لا تحلموا بعالم سعيد

فخلف كل قيصر يموت

قيصر جديد

وخلف كل ثائر يموت

أحزان بلا جدوى، ودمعة سدى

 

لم يكن يدري أمل دنقل أن الغرفة التي حملته وحملت أيضًا الرقم 8 ستكون هي نفسها التي شهدت ميلاد ست قصائد كانت من أروع ما كتب طوال حياته، ولعله أيضًا لم يكن يدري بأن إقامته بالغرفة ذاتها ستظل لمدة عام ونصف كاملين.

للغرفة ملامحها الخاصة فقد حملت الجدران بعض الصور الملونة ولوحات الكاريكاتير، وبطاقة من ياسر عرفات حملت بعض التمنيات بالشفاء.

بدأت الحكاية عندما ظهر ورم صغير في جسد أمل، وأخذ يتزايد يومًا بعد الآخر.. قال الطبيب بأنه “السرطان”، لم يكن السرطان وحده هو الخوف الذي يواجه دنقل، لكنه الفقر والاحتياج إلى المال أيضًا، شكلا معًا جبهة قوية ربما جعلته وللمرة الأولى يشعر بحقيقة قسوة الفقر، وأن المرض هو الحالة الوحيدة التي تحول الفقير إلى بائس حين يواجه قدره عاجزًا.

تمتم أمل بالشهادة “أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله” وهو على أعتاب غرفة العمليات لتداعبه زوجته السيدة “عبلة الرويني”:

– لقد أمسكتُ بكَ متلبسًا بالإيمان.

ليبتسم دنقل في هدوء مرددًا في همس خافت:

– أخشي ألا يؤثر فيَّ البنج.

 

مارس 1980

بعد خمسة أشهر من الجراحة ظهر ورم سرطاني آخر رغم تأكيدات الطبيب سابقًا على خلو جسد أمل من الخلايا السرطانية، كان ذلك يعني ببساطة أن دنقل سيعيش ما تبقى من حياته وجهًا لوجه مع البؤس والمرض والألم.

لأسابيع كثيرة ولشهور ظلت حقنة الجلوكوز وأجهزة الأشعة ومصل الدواء وأصوات المرضى وصراخهم، والأجساد التي تسقط كل يوم أمام عيني أمل حتى صارت الجثث والموت جزءًا عاديًا، وأصبح طريق الموت هو الطريق الوحيد للحياة والاتصال بالعالم.

لكن دنقل الشاعر يرفض الاستسلام للموت حيًّا؛ فيتسلل في منتصف الليل من غرفته ويمارس عشقه لشوارع القاهرة وحواريها.

عدة شهور مضت دون أن يتذكر وزير الثقافة المصري “عبد الحميد رضوان” أن شاعر مصر الأول – في ذلك الوقت– يرقد فوق سرير حديدي بإحدى غرف معهد السرطان دون أن ينال أي اهتمام من الجهات الحكومية، ليتذكر في النهاية رئيس الوزراء فؤاد محي الدين ويصدر قرارًا استثنائيًّا بضرورة علاج أمل على نفقة الدولة، لكن الوقت كان قد تأخر.. تأخر كثيرًا.

تحول أمل من شاعر إلى مريض في ذهن أجهزة الدولة والإعلام وحتى المثقفين، فأصبحت تتزايد باقات الزهور وأصبح أمل يزداد كآبةً واختناقًا ومع كل باقة زهر يكتب:

وسلال من الورد

ألمحها

بين إغماءة وإفاقة

وعلى كل باقة

اسم حاملها في بطاقة

مع الوقت أخذت الأدوية المسممة تأخذ طريقها في جسد أمل حتى تشقق جلده، وأصيب بالجروح، وبدأت أجهزته تتوقف، وبعد أسبوع واحد فقط كان قد انهار كل في جسده، وكانت النهاية في 21 مايو 1983.

 

مهرجان حافظ وشوقي

كان حافظ وشوقي هو آخر لقاء شعري ألقى فيه أمل قصائده، وقد أقامته وزارة الثقافة بمناسبة مرور خمسين عامًا على وفاتهما.

تردد أمل كثيرًا قبل الذهاب، فقد كانت حالته الصحية متدهورة، حيث تساقط شعر رأسه وأسنانه كما أنه أصبح لا يقوى على السير إلا بصعوبة، وفي حالة ظهوره أمام الناس بهذه الصورة فإن الأمر سيتحول إلى شفقة، وهو الشيء الذي كان يكرهه أمل .. قال لن أذهب!! لكنه ذهب وكان أجمل الحاضرين.

في المسرح حاول البعض مساعدته للصعود نحو المنصة لكنه رفضهم بقسوة، وصعد وحده ثم ألقى قصيدته لا تصالح..!

لا تصالح

ولو منحوك الذهب

أترى حين أفقأ عينيك

ثم أثبت جوهرتين مكانهما

هل تري..؟

هي أشياء لا تُشترى

عزيزي “أمل دنقل” هل يكفي أن نبكي بين يدي شِعرك، أم أنه لا وقت للبكاء، فقد سقطت الثورة التي يومًا حَلِمتُ بها واحتل العسكر البشر والأرض والشجر والقلوب، والقناص يقف من فوقنا يطالبنا بمزيد من الانحناء، فهل ننتصر؟ أم أنه “لو لم يكن هذا الجدار، ما عرفنا قيمة الضوء”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد