ظلت كوبا حبيسة الإسبان ما يقرب من أربعة قرون. وقد وجد الإسبان أول ما وصلوا إليها المئات من قبيلة التاينو في انتظارهم، يتزعمهم رجل يدعى هاتوي كانوا قد فروا معه من هسبانيولا ليحذروا الكوبيين من الغزاة الإسبان الذين قتلوا واستعبدوا أهلهم من أجل الحصول على كنوز الأرض وذهبها. «راجع أيضًا: إيزابيلا وفرناندوا وكولمبس أكبر إمبراطوريات الدم».

هاتوي

رفض هاتوي وغيره من السكان الأصليين اعتناق المسيحية، إذ تناقضت أقوال الغزاة مع أفعالهم وكانوا يقتلون ويغتصبون الأهالي في الوقت الذي يدعون فيه إنهم إنما جاؤوا برسالة سلام ومساواة. ونجح مع مجموعة صغيرة في الصمود في وجه الإسبان لفترة من الزمن كبدوا فيها الغزاة المحتلين خسائر كبيرة بإمكانيات متواضعة للغاية، حتى وقع في أيدي الإسبان بفعل الخيانة وتم تقييده في وتد ليحرق حيًّا 1512 بنفس الطريقة التي قتل بها الآلاف من المسلمين الأندلسيين على أيدي هؤلاء المجرمين.

ويعد هاتوي أول بطل قومي للكوبيين، ويقبع تمثال له في بلدية يارا وهي المكان الذي كان شاهدًا على تلك الجريمة. وستكون يارا شعارًا يرفعه الكوبيون فيما بعد خلال حرب العشر سنوات 1868 -1878 في سبيل نيل الاستقلال.

طريق الحرية

ظل الإسبان وغيرهم من المستوطنين الأوربيين يستعبدون ما تبقى من أهل كوبا ردحًا طويلا من الزمن، كما استعبدوا ملايين الأفارقة والأندلسيين المدجنين الذين جلبوهم للعمل في الزراعة والتعدين لإنعاش الاقتصاد. وقد شكل هؤلاء العبيد وأبناؤهم عددًا لا يستهان به من السكان حتى أصبحت حقوقهم المهدورة والرغبة في تحريرهم مطلبًا أساسيًا من مطالب الثائرين خلال حروب الاستقلال.

بحلول عشرينيات القرن التاسع عشر؛ كانت كل المستعمرات الإسبانية في أمريكا اللاتينية قد تمكنت من نيل استقلالها باستثناء كوبا وبورتريكو اللتين تفاقمت فيهما الأوضاع بسبب القمع وارتفاع الضرائب ورفض السلطات الإسبانية تحرير العبيد الزنوج أو حتى تحسين أوضاعهم.

حرب العشر سنوات

في العام 1868 قاد الإقطاعي الكوبي كارلوس مانويل سيسبيدس ثورة معلنًا الاستقلال عن إسبانيا وتحرير العبيد تحت مسمى صرخة يارا (cry of yara). و قام مع 37 من رفاقه بتحرير عبيدهم ليخوضوا سويًا أول محاولة جدية لنيل الاستقلال. مع انقضاء الشهر الأول لتلك الثورة ارتفع عدد أفراد جيشه إلى اثني عشر ألفًا بعد أن وعد بتحرير جميع العبيد الذين ينضمون إليها، وتمكن من السيطرة على مسقط رأسه مدينة بايامو. في العام التالي عين سيسبيدس رئيسًا لحكومة الثورة الجديدة إلا أن إسبانيا بقيت متصلبة في موقفها تجاهه. بعد أربع سنوات أعلنت محكمة كوبية غيابيًّا عزل سيسبيدس من منصبه، وفي 1874 استدرج إلى كمين وقتل بالرصاص على يد جنود إسبان بعد أن كبد الجيش الإسباني المسلح بأعتى أنواع الأسلحة خسائر فادحة.

انتهت حرب العشر سنوات 1878 بتوقيع معاهدة زانخون وقد راح ضحيتها 100 ألف كوبي وإسباني. وقد حاول كاليكستو غارسيا استكمال الحرب دون توقف فيما سمي بالحرب الصغيرة من 1879 حتى 1880 لكنه لم يحظ بالدعم الكافي. تم إلغاء الرق 1886 نتيجة تلك التحركات المستمرة، لكن إسبانيا ظلت متمسكة بكوبا ولم تنفذ ما وعدت به من إصلاح اقتصادي وسياسي.

خوسيه مارتي مناضل كوبي يهيم بالعرب

في تلك الفترة بزغ نجم خوسيه مارتي كأديب ومناضل ثوري ومثقف كوبي لم يسكن أبراجًا عاجية وإنما حمل هم أمته والمستضعفين فيها على كتفيه. فقد سجن وهو في سن 16 بتهمة الخيانة بسبب تأييده لحرب الاستقلال (حرب العشر سنوات) ولكنه خرج سريعًا لأسباب صحية، ثم نفي إلى إسبانيا حيث راح يتعقب الآثار التي تركها المسلمون في تلك البلاد التي قامت فيها حضارة عظيمة استمرت لثمانية قرون. بعد إطلاق سراحه سافر إلى بلدان عديدة في أمريكا اللاتينية حتى استقر في الولايات المتحدة. وكان مقتنعًا أن حرب السنوات العشر لم تحقق أهدافها لعدم وجود تنظيم مركزي لها.

وقد ولد مارتي في كوبا لأبوين إسبان لهما أصول أندلسية، وقد يكون ذلك سببًا كافيًا لتعلقه الشديد بالعرب الذين شاركهم الكفاح ضد عدو مشترك بينما هم في المغرب وهو في كوبا- أمريكا. ومن شدة تعلقه بالحضارة العربية الإسلامية نجده يقول عن العرب: «إنهم كائنات رشيقة جذابة، تكون شعبًا هو الأكثر نبلا وأناقة على وجه البسيطة». بينما نجده يصف الأوروبيين البيض والطريقة التي يتعاملون بها مع العرب قائلًا: «ذلك هو منطقهم؛ الذي رفع من قيمة بلطجي أيرلندي أو مرتزق هندي ممن خدم الدول الأوروبية على حساب عربي من المتبصرين في الأمور، المترفعين عن الدنايا. والذين لا تثبط عزائمهم هزيمة، ولا يعرفون التخاذل حيال الفارق العددي بينهم وبين أعدائهم. بل يدافعون عن أرضهم ورجائهم على الله».

وقد نجح مارتي 1892 في تأسيس الحزب الثوري الكوبي من منفاه في نيويورك حيث عاش من1881 حتى 1895. وعمل على جمع التأييد اللازم لمناصرة القضية الكوبية والالتقاء بممثلي المهاجرين والمنفيين الكوبيين للتباحث بشأن التوقيت والتسليح المناسب لخوض المرحلة الأخيرة من الثورة الكوبية وحرب الاستقلال. في تلك الفترة ادعت أمريكا احتضانها الثوار الكوبيين وتبني قضاياهم بسبب رغبتها في الإجهاز على ما تبقى من الإمبراطورية الإسبانية داخل مستعمراتها، لتحل محلها باعتبارها دولة عظمى في العالم وهو ما حدث بالفعل بعد «كارثة 1898» أو الحرب الأمريكية الإسبانية. حيث تخلت إسبانيا عن سيادتها على كوبا وبورتريكو لصالح أمريكا، فخضعت كوبا للحكم العسكري والاحتلال الأمريكي المباشر مدة ثلاث سنوات حصلت بعدها على استقلال شكلي، لتبدأ رحلة أخرى طويلة من الكفاح للتحرر من الهيمنة الأمريكية، والتي حذر منها مارتي كثيرًا لإدراكه التام للأهداف التوسعية للولايات المتحدة الأمريكية في بلاده.

مارتي مثقف يموت في أرض المعركة

في العام 1895 وفور وصوله كوبا لخوض حرب الاستقلال؛ توفي خوسيه مارتي وهو يقاتل القوات الإسبانية في معركة دوس ريوس رافضًا الإنصات لنصائح رفاقه بعدم المشاركة في القتال المباشر حفاظًا على حياته، ليموت بذلك بالشكل الذي تمنى عندما قال أنه ليس خائنًا ليموت ويدفن في الظلام، وإنما هو رجل صالح يستحق أن يموت وهو يرى الشمس، ليتحول بعد موته إلى أيقونة ثورية خالدة علقت بأذهان رموز كوبية من أمثال جيفارا.

الشخصية العربية في حياة مارتي وأعماله

استلهم خوسيه مارتي الشخصية العربية في أشعاره وكتاباته ومسرحياته، ليدلل بذلك على الدور والأثر الكبير الذي لعبه العرب والمسلمون في تكوين شخصيته. حتى أن أول أعماله المسرحية كانت المسرحية الشعرية «عبد الله» التي تحكي قصة بطل عربي يشارك الشعب الكوبي نضاله ضد المستعمر الإسباني. كما جاءت مسرحية إسماعيل الصغير لتؤكد نفس المعنى. فقد كان مبهورًا بقصة نبي الله إسماعيل للدرجة التي جعلته ينادي ابنه الصغير بذلك الاسم. ليس هذا فحسب بل عجت أعماله بشخصيات عربية مثل أحمد عرابي والأمير عبد القادر الجزائري، وكان مبهورًا بمصر والحديث عنها.

و لم يفوته أن يقدم نصيحة مخلصة للإنسان العربي البسيط محذرًا إياه من خوض غمار الحياة معتمدًا فقط على رصيده من الابتهالات والدعوات والصلوات فيقول: «إن من يقتصر على الابتهال إلى الله من أجل مواجهة أي طارئ إنما يدين نفسه بعدم القدرة على الاستيعاب». وفي وصفه للحالة المصرية مع المستعمر الإنجليزي يقول: «غرس المهماز البريطاني في خاصرة الحصان المصري، ولم يعد بد من مواجهة بين القرآن ودفتر الحسابات، إن ابن الصحراء الكريم يعض على السياط ويكسر يد الأناني ابن القارة العجوز».

خاتمة

إن المتأمل في تاريخ الشعوب اللاتينية والتاريخ الكوبي بصفة خاصة يجد ثمة ارتباط بينه وبين تاريخ مسلمي الأندلس وكذا تاريخ الشعوب العربية في الشمال الأفريقي. فجميعهم عانى نفس الألم وناضل وجاهد نفس المحتل. وجاء خوسيه مارتي ليؤكد ذلك الارتباط إذ حرص في معظم أعماله على استحضار الشخصية العربية التي وجدها دائمًا شخصية ملهمة وأبية لا تستسلم للباطل، وأنها شخصية نبيلة وإيجابية تستحق أن تقود العالم.

هكذا رأى مارتي العرب قبل قرن وربع من الزمان في أوقات وظروف لا تختلف كثيرًا عن تلك التي نعيشها الآن، فكيف ننظر نحن لأنفسنا هذه الأيام؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

The legend of Hatuey, from the history of Cuba
History of Cuba, time table
Carlos Manuel de Cespedes. Wikipedia
Jose Marti. Wikipedia
حرب الأعوام العشرة: موسوعة المورد، منير البعلبكي
تاريخ القراءة، ألبرتو مانجويل
ثيودور روزفلت وسياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية (1901-1909)
الثقافة العربية في أعمال الأديب الكوبي خوسيه مارتي..البيان.
عرض التعليقات
تحميل المزيد