إن هذا الواقع الذي نحاول عيشه تحت تأثير هرمون التأقلم مع كل الأوضاع الإقصائية، قد يكون هو سببا مقنعا يجعلنا نرضى بحالة الخنوع واتباع أفكار لم تخلق لنا، المشكلة التي أجد أنها استفحلت مؤخرا، تكمن في محاولة تكريس فكرة المقاومات الشخصية الوطنية وتقديسها من طرف النظام المركزي، في حين هو نفسه لا يؤمن بهذه المقاومات؛ فتجده كل مرة يبتعد عنها ليدخل في التناقض، في الحقيقة هي مجرد مراوغات للرأي العام الذي غالبا ما كان في وضع المغلوب على أمره في اتباع هذه الأفكار.

لنرى الحياة الاجتماعية للمواطن البسيط قد تعفنت نتيجة لتسييس جل مراحل نموه الفكري في إطار المجتمع، فأصبح من السهل إذكاء صراعات في أوساطه، والكارثة الكبرى هي تلك الطبقة التي تدعى “فئة المثقفين” رغم هيمنتها الواسعة فكريا، إلا أنه من السهل التحكم فيها؛ حيث تحوي داخلها الكثير من العيوب والتناقضات من ناحية الأفكار، في المقابل من الصعب تعرية مركزية الأفكار التي يشوبها الكثير من الغبار والعفن غير الأخلاقي، رغم محاولات التعرف على صفات السلطة المركزية لدينا إلا أنها باءت بالفشل، كونها لا تملك خصوصية معينة يمكن محاربتها انطلاقا منها، وهذا بفعل تلك الفلسفة العاجية المسماة “مقومات الشخصية الوطنية”.

هذه المسلمات التي أخذنا جرعات منها خلال فترات التعليم الرسمي في “مدارسنا” باعتبارها المؤسسة الاجتماعية التي أوجدها المجتمع لتعليم أبنائه تعليما مقصودا موجها يستهدف بناء شخصية في إطار الثقافة الخاصة بكل مجتمع، ليتم من خلالها تمرير فكرة المقاومات الأساسية لشخصية كل مجتمع المتمثلة في “اللغة”و “التاريخ” و”الثقافة” و”الوحدة الترابية” وصولا “للوحدة الإقليمية”، ظنا أن اللغة تربط وحدة الفكر، والتاريخ رغم الزيف الذي يملأ جميع مراحل كتابته سيصنع لنا ضميرا وطنيا موحدا، أما عندما نتطرق إلى الثقافة بتنوعها كإحدى المقاومات فهنا نجد أنها تعفنت حتى أصبحت معرضة للإقصاء فقط من أجل إيجاد ثقافة مشتركة واحدة هي في أصلها قامت على الاستئصال فكيف ننتظر منها أن تكسب أعضاء الجماعة ذلك الشعور بالوحدة التي لا نرى منها في الواقع إلا شعارات خاوية خالية من الشعور الصادق، الذي يمكن أن يعطي بعضا من الأمل، لنتمسك به لبناء المستقبل.

الجزائر كبلد بالرغم من الأغلبية المسلمة يجب أن تحاول بناء مقاومات شخصيتها الوطنية، ليس على أساس عرقي تحت مظلة دينية قومية، بل على أسس أخلاقية في إطار فهم ووعي لثقافة الاختلاف وفكرة الاختلاف الثقافي الوارد في مراحل بناء المجتمعات، إن صناع هذه الفلسفة “العقيمة” حين قاموا بربط الإسلام بوصفه منهجا دينيا وأحد المقومات الشخصية الوطنية بالعروبة في إطار تلك الشعارات التحررية، التي تغنّى بها الكثير ورفعت أيادي الكثير من المناضلين تردد “الإسلام ديننا والعروبة لغتنا والجزائر وطننا”، هو في حد ذاته مثال بسيط عن الإقصائية الفكرية التي عانت ولا تزال تعاني منها الجزائر جيلا بعد جيل.
وهذا ليس حقدا على الإسلام كرسالة جاءت بنورها لنا ولا كُرهنا للغة العربية التي هي بدورها مكتسبا ثقافيا أعطى للشخصية الجزائرية بعدا مهما خلال مراحل تكوين المجتمع الجزائري، إنما الرغبة في التخلص من الأوزار التي تغنت بها الأجيال السابقة على حساب صورة الثقافة الفعلية، ربما تكون محاولة أدلجة الشخصية الجزائرية رغم عدم اكتمالها وفشلها واضحة جدا وجلية في مظاهر تفكير الجيل الحالي الذي يعيش فترة “تيه” هوياتي باحثًا كل مرة عن هوية حاملة لجل مقاوماته، قد يظن الكثير من الأجيال السابقة أنهم أعانونا على فهم ذواتنا، بل بالعكس إن هذا العبث الفكري العفوي أو الممنهج كان بمثابة الهاجس لضياع جيل في صراعات الأفكار، نظرا لدرجات الوعي المتفاوتة على حساب الوعاء الذهني والأخلاقي الذي نحمله نحن البشر.

هذا النوع من هدم المجتمع لذاته بدأ من قهر الفرد لشخصه الذي يدخل في إطار المازوخية العامة التي لا ترتبط ب”الجنس” كما سيظن الكثير حين نتطرق لهذا المصطلح، لكنها تصنف كإحدى حالات السلوك الهادم للذات الذي يهتك تدريجيا بالمجتمع، وهي لما يقوم الشخص به من أمور أو يضع نفسه في مواقف قد يعلم أنها ستعود عليه بالفشل والحرمان والإذلال، ومع ذلك يجد المجتمع متعته وراحته في القيام بهذه الأمور أي أنه يعشق تمثيل دور الضحية والمظلوم والمحروم رغم شكواه وتذمره الظاهري من حاله، من الحالات التي جعلتني أتأكد من حالة المازوخية التي تنخر أفكارنا هي عند ظهور فئة معينة من الأجيال الحالية التي تحاول تقديم يد المساعدة لمجتمعنا لتجد تذمره الدائم بعدم فائدة هذه المساعدة، ليمتثل لفكرة تقديم تضحيات كبيرة وتقبل تدهور الأوضاع المفرط دون أي سبب، إن هذه الحالة من التضحية التي يدّعي المجتمع بكل مقاوماته وتركيباته أنه يقوم بها، هي مجرد صورة رمزية لحالة الحرمان الفكري الثقافي الذي يتوق له رغم أنه يبدي غير ذلك مدعيا أنه يضحي لأسباب أخرى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد