القسوة غربة وطن

دائمًا ما ننجذب بطبيعة قلوبنا للحنية، ويكون لدنيا نفور داخلي من القسوة، فهل في يوم من الأيام جاءنا التفكير لنعرف ما هي القسوة؟! وهل هي طبيعية أم مكتسبة؟ وهل من الممكن أن تكون عرضًا من شدة الضغط وما تلبس أن تزول؟! فلنر بعض المعلومات عن تلك الصفة التي تفرمنا.

القسوة هي غِلَظة القلب، وشدَّته، والقَسْوَةُ الصلابة في كل شيء، ولكن ما الفرق بين القسوة والصلابة؟ إن القسوة تستعمل فيما لا يقبل العلاج، ولهذا يوصف بها القلب، وإن لم يكن صلبًا، قال الجاحظ: «القساوة: وهو خلقٌ مركبٌ من البُغض، والشَّجَاعَة، والقساوة: وهو التهاون بما يلحق الغير من الألم والأذى». والقسوة مثلها مثل الشدة، والغلظة، والفظاظة، كلهم بمعنى واحد.

قد يختلط علينا القسوة مع الصبر، ولكنهما مختلفتان تمامًا؛ فتختلف القسوة عن الصبر تمامًا، فيقول ابن القيم: «الفرق بين الصبر والقسوة؛ أنَّ الصبر خُلُقٌ كسبي يتخلق به العبد، وهو: حبس النفس عن الجزع، والهلع، والتشكي، فيحبس النفس عن السخط، واللسان عن الشكوى، والجوارح عما لا ينبغي فعله، وهو ثبات القلب على الأحكام القدريَّة والشرعيَّة. وأما القسوة: فيبس في القلب يمنعه من الانفعال، وغلظة تمنعه من التأثير بالنوازل، فلا يتأثر لغلظته، وقساوته لا لصبره واحتماله».

قال تعالى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، وقال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.

قال الطبري: «فقوله: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً يعني فقلوبكم كالحجارة صلابةً، ويبسًا، وغلظًا، وشدةً، أو أشد قسوة».

وقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.

فقال ابن كثير: «قال تعالى: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} الفظ: الغليظ، والمراد به ها هنا غليظ الكلام؛ لقوله بعد ذلك: غَلِيظَ الْقَلْبِ أي: لو كنت سيئ الكلام، قاسي القلب عليهم؛ لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفًا لقلوبهم». وذكر كثيرًامن الآيات التي تبغض من القسوة.

وفي علم النفس؛ القسوة غالبًا ما تكون مرادفة للعدوان، لكن هذه المفاهيم لا يمكن أن تحل محل بعضها البعض؛ يمتلئ العدوان بالمشاعر (الخوف، والجوع، والدفاع عن النفس، والتملك)، والقسوة فارغة، إنها تجسد اللامبالاة التامة تجاه مشاعر واحتياجات الآخرين، وهو سوء فهم بأن شخصًا آخر يمكن أن يتأذى، أو حزينًا، أو مسيئًا.

القسوة متأصلة في الإنسان فقط وليس لها أي علاقة بالمملكة الحيوانية؛ فهناك عدوان خالص يعكس دائمًا احتياجات الواقع، سواء كان غذاءً، أو دفاعًا عن أراضي الفرد، لا يمكن لأي حيوان أن يجلب معاناة للآخرين من أجل سعادته.

يعتقد الكثيرون أن القسوة تهدف إلى الحفاظ على تفرد الأنا وحب الذات؛ من خلال إظهار القوة والسلطة على الآخرين، ويعتقد آخرون أن القسوة هي وسيلة للدفاع، حيث يتوقعون حدوث ضربات محتملة لخصم أقوى، أو تضعفه تدريجيًّا بهجمات مستمرة، فالقسوة تعكس دائمًا عدم الرضا عن النفس، أو مع مظاهر حياة المرء، وتجذب الآخرين إلى الحساب بدلًا من التغييرات من جانبهم، هذه سمة تخفي المشاكل الداخلية العميقة، مثل الضعف المفرط، والصدمات النفسية والمجمعات، وهي محاولات لإظهار القوة، وهي ليست موجودة.

يُنظر إلى الشخص القاسي على أنه قوي، وشامل القدرة تقريبًا؛ بسبب قلة الحساسية، وانخفاض المبادئ الأخلاقية. لكن هل هذه الصفة إيجابية كما يعتقد البعض أو تسبب حماية أو دليل على القوة؟ !لا؛ ليست إيجابية أو دليلًا على القوة بين الآخرين. لماذا؟! نظرًا لعدم وجود قيود داخلية وخارجية (أو بالأحرى الحساسية تجاهها)، تصبح المظاهر أقوى في كل مرة. لذا؛ في البداية، يمكن لأي شخص إهانة الآخرين، ثم رد الصفعات، ثم ضربه بالكسور، والكدمات المعقدة، وإذا لم يتوقف كل شيء في هذه المرحلة بالقوة، فإن القسوة تأخذ شكل التعذيب، وتصل إلى القتل والجريمة.

رغم كل هذا فإن من يتسمون بالقسوة يدعون للشفقة، حقًا! فلماذا؟! لأن الأشخاص القساة يواجهون صعوبات في التواصل، ولا يوجد أقارب، ويوجد لديهم نقاط ألم داخلية؛ هؤلاء الناس يتركون أنفسهم بمشاكلهم، وعالمهم الداخلي يتألم باستمرار، وربما لهذا السبب تختفي الحساسية لآلام الآخرين.

فهل للقسوة من علامات؟! علامات ودلالات قسوة القلب:

  1. جمود العين، وقلة دمعها من خشية الله، قال تعالى مادحًا المؤمنين من أهل الكتاب: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}. [المائدة: 83]. قال ابن القيم: «متى أقحطت العين من البكاء من خشية الله تعالى، فاعلم أنَّ قحطها من قسوة القلب، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي».
  2. عدم التأثر بالقرآن؛ قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}.
  3. عدم اللامبالاة بما يصيب الآخرين من أذى أو ألم؛ فقد قيل في بيان معنى القساوة: «إنها التهاون بما يلحق الغير من الألم والأذى».
  4. التّكَبُّر وعدم قبول الحق، وقد تصل للعظمة؛ فمن الأقوال: «إن القلب القاسي لا يقبل الحق، وإن كَثُرَت دلائله».
  5. عدم الاتعاظ بالموت، والغفلة أو الضحك عند القبور بلا اعتبار أو تفكر، قال الغزالي: «الآن لا ننظر إلى جماعة يحضرون جنازة إلا وأكثرهم يضحكون، ويلهون، ولا يتكلمون إلا في ميراثه، وما خلفه لورثته، ولا يتفكر أقرانه وأقاربه إلا في الحيلة التي بها يتناول بعض ما خلفه، ولا يتفكر واحد منهم إلا ما شاء الله في جنازة نفسه، وفي حاله إذا حمل عليها، ولا سبب لهذه الغفلة إلا قسوة القلوب، بكثرة المعاصي والذنوب، حتى نسينا الله تعالى واليوم الآخر، والأهوال التي بين أيدينا، فصرنا نلهو، ونغفل، ونشتغل بما لا يعنينا».

فمن الممكن أن يجول بخاطرنا الآن أسباب القسوة، وما الذي يجعل الإنسان أن يصل لتلك المرحلة؟ القسوة متعددة الجوانب في مظاهرها، لكن لا يوجد شخص واحد لن يواجهها، وهناك العديد من أسباب السلوك العنيف:

  1. السبب الأكثر شيوعًا هو عدم الرضا عن حياتك؛ هذه الحالة من الغضب المختلط والعجز، تحتاج إلى تعديل نفسي؛ لأنه يؤدي في النهاية إلى اضطرابات نفسية جسدية (عادة في الجهاز القلبي الوعائي)، ويعطل التفاعل الاجتماعي للفرد، ويلي ذلك قلة الفهم، أو عدم الاهتمام بمشاعر الشخص الذي لحقت به الأضرار.
  2. عندما لا تتاح للشخص فرصة لإظهار السخط والعدوان، والدفاع عن وجهة نظره أمام الآخرين؛ فمن المرجح أنه سوف ينهار في الأسرة، خاصة إذا كان التعليم الأسري مبنيًا على التحكم في مشاعرهم، والتقديم الكامل، فسيظهر ذلك بمرور الوقت القسوة في جميع الأماكن الأخرى التي يمكن الوصول إليها، قد يبدو هذا السلوك حقًا بمثابة هجمات عنيفة من الغضب لا سبب لها، ولكنه في الحقيقة عدوان وقسوة.
  3. إذا كان الشخص محرومًا في مرحلة الطفولة من العطف، وتعافى من تجارب الألم، فينشأ لدى الشخص من الطفولة سلوك عنيف ينمو بقسوة.
  4. الرغبة في الانتقام من الألم، وهو من أسوأ أسباب القسوة، يحدث هذا عندما يحرق ألم الشخص نفسه داخل الشخص كل المشاعر المتبقية، ويؤدي به إلى الجنون.
  5. الشخص الذي نشأ في ظروف قاسية وهي من أصعب أنواع القسوة، فينشأ لدى الشخص جفاء وغلظة ينموان معه.

فبعد هذه الدلائل والأسباب، هل تظهر آثار للقسوة على النفس والقلب؟ نعم؛ منها ما يلي:

  1. ضعف الإيمان، والوقوع في الفتنة والضلال، قال تعالي: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}.
  2. شيوع الكراهية والتنافر بين قلوب الناس وبعضها، قال تعالى: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}.
  3. الفتور عن الطاعة، ومن الممكن الوقوع في المحرمات.
  4. ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  5. الخوف الدائم.
  6. الكآبة والشعور بالاكتئاب دائمًا.
  7.  قد يصل إلى تحريف في كلام الله.
  8.  سوء الفهم، وسوء القصد، ونسيان ما ذكر به، وهو ترك ما أُمر به علمًا وعملًا، قال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ}.
  9. نزول المصائب الدائمة، وزوال النعمة، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ}.

وللإجابة عن سؤال آخر قد يشغل البال، فهل للقسوة من أنواع؟ ليست بأنواع، ولكنها تختلف حسب طبيعة الشخص، وهذا رأيي الخاص؛ حيث إننا نرى أحد الأشخاص لا يملك قلبًا قاسيًّا فقط، ولكنه يقسو ويظهر قسوته على الآخرين لفظًا وفعلًا، بسبب أو دون سبب وكأنه يتلذذ بهذا. وشخص قسوته على نفسه فقط، ومن يمسه يُظهر قسوته. والبعض تتمثل فيهم القسوة بالأذية والعنف الجسدي والبدني لمن حولهم من أشخاص أو حيوانات.

ولكن دعنا لا ننسى، أن من الممكن أن تكون القسوة عرضًا لا يدوم، وليس بمتأصل، ولكن الشخص ينضغط نفسيًّا فترة فيقسو على من حوله، وفي هذه الحالة لا يجب ترك الشخص فيزداد قسوته لإهماله، ولكن يجب البقاء بجانبه إلى أن ينتهي الضغط ويعود كما كان.

وأخيرًا هل للقسوة من علاج؟! يقدم العديد من المتخصصين طرقًا مختلفة للتعامل مع القسوة على حسب نوع وشدة القسوة، وهي كما يلي:

  1. يمكن أن يكون السجن، لمن يؤذون الناس جسديًّا وبدنيًّا دون داعٍ.
  2. العلاج النفسي القسري أو الطوعي، والاستشارات العلاجية النفسية.
  3. تغيير النشاط.
  4. 4. تعديل عملية التنشئة، وتصحيح السلوك المتأصل بالشخص من الطفولة.
  5. التحدث مع الشخص مباشرة، والتعامل معه بلطف؛ لإرجاعه عما هو عليه.

يجب علينا جميعًا أن نعلم أن قسوة القلب لا فائدة منها، وأن الحياة لا تحتاج لقسوة، وجميعنا نحتاج لقلوب لينة، ولين القلوب التي تغمرنا وتشعرنا بالدفء لا يمكن الاستغناء عنها، ويجب معرفة أن لين القلب نعمة من نعم الله، والقسوة ابتلاء يجب التخلص منه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

غربة وطن

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد