إن الحضارة بتعريفها الشامل تُعتبر تضافر جهود الكائنات الإنسانية من أجل المحافظة على منطق الاستمرارية وبناء صرح التقدم، بشكل يناسب الفطرة البشرية ولا يتعارض مع العقلانية، بحيث إن بناء الحضارة يكمن في القيم الأخلاقية التي تريد المجموعات الإنسانية تحقيقها داخل البناء والأنساق الاجتماعية كما يشير عالم الاجتماع الأمريكي «تالكوت بارسونز»، حيث إن مشكلة الحضارة بالأساس ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمشاكل والنزاعات الأخلاقية، حيث إن المنظومة المجتمعية تسير وفق قواعد ونظم أساسية تخضع لمعايير الموروثات الثقافية والدينية لتشكل حالة من التجدد والتقدم الوظيفي من خلال قوانين الظبط وشرعية السلطة الحاكمة لتصبح هذه الممارسات عقائد يومية روتينة لا بد من الأفراد التقيد والالتزام بها، حتى تشكل العناصر الجمالية والتاريخية التي تفوق تصوراتنا العقلية وهذا يرجع بكل تأكيد للمجهودات الجماعية لصناعة هذا التغيير.

هل يعتبر التاريخ مفهومًا؟

لا يقتصر مفهوم التاريخ على المهتمين فقط بالتاريخ، بل يتعداه ليشمل الفلاسفة وعلماء الاجتماع المدفوعين إلى التفكير في الحدث التاريخي والمنهج المتّبع لتحليلة وتأويله، بحيث يعتبر التاريخ في الكثير من النصوص العلمية والأطروحات الأكاديمية هو كل ما يتعلق بالسوابق الماضية من خلال دراسة الأحداث وسياقات العامة وخاصة من خلال المنهج التاريخي الذي يعتمد على أساليب وطرائق تساعد المؤرخ على التقصي الحقائق التاريخية، حيث يعتبر ابن خلدون أن التاريخ في ظاهره «لا يزيد عن أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأُولى تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف فيها الأندية إذا غصَّها الاحتفال، وتؤدي شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال»، أما في باطنه «نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير أن يعد في علومها وخليق يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم»، ومن خلال هذه التعريفات التي صاغها العلامة ابن خلدون في كتابه الشهير «العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» يسهل على المهتمين بشؤون التاريخ أن يقوموا على منهج تاريخي واضح وشامل يسهل العمل وفق قواعدة وظوابطه، حيث إن التاريخ ليس كتابات وحواديث تحكي وتقص بل يتعداها ليصل إلى المنظومات والسياقات نموذجية، حيث إن المبحث التاريخي لا يُعنى بالتفسير فقط بل بغية الفهم والتعمق أكثر في الأسباب التي تكسر بذلك الرتابة المعرفية في خصائص التاريخ.

هل يجوز للفرد المحلي أن يقفز على تاريخِه؟

المراد من خلال هذه الورقة التوقف عند الظاهرة التاريخية، والقصد من ذلك هو معرفة آليات الحكم في نظام الشرعية سابقًا، حيث إن الحاضر ما هّو إلا مجموعة من التراكمات السابقة، تشكلت وفق مستجدات ومتغيرات ظهرت آنذاك على السطح لتشكل العقلية أو الذهنية العامة للمجتمع، ولكن عند التمعن بصفة التحقيق نجد بأن الاختلالات البنيوية في مراحل تاريخية سابقة هي التي أشعلت فتيل التخلف بشكل من الأشكال يصعب تحديد فتراته الزمنية بسهولة، ولكن يسهل بالتأكيد رؤية مخلفاته العقيمة، حيث إن أزمات الصراع الوجودي والأفضلية الخلقية والاحتقان الطائفي والمذهبي ومسائل أهل الذمة في الثقافة الإسلامية، وتلوث الأنظمة الحاكمة راجع بالضرورة إلى حالات زمنية سابقة، وهذه الإشكالات الكبرى المطروحة الآن لم تمس فقط البناء الاجتماعي، بل تعدته ليصيب سهمها الفرد العربي، حيث يرى الدكتور مصطفى حجازي في كتابه «التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور»، أن الإنسان في العوالم النامية والمتخلفة قد أصابه الوهن والضعف نتيجة العشوائية التي خلفتها المنظومة السياسية والاقتصادية، حيث إن التأثيرات المباشرة لهاتين العمليتين على الفاعلين داخل الحيز الاجتماعي بالضرورة تعمل على نشر الثقافة الاستهلاكية والتبعية الغربية، فيتشكل نوع من الإنسان مميع وبالتالي تصدق نظرية الحداثة السائلة للكاتب وعالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان، لذلك يجب علينا نحن كأنصار للمجتمع ونخبته إعادة النظر حول التاريخية نظرة متفحص ومدقق، وهذا من خلال إزالة كل الشوائب والأضرار التي تفتك بمجتمعاتنا، وتؤثر في المنظومة الفكرية القائمة، فلا نستطيع أن نكون حاجزًا مانعًا ضد مخلفات التاريخ، ولكن في مقدورنا أن ننتفض لموجاته الضاربة والتي تعود لقرون مضت والتي أصبحت بالتأكيد لا تناسب وقتنا وحياتنا هذه، فالتاريخ هو الوجود، حيث إننا لا نستطيع تغيير التاريخ ولكن نقدر بالتأكيد التحكم في الموجود، فصناعة الحضارة لا يعني مطلقًا إعادة بعث وإحياء التاريخ، بل تجديده وإعادة رسمه ليصبح أكثر سيولة وعطاءً للمجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد