أخذني الحنين وانتابني توق إلى مدينة النمرود بن كنعان في العراق، فسافرت ومعي راؤول فراندو، مستشفعًا بـ«Yearning» لدى أطلال المدينة القديمة، عسى أن تدلني على صخرة، قيل لي: إن زرياب كان يجلس عليها في عهد هارون الرشيد يؤلف الألحان، مستلهمًا نغماته من تماثيل الكفر لإمتاع الموحدين.

الظلام كان قد حل على المكان، ولا كهرباء؛ فهي من صناعة الكفار، ومن سيطروا على المكان لا يريدون أي مظهر غير إسلامي في مناطق نفوذهم سوى المدافع.

علق فراندو أيقونته الموسيقية في أذني، لأهتدي بها في بحثي عن الأثر الذي لم أره من قبل، فهو ماهر في سماع وترجمة أصوات لا أستطيع فهمها، الكمان حائر حزين، يتردد بين أعجاز التماثيل الباقية، وكلما اصطدمت بحجر سمعت صوت دف غليظ ينقر على أذني، حاملًا إليّ صرخات أرواح أصحاب التماثيل، تشكوا وحدتها التي كانت، قبل أن تبكي كسر رؤوسها، وتؤكد أنها ما هانت وما حُطّمت، إلا لأن من ورثوها باعوها كما غيرها في مزاد الخيانة.

يبدو أن صخرة زرياب قد قبلت شفاعة مقطوعة فيراندو، الشرقية جدًا، والمؤلفة في أمريكا اللاتينية؛ فالفن يتجاوز الدين واللغة واللون، ويقفز من فوق حواجز الزمن لآذان وأعين القلوب في أي مكان. وصخرة زرياب الذي ترك العراق وذهب ليعلم أوروبا موسيقاه، تقدر جيدًا قيمة رباط الفن الذي يُمسك بأشتات البشر، ويجمعها على كلمة سواء.

وجدت بقايا الصخرة فجلست عليها، وما أن اطمأن فراندو إلى سكوني حتى بدأ يخترق صمتي ويقتحم عين قلبي، بصحبة دخان صبغته الدماء المحترقة بلونها، حاملًا سكر أبي نواس، ومدائح أبي العتاهية، وأوراق تالفة من أغاني الأصفهاني.

كمان فراندو القادم من الأرجنتين تألّم لقيمة الإنسان وآثاره المدمرة في العراق، وحكى لي وهو يتراقص، في ألم، على إيقاع ثقيل، كيف أن البشر مجرد سطور، قد تحفر على حجر أو تنقش على جلد بحبر ملون، أو تكتب بماء بلا لون فيبخرها شعاع بارد أو نسمة حارة، وكيف أن أحجار مدينة النمرود صمدت أمام أنبياء وديانات وجيوش، بعد أن أبهرتهم بعظمتها، ولكن الكائن الجديد الذي سيطر عليها كان أكثر شراسة ممن أخذ دينه عنهم.

كما أخبرتني دموع الكمان، أن اسم الله قد ذكر على رقاب محرم ذبحها، وأن تمثال النمرود فوجئ بملتحٍ يذبحه فأعلن التوبة، آملا في تدخل السماء، ولكن ابن أخيه الخليل لم يغثه.

هنا وصلت أرواح رمسيس الثاني وآمون ونفرتاري، وتجسدت في صوت مجموعة أوركسترالية صائحة: أحفاد إبراهيم جاؤوا إلينا وما قتلونا وما أهانونا، ولكنهم تركوا عبّادنا وشأنهم، لكنهم أيضًا أوكلوا أمر دينهم لمن بدله باسم نبيهم وأصحابه، فتقولوا الأقاويل المعنعة، وبها أنشؤوا الإمبراطوريات ونهبوا الأموال وسبوا النساء، وأخيرًا، جاء بعض من أحفادهم فأبادوا من استطاعوا ممن يختلفون معهم في العراق وسوريا، وجعلونا نترقب مجيئهم إلى وادي النيل، خائفين من الفتك بنا بعد أن صرنا أصنامًا لا تستطيع الدفاع عن نفسها.

فرج فودة، يوسف السباعي، مصطفى العقاد، حسين مروة، وغيرهم من دعاة التنوير وصلت أرواحهم إلى مدينة النمرود، وحكت لي على أوتار عود فراندو، كيف فُصلت عن أجسادها، حتى ظننت أنني أسمع نفس رواية قتل تماثيل النمرود… اختلفت ظروف الاغتيال، ولكن الضحايا اتفقوا على أن قاتليهم كانوا سعداء؛ لأنهم ذبحوهم على طريقتهم الشرعية، مؤكدين أن القتلة كانوا يعملون على جمع كلام نبي الإسلام، ونسبوا إليه التكسب من رمحه الذي جُعل رزقه تحته، مؤكدين أن النزيف لن يتوقف وستطول معاول التكفير كل أثر حضاري على وجه الأرض، إن لم يخض المثقفون والحكومات حروبًا شرسة ضد أمهات كتب العنعنة.

في هتاف حماسي بكامل الأوركسترا قال لي فراندو: إن الحياة تهزم الموت؛ لأنها تُستنسخ وتحل في هياكل جديدة، وإن الإبداع أبقى من الفنان، وإن النغمات ستبقى ما بقي هواء وأجسام، مشيرًا إلى أن الفيزياء أثبتت أن 17 مترًا بين مصدر صوت وحاجز، كفيلة بإحداث صدى للصوت يتردد خلف صاحبه. كما أكد أن الأثير يثقب الجدران، وأن الصخور تنحتها الماء، وإذا تلاشت أمواج زرياب وناظم الغزالي لدى ارتطامها بهضاب العاجزين عن فهم الحياة، فسيستأنف كاظم الساهر النحت، كما أن ما بدأته أسمهان وصباح فخري ستكمل عليه أصالة ومن سيأتي بعدها، حتى تنهار الهضاب.

انتشيت من هتاف الأوركسترا، وبينما أستغرق في أمنياتي تعثرت إحدى قدماي في بقايا تمثال على الأرض، فعاد الكمان إلى بكائه الأول، ولكن بصوت متعب يقاوم التلاشي، ورويدًا رويدًا صمت تمامًا، تاركًا إياي في قلب معركتي الوجودية.

___

في ذكرى تدمير داعش لمدينة النمرود بن كنعان في العراق

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد