاش معرفي سليم مع الملاحدة في العصر الحديث، والله تعالى نسأل التوفيق والسداد والرشاد .

1- في إثبات حقائق الأشياء وإمكان تحقق المعرفة ومصادرها

يقول الإمام النظارة أبو البركات النسفي -رضي الله عنه-: «قال أهل الحق حقائق الأشياء ثابتة خلافًا للسفسطائية، فإنهم يقولون لا حقيقة لشيء ولا علم بشيء، وإنما هي ظنون وحسبانات، ولنا في نفيها وثبوتها عليهم، إذ قولهم (لا حقيقة لشيء ولا علم بشيء) تحقيق منهم لنفي الحقائق، فكانوا مبطلين قولهم بقولهم».

ويقول أيضًا في موضع آخر: «وطائفة منهم لا يقولون بنفي الحقائق، بل يقولون لا ندري هل للأشياء حقيقة أم لا، متشبثين بأقوى أسباب العلم عندهم، وهي الحواس، وهي لا تصلح للمعرفة للتناقض في قضاياها، فالممرور يجد العسل مرًّا وغيره يجده حلوًا، والأحول يرى الشيء شيئين، والسليم يراه واحدًا، فالحس قضاياه متناقضة، وما تناقضت قضاياه لا يصلح أن يكون دليلًا مثبتًا للحقائق، ولنا بإنكارهم العلوم والحقائق مقرون أن لا حقيقة لقولهم، وأنهم لا يعلمون صحة مذهبهم وبطلان مذهب خصومهم، ومن أقر ببطلان مذهبه كفى خصمه مؤونة جداله، على أن بقاءه إلى هذه المدة دليل لنا، إذ لو لم يكن عالمًا بالأسباب المعينة على البقاء فيجتلبها، والمؤدية للفناء فيجتنبها لما بقي هذه المدة، فوجوده إلى هذه المدة من أدل الأدلة على علمه بحقائق الأشياء».

كثيرًا ما يعتمد «الملحد» على النزعة التشكيكية اللاموضوعية، فنزعة الشكوكية عند الملحد لا تؤدي إلى بناء معارف سليمة يمكن أن يؤسس عليها أطروحته، بل هي نزعة رفض لأي مسلمة يمكن أن يلزم بها تحت مبرر «النسبية»، وقضية إثبات وجود الله من عدمها لا يمكنها أن تستقيم إلا بعد إثبات إمكانية المعرفة والحكم عليها بالصدق أو الكذب، ثم إثبات إطلاقية بعض الحقائق الفلسفية المتعلقة بالوجود، مما حدا بعلماء الكلام إلى استعمال الحجج الجدلية بغرض القطع لنزعة السفسطة التي اعتمدها «الدهريون» و«الطبيعيون» والإلحاد المعاصر امتداد طبيعي لهذه النزعات السفسطائية.

وبعد إثبات حقائق الأشياء، وإمكان المعرفة والإدراك اختلف المتكلمون في حد العلم.

وقد تفرد الإمام النظارة فخر الدين الرازي بقول بخصوص صياغة حد منطقي للعلم، إذ يقول «المختار عندي أن العلم غني عن التعريف أصالة؛ لأن كل أحد يعلم ضرورة أن النار محرقة، وأن الشمس مشرقة، ولو لم يكن العلم بحقيقة العلم ضروريًّا لامتنع أن يكون هذا العلم المخصوص ضروريًّا».

هنا يقارب الإمام فخر الدين الرازي العلم كضرورة ملازمة للإنسان يمكن التعبير عنها في المعجمية المعاصرة «بالبداهة»؛ فإدراك الأشياء على ماهي عليه في الواقع من لوازم العقل البشري، ولولاها لما جعلت رتبته – أي الإنسان– أعلى من رتبة الحيوان البهيم، أو الجماد، فلم يحتج إلى «حد» يوضح ماهيته لبداهته في النفس والعقل الإنساني «وهو الرأي الذي اختاره والعلم عند الله».

أما عن مصادر ووسائط تحقق المعرفة الإنسانية فهي على النحو الآتي:

يقول الإمام النظارة أبو اليسر البزدوي: «وأسبابه للخلق ثلاثة، وهي الحواس الخمس؛ أعني بها السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، والخبر الصادق أعني به الخبر المتواتر، وخبر الرسول، والعقل».

وهنا نعزل خبر الرسول -مؤقتًا- لكونه فرعًا عن إثبات -وجود الله– وإلا لصادرنا على المطلوب، ونعود لقضية العقل؛ فالملحد ينكر كون العقل حجة صحيحة؛ لأن قضاياه متناقضة، وما كانت قضاياه متناقضة لا يصح الحكم به، وهنا يرد الإمام أبو البركات النسفي بقوله: «من راعى شرائط النظر العقلي أفضى به إلى العلم الصحيح، ثم نقول له أي الأحكام تريد في العقل، هل الواجب لذاته؟ أم الواجب لغيره؟ أم الممكن لذاته؟ أم الممكن لغيره؟ أم المستحيل لذاته؟ أم المستحيل لغيره؟ فهذه أقسام ستة، أصلها ثلاثة أقسام، الواجب، والممكن، والمستحيل، وكل قسم منها له متعلق بالموجودات في الخارج، والمتصورة في الذهن؛ فحكمك بتناقض العقل حكم عام مجمل يفتقر إلى استفصال».

ويقول الإمام أبو اليسر البزدوي: «والعقول متفاوتة بأصل الفطرة، خلافًا للمعتزلة، كونه مناط التكليف، ونحن نقول إن ما يطلق عليه اسم العقل كاف في صحة التكليف».

نخلص في هذه المقدمة إلى أمور –نؤسس عليها في بناء الفصول اللاحقة– وهي على النحو الآتي:

أولًا: المعرفة ممكنة عقلًا وواقعًا، وهي متاحة لأي إنسان استوفى شرائط النظر الصحيح المفضي إلى العلم.

ثانيًا: العلم لا يحتاج إلى تعريف لحد ماهيته؛ لأنه بداهة في الإنسان به اكتسب الإنسان تعريفه «بالحيوان الناطق» أي الكائن الوجودي المفكر بتعبير الفلاسفة.

ثالثًا: مصادر المعرفة هي «العقل الصحيح» و«الإحساس السليم» و«الخبر الصادق» (بالنسبة للمؤمن).

2- في حدوث العالم

يقول الإمام أبو البركات النسفي: «العالم محدث، خلافًا للدهرية، والمحدث الموجود ابتداء، أو الذي يكون مسبوقًا بالعدم، واعلم أطباق المسلمين جميعًا على القول بأن الاجسام محدثة بذواتها وصفاتها، وقال أرسطو طاليس وأتباعه أنها قديمة بذواتها وصفاتها، وقال أكثر الفلاسفة إنها «قديمة بأنواعها محدثة بصفاتها»، فنقول لهم أجزاء الوجود إما جواهر مركبة، فهي أجسام، أو غير مركبة فهي أفراد، وذلك الجزء إما أن يكون قائمًا بنفسه، وهو العين، أو قائمًا بغيره وهو العرض، ولما علمنا «حسًّا» بالمشاهدة أن جسمًا ساكنًا تحرك، فالحركة قامت به بعد أن لم تكن في زمن، فهي عرض -الحركة– سبقت بعدم، وهو عين الحدوث، ولو كانت الأعراض والجواهر قديمة لما قبلت العدم؛ لأن القدم ينافي العدم».

يمكن مقاربة هذا الدليل بحركة الجسم في الفيزياء النظرية «فيزياء نيوتن»، فالحركة – العرض– هي انتقال الجسم – وهو الجوهر– في الزمن من نقطة إلى أخرى، ولولا هذا الانتقال لما كان لمفهوم الزمن أي معنى، ولا كان للحركة أي معنى؛ فالحركة عرض وقع في الجسم كان مسبوقًا بسكون – العدم– وهذا هو عين الحدوث – أي قيام الحركة في الجسم بعد أن كان ساكنًا في حالتنا هذه– ولو كان الجسم، وهو جزء – بسيط– من المادة المشكلة للوجود والكون قديمًا لما قبل السكون «أي عدمية الحركة»؛ لأنه لو كانت مادة الجسم قديمة حقًّا ولا تفنى ولا تستحدث كما ذكر الماديون لما قبلت قانون الحركة والسكون «أي عدم الحركة، ثم وجودها، ثم عدمها، ثم وجودها من جديد، ثم عدمها، وهكذا»، ويمكنك قياس هذا القانون الفيزيائي البسيط على الكون وستجده مطردًا متناسقًا، فالقديم -والحال هنا الجسم المادي- لا يقبل أن تقع فيه الحوادث ويتغير شكلًا وصفة بتغيرها مثلًا «من الصلب إلى السائل، ومن السائل إلى الغازي وهكذا»؛ فعلماء الكلام يقولون ما دام قد قبل قانون التغير «الحوادث» فهو محدث أيضًا؛ لأن أي جسم يقبل طروء الحوادث عليه يكون حادثًا بدوره، لكن لا بد عليك أيها القارئ الكريم وأنت تطالع هذا الدليل أن تستحضر في ذهنك البعدين المعرفي «قوانين الحركة والتغير في الفيزياء»، والفلسفي «معنى الحدوث والعدم»، حتى تتضح لك وجاهته بحول الله.

وهناك أدلة أخرى نجتهد في اختصار دليل واحد تجنبًا لإطالة نفس المقال ونختار منها دليل «بطلان التسلسل» وفي هذا الصدد يقول الإمام أبو بكر الباقلاني -رضي الله عنه-: «كل معلول له علة سابقة له، وتلك العلة إنما هي ناتج عن فعل له علة سابقة، ثم تتسلسل إلى ما لانهاية، وهذا محال، فلا بد من الرجوع إلى علة أولى قديمة محدثة لما بعدها من العلل».

لاحظ كيف ذكر هنا الإمام الباقلاني أن تسلسل العلل محال «والمقصود بالاستحالة هنا الاستحالة العقلية»، وقد صدرنا من قبل أن النظر العقلي الصحيح من وسائط الإدراك المعرفي –فلا يمكن للملحد المناقشة في الأحكام التي يصدرها العقل إن كانت سليمة، إلا إن وقعنا في السفسطة مجددًا- والاستحالة هنا يمكننا أن نمثلها على الحالة التالية:

لو افترضنا وجود طابور طويل من التلاميذ، أعطى الاستاذ أولهم كتابًا، ثم أعطاه لمن يقف خلفه، والثالث أعطاه للرابع، وهكذا لتجد بعد مدة أن هذا الكتاب عاد إلى الأول، هنا نستنتج مباشرة أن أحد التلاميذ الذين يقفون في الخلف التفت ولم يجد من يعطيه إياه فأعاده لمن قبله، وهكذا حتى عاد إلى الأول؛ فالتلاميذ – وهم علل لانتقال الكتاب- عددهم محدود، وما لبث أن عاد الكتاب -وهو المعلول- لعلته الأولى، وهو الأستاذ الذي أعطى الكتاب للتلميذ الأول، ويستحيل أن يتصور العقل بقاء تسلسل المعلولات إلى ما لا نهاية، والملحد الذي يقول إن العالم قديم غير حادث هو يفترض بقاء العالم وتغيره أيضًا بحكم التوالد الذاتي، وهذا الادعاء يستلزم إمكان التسلسل، وهو محال عقلًا كما قدمنا، فلا بد لهذا الوجود من علة أولى ينتهي إليها فيكون حادثًا لا قديمًا.

بقيت إشكالات متعلقة ببرهان الحدوث، وهي «إمكان وجود الجوهر الفرد»؛ أي الجزء الذي لا يتجزأ، وهو أصل بناء الدليل وقضية «قدم الموجودات بالنوع وحدوثها بالصفات»، ربما نخصص له مقالات مستقلة بعون المولى.

3- في إثبات الخالق «واجب الوجود»

بداية صدر بعض علماء الكلام هذا الفصل بقولهم «في إثبات الصانع»، وهو في نظري اصطلاح غير دقيق لا يعكس حقيقة المبحث المطلوب «إثبات الخالق»؛ فالصانع لفظ أطلقه الفلاسفة، وكان غرضهم في ذلك إثبات صدق نظريتهم في «قدم العالم بالنوع وحدوثه بالصفات»، إذ يقتضي هذا الاصطلاح تحويل الوجود من صورته الأولى البسيطة القديمة إلى الصورة التي هو عليها اليوم، ويقتضي وجود المحول الذي له قدرة على تحويل الكيفيات الأولى المادية البسيطة إلى صور أكثر تعقيدًا، ولفظ «الصانع» يناسب معنى التحويل لا الخلق؛ إذ الصانع لا يحدث المصنوع من العدم، بل يحوله من صورة إلى صورة، أما اصطلاح «الخلق» فهو يقتضي الإيجاد من الفراغ، والإحداث بعد العدم، وهو المطلوب، وهو الذي دلت عليه النصوص المتواترة المعنى من القرآن والسنة، قال تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ» سورة ق، وقال تعالى: «قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ(9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ» سورة فصلت، وقال تعالى: «أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19)» سورة العنكبوت، وفي مواضع كثيرة ذكر القرآن الكريم لفظ الخلق؛ فالأولى إطلاق «الخالق» بدلًا من «الصانع».

يقول الإمام أبو البركات النسفي: «ولما ثبت أن العالم محدث ثبت أنه مسبوق بعدم ضرورة، وما سبقه العدم لم يكن وجوده لذاته، بل يجوز عليه الوجود والعدم فهو الممكن، والممكن وجوده ليس لذاته بل وجوده مفتقر إلى علة أولى تكون واجبة في ذاتها؛ لأنه لو افتقرت تلك العلة إلى علة أخرى لكانت ممكنة، وهكذا تتسلسل إلى ما لا نهاية، – وهو فرض عقلي أبطلناه سابقًا في دليل حدوث العالم-، وهو محال فاحتيج إلى أن تنتهي تلك المعلولات إلى علة أولى تكون واجبة الوجود في ذاتها غير مفتقرة إلى غيرها، وهي العلة الأولى عند الفلاسفة، وهو عند أصحابنا –يقصد أهل الكلام- واجب الوجود وهو الله تنزه وتقدس».

الإضافة التي اعتمدها علماء الكلام هنا هي أقسام الحكم العقلي «الواجب، والممكن، والمستحيل»، ودليل إثبات الخالق -جل وعز- مبني على ما سبق من صحة «حدوث العالم»؛ فما دام العالم محدث فقد جرى عليه العدم في وقت سابق وما كان معدومًا في زمن سابق استوى فيه طرفا الوجود والعدم، فكان من أقسام الممكن – أي الذي يستوي فيه طرفا الإثبات والنفي- فكان يمكن أن يخلق هذا الوجود، وكان يمكن أن لا يخلق فاحتاج في ترجيح أحد طرفي الإمكان «والذي هنا هو الخلق والوجود»، على طرف العدم على مستقلة، ولا بد أن تكون تلك العلة واجبة الوجود في نفسها لا تحتاج إلى موجد آخر حتى لا نقع في فكرة التسلسل التي يرفضها العقل، وهكذا ببساطة أطلق العلماء اصطلاح «واجب الوجود» على الله تبارك وتعالى استنادًا إلى هذه القسمة العقلية.

إلى هنا أنتهي أيها القارئ الكريم من الذكر والشرح البسيط «المتواضع» لهذه المقدمات التي لا يعدمها أي كتاب من كتب الكلام والعقائد، والتي لو درست الدراسة الكافية لارتفعت كثير من الشبهات التي يرددها الملاحدة المعاصرون، وكما صدرت في بداية المقال البتر والقطيعة التامة مع ما قدمه الأوائل يعد إعدامًا لأي عملية نهضوية يرتجى أن تكون، خصوصًا وأن الإشكالات التي يرددها كثير من ملاحدة العصر ليست جديدة، بل لهم في ذلك سلف من الطبائعيين، والدهريين، وأهل الفلسفة الأرسطاليسية، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

( شرح العمدة في عقيدة اهل السنة ) ابي البركات النسفي , ( اصول الدين ) ابو اليسر البزدوي , ( الاربعين في اصول الدين ) فخر الدين الرازي ,( الانصاف في ما يجب اعتقاده ) ابي بكر الباقلاني ,
عرض التعليقات
تحميل المزيد