الكولونيالية الثقافية أو الاستعمار الثقافي هو نمط استعماري برز خلال أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. كانت فرنسا الرائدة في هذا المجال على إثر حملة نابليون بونابرت على مصر، لكن بريطانيا هي التي هيمنت على هذا النمط الاستعماري، وصارت رائدة في الاستعمار الثقافي عبر نشر اللغة، وتعميم الثقافة الإنجليزية؛ مما أدى إلى ضرب هوية الدول التي تم استعمارها وقيمها، وذلك عبر إنشاء كتابات ودراسات استشراقية يغلب عليها طابع الاستعلاء، واحتقار ثقافات الشعوب الأخرى.

تختلف طرق الكولونيالية الثقافية وأشكالها، ومن أشهرها الجوسسة والدراسات، ففي مجال الجوسسة يتم تكوين جواسيس متعمقين في دراسة الثقافة المُستعمرة ويتفننون لغتها، أما الأكاديميون فيقومون بضرب تلك الثقافة أو الهوية من خلال كتابات ودراسات تطغى عليها النزعة العرقية، أو ما يسمى بالمركزية الثقافية وعقدة الرجل الأبيض.

أمثلة على ذلك

من أشهر الأمثلة كما ذكرنا في البداية ريادة بريطانيا، وهي أكبر إمبراطورية استعمارية خلال القرون الماضية، وما زالت مستعمراتها تعاني إلى اليوم من جراء سياستها الاستعمارية الثقافية، إما بمناطق شرق آسيا، وإما في الشرق الأوسط، وبعض المناطق في أفريقيا. لدينا مثال الجاسوس البريطاني لورنس العرب «توماس إدوارد لورنس» كان ضمن المخابرات والجيش البريطاني، ومختصًا في الآثار، وعرف بإتقانه اللغة العربية ومجموعة من لهجاتها. اندس لورنس بين قبائل الجزيرة العربية، وادعى الإسلام، وساهم في جمع بعض القبائل لإسقاط الإمبراطورية العثمانية.

أما النمط الثاني فهو الاستشراق، إذ يمكننا أن نذكر العديد ممن عرفوا بالمستشرقين، أمثال جولد تسيهر، ومونتجيمرو واط، وأهمهم برنارد لويس الذي يلقبه إدوارد سعيد بـ«إمام المستشرقين»، فالدراسات التي قام بها لويس ساهمت في العديد من المشاريع الاستعمارية والصراعات في المنطقة.

عندما درس الأوروبيون شعوب المشرق والقارة الأفريقية ومعتقداتهم، لم يتمكنوا من فهمهم بسبب الاختلاف الشاسع بين هذه المناطق، والحضارة الغربية. ومن هذا المنطلق قاموا بتصويرها بأنها مناطق غامضة وغريبة. وكان هذا من الأسباب التي دفعت الأوروبيين إلى الاعتقاد بأنهم متفوقون على المشرق، ووصفوا الشرق على أنه عالم يحتاج إلى التمدن لإنقاذ السكان الذين كانوا كسولين إلى درجة أنهم غير قادرين على حكم أنفسهم. وخير دليل على هذا التعجرف الحضاري هي مقولة السياسي الإنجليزي لورد مكاولي «رف واحد من مكتبة أوروبية أرفع مقامًا من كل أدب الهند والعالم العربي»، ويصور المستعمرون السكان الأصليين بأنهم «أشياء» غير إنسانية أقرب للحيوان من الإنسان، ولهذا كان من الإلزام تمدينهم وتهذيبهم.

لإضفاء نوع من الشرعية للكولونيالية الثقافية؛ قامت مجموعة من العلماء التجريبيين كداروين وإيرناست هيكل بإجراء تجارب علمية تؤكد التفوق العرقي للرجل الأبيض على باقي الشعوب. ولقد ذكر داروين في كتابه «The Descent of Man» بأن العرق المتحضر أي الرجل الأبيض سيقوم بمحو الإنسان الهمجي في كل مكان من العالم. فبالنسبة لداروين الأجناس البشرية مختلفة، وبعض الأجناس متفوقة على الأخرى. وفي كتاب العاقل: تاريخ مختصر للجنس البشري، يقول يوفال نوح هراري: «الاختلاف بين السلالات البشرية، أفضلية العرق الأبيض، ضرورة تهذيب العرق الأسمى والدفاع عنه كانت أفكارًا واسعة الانتشار بين أغلب النخبة الغربية. في أكبر الجامعات الغربية، استعمل العلماء المنهج العلمي المعمول به في ذلك الوقت لكي ينشروا دراسات تزعم بأن أصحاب الجلدة البيضاء كانوا أكثر ذكاءً، وأخلاقًا، وبراعة من الأفارقة والهنود».

ردود الأفعال والأنماط المضادة للكولونيالية الثقافية

ظهرت تيارات عديدة لمجابهة الكولونيالية الثقافية، وكان هذا داخل الوسط البريطاني والأمريكي، وسميت هذه الدراسات بـ«ما بعد الكولونيالية»، يطلق على روادها «ديكولونياليون»، وأبرز مؤسسي هذا التيار هو المفكر الأمريكي من أصول فلسطينية إدوارد سعيد. لقيت أفكاره معارضة كبرى كما لقيت رواجًا كبيرًا بين المفكرين الغربيين حتى أن برنارد لويس قال إن دراسات ما بعد الاستعمارية سيطر عليها أتباع سعيد، وهذا النمط كان ناجحًا في مواجهة هذه الكولونيالية التي تجسد تعصبًا عرقيًّا، وتمثل عقدة الرجل الأبيض تجاه الشعوب الأخرى، وهي ضرب من ضروب تدمير الكونية وتهديمها، وتجل من تجليات الخصوصية.

أما فرانتز فانون، فقد كانت له نظرة ثاقبة في تحليل نفسية الشعوب التي كانت تحت وطأة الاستعمار. فبالنسبة له أصبحت هذه الشعوب معتنقة وجهة النظر العنصرية التي ترددها القوى الإمبريالية. ونتيجة لذلك أصبحت الشعوب المُستعمرة ترى نفسها شعوبًا بدائية وهمجية أقل شأنًا من الرجل الأبيض؛ مما أدى بهم إلى فقد إحساسهم بالذات وبالهوية. وجعلهم هذا لا يرون أنفسهم إلا من خلال أعين جلاديهم. وللتصدي لهذا، اقترح إيمي سيزار وليوبولد سنغور العودة إلى الهوية من خلال مصطلح «الزنجية» الذي يمكن أن يعيد الفخر إلى الأمة السوداء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد