حتى عام 1967، كان العداء لإسرائيل يتصدر خطابات الزعامات العربية، والصحف القومية، وأقلام الكتاب والمعلقين العسكريين في الإذاعات التي تخاطب الجماهير العربية وتحضهم على الحشد والمواجهة والاستعداد لمعركة التحرير. كانت الجماهير يومها تبيت وتصبح قريبة من المذياع؛ لتستمع إلى هدير المعلق المصري المعروف «أحمد سعيد» على موجة صوت العرب من القاهرة، ولا يعرفون للأمة سوى عدو واحد وابن عدوٍ واحدٍ: (الكيان الصهيوني وأمريكا الإمبريالية). وعلى هذا المنوال، سرى الخطاب الرسمي المعلن للقيادات العربية الرافض للصهيونية والإمبريالية منسجمًا مع الفوران الشعبي وأقلام الكتاب والمفكرين التي اجتاحتهم فيضانات المد القومي والوحدة العربية؛ باعتبارها الملاذ الآمن للخلاص من الاستعمار وبعض الأنظمة الرجعية.

وما أن وضعت حرب الخامس من يونيو (حزيران) 1967 أوزارها، وهزيمة «عبد الناصر»، ودخول مصر مرحلة جديدة من التحضير والإعداد لإزالة ما أسمته القيادة المصرية «آثار العدوان»، تخلت القومية الناصرية ضمنيًا وعمليًا عن شعاراتها المعلنة بتحرير فلسطين، وإلقاء الكيان الصهيوني في البحر؛ ليأكله السمك.

سريعًا تأتي حرب الاستنزاف، ثم مقترح وليام روجر، وصولًا إلى حرب أكتوبر المجيدة التي كانت بحق كما كشفت الكثير من الكتب والمراجع والدراسات التوطئة الحقيقية لمعاهدة «كامب ديفيد» بين الكيان الصهيوني ومصر.

وبتوقيع مصر اتفاقية السلام مع الكيان، ولحاق منظمة التحرير الفلسطينية متأخرة، واكتمال العقد بتوقيع الأردن اتفاقية «وادي عربة»؛ بدأت حدة العداء السياسي والتاريخي للعدو الصهيوني تتلاشى رويدًا رويدًا حتى أصبحت جميع الأنظمة العربية تهرول لاسترضائه، والتطبيع معه، وإقامة علاقات اقتصادية وسياسية واستخبارية مع الكيان ومؤسساته. بعد هذا العرض التاريخي ومشاهد التحول الدراماتيكي في قواعد الاشتباك، يجوز لنا أن نطرح السؤال التالي: هل أصبحت بعض القيادات العربية والفلسطينية تعيش حالة من الاستعمار الثقافي الداخلي أم أن هذا الانقلاب الخطير في الساحة العربية نتيجة حتمية للتغيرات الجذرية التي مر بها الإقليم عقب حرب يونيو 1967؟ لماذا أصبح للصهاينة أقلام ومنظرون ينادون في وضح النهار للتطبيع معه وقبوله في الحظيرة العربية؟ لماذا لا تؤمن الكثير من القيادات والشخصيات السياسية والفكرية العربية بقدراتها وطاقاتها الهائلة وترى أن فكرة إسقاط المشروع الصهيوني أو على أقل تقدير هزيمته ميدانيًا وسياسيًا ضربًا من الخيال والعبث؟ لماذا أصبحنا نستحقر جميع العمليات المسلحة التي تستهدف الاحتلال وجيشه ومغتصبيه في فلسطين ونكيل لها الاتهامات ونمعن في تسخيفها والاستهزاء بها؟

في هذا المقال سنقوم بتفكيك جذور الأزمة التي تئن من هولها المجتمعات العربية اليوم، محاولين وضع تعريف نظري لمفهوم «الاستعمار الثقافي»، ومن ثم تناول أثر البناء العضوي للجماعة السياسية على هذا المفهوم، بعدها ننطلق إلى دور الغلاف الحيوي في تجذير الاستعمار الثقافي، وأخيرًا نعرج على أهمية الاستعداد الشعبي والرسمي لمواجهة هذه الآفة الخطيرة؛ لرفع مستوى الجهوزية والتعبئة النفسية والمادية والروحانية، والله تعالى الموفق.

الاستعمار الثقافي بين الجوهر والمفهوم

يمكن تعريف الاستعمار الثقافي بأنه: «حالة من الخروج على المألوف في الثقافة السياسية، وتسلل مجموعة من المعتقدات والتصورات إلى ذهن القائد، أو الحزب، أو المنظمة، أو الجماعة السياسية، تتنافى كليًا أو جزئيًا مع الإطار السياسي العام الواقع تحت الممارسة والتطبيق». وهنا يشعر المُستعمَر ثقافيًا بأن الأسلوب المتبع في مواجهة الأعداء أو الترويج لفكرة معينة غير مجدٍ، ومن الضروري البحث عن طرق جديدة قبل فوات الأوان. وغالبًا ما تنتهي هذه الحالة من الرفض للنمط المألوف بتفكك الحزب السياسي، أو الجماعة، أو الانفضاض من حول القائد باعتباره شخصًا لم يعد يتناسب مع طبيعة المرحلة. وفي تجارب أخرى تقود حالات الاستعمار الثقافي إلى الصدام المسلح، واندلاع صراعات مجتمعية قد تنتهي في بعض الأحيان بحرب أهلية طاحنة تفتك بالأخضر واليابس.

فما أن وقعت مصر اتفاقية «كامب ديفيد» حتى سارعت الدول العربية إلى مقاطعتها ورفضها، ونقل مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس، واندلاع صدام مسلح بينها وبين بعض الدول والكيانات العربية المحيطة؛ سيما منظمة التحرير الفلسطينية، قبل أن ينساق الجميع إلى المربع الذي تصوره «السادات» لجميع الدول العربية لتسوية الصراع مع إسرائيل.

البناء العضوي وأثره على الاستعمار الثقافي

قد يكون للمنشأ الرئيسي لحالة الاستعمار الثقافي بواعث ومحفزات عضوية داخلية مثل: (موت القائد النموذج، وعدم قدرة أي شخصية في الحزب أو التيار السياسي خلافته، أو القيام بالمهام التي كان يقوم بها، وقد يبرز الاستعمار الثقافي نتيجة لعدم ثقة أعضاء الحزب أو الجماعة بشخصية أو فكر القائد وشكهم في إمكانية نجاحه في تحقيق الأهداف المطلوبة بأسلوبه التقليدي المتبع. وتعتبر درجة الانتماء التنظيمي عاملًا مهمًا في حماية الجماعة السياسية من التآكل والتشرذم والدخول في أتون صراع الرفض والمقاومة للقيم السياسية السائدة والنزوع نحو توجهات بديلة قد تكون في بعض الأحوال على النقيض تمامًا من العرف السياسي القائم، وكثيرًا ما تنشب أزمة الاستعمار الثقافي؛ نتيجة لشعور أبناء الحزب بهيمنة القائد أو مجموعة قليلة من المتنفذين حوله، واستئثارهم بجميع المزايا، وغياب الديموقراطية والشفافية في بناء وتركيب الهيكل التنظيمي للكيان السياسي القائم؛ الأمر الذي يدفع أعضاء الجماعة إلى اعتناق مبادئ وتوجهات سياسية جديدة والتخلي عن ولائهم الفكري والأيدولوجي. لقد أثبتت التجربة العربية والفلسطينية القريبة أن البحث عن المصالح الحزبية والشخصية، وفشل خطط المواجهة، ووصول زعامات ذات صلة مباشرة بالقوى الغربية والولايات المتحدة كان لها دورٌ كبيرٌ في تفشي ظاهرة المثقف المستعمر والمستعد للتنازل عن كل شيء من أجل لا شيء.

الغلاف الحيوي ودوره في تعزيز الاستعمار الثقافي

لا تقف أسباب ومحركات الاستعمار الثقافي عند طبيعة البناء العضوي للجماعة السياسية، وإنما هنالك عوامل ذات صلة مباشرة بالمحيط الحيوي الذي يعمل فيه الحزب والجماعة السياسية. فطبيعة النظام السياسي، ودرجة انفتاحه على الحياة السياسية والحريات العامة تلعب دورًا مهمًا في توجيه سلوك الجماعة السياسية، وكذلك مدى موافقة العقيدة الأيدولوجية للجماعة السياسية لطبيعة الفلسفة التنظيمية التي تسير عليها الدول المجاورة التي تربطها علاقات متبادلة وتواصل مشترك مع الجماعة السياسية.

الاستعمار الثقافي ودرجة الاستعداد

يلعب الاستعداد المادي والنفسي والروحاني دورًا حاسمًا في توجيه ميزان المفاصلة، والقدرة على امتصاص التغيرات والتحولات الاستراتيجية والطارئة على المستوى المحلي والدولي. فالاستقرار السياسي، وثبات النسق الأيدولوجي، وتبني خطط إصلاح رشيدة، والإيمان بحق الشعوب والجماعات في التنمية والتقدم، كلها عوامل تحول دون انجراف الأفراد والجماعات نحو الخارج والانخراط في تيارات ثقافية لا تنسجم مع النمط الثقافي السائد. وفي سياق الاستعداد المفترض للجماعة السياسية لا بد أن تتمتع هذه الجماعة بنصيب وافر من الثقة بالنفس، وبجميع القدرات والإمكانيات المتاحة والعمل على تطوير رصيدها الفني والفكري. كما أن الحوار المشترك بين أبناء الجماعة يساهم بشكل كبير فى رفع درجة الجهوزية والتنبؤ بالمتغيرات المستقبلية، ويساعد أيضًا في اتخاذ القرارات السليمة. وفق هذا الطرح السياسي والاستراتيجي يتبين لنا أن الكثير من الأخطاء والمنزلقات التي آلت إليها الأنظمة العربية وحركات التحرر الوطني على السواء كان مردها الأساسي غياب الاستعداد أو على أقل تقدير بطء التحضير للمتغيرات السياسية؛ وبالتالي عدم القدرة على استيعابها أو استثمارها.

صريف الأقلام أم دوي المدافع

إذا أردت أن تهيمن على أمة من الأمم، أو شعب من الشعوب، عليك أولًا أن ترى في المرآة قدرتك على استعمار ثقافته ومصادرة هويته وإلحاق الهزيمة بنفسيته، فإذا تكللت هذه المحاولات بالنجاح، واستطعت الإمساك بعقول السياسيين وأقلام المفكرين؛ فمن السهل عليك بعد ذلك ترويضهم وتدجينهم إن شئت. ليس هذا على سبيل المبالغة؛ فما يجري في واقعنا اليوم من ولاء للصهاينة والمسير في الفلك الأمريكي، والبراء من حركات المقاومة والفكر المناهض للاستعمار، سبقته جولات من الاستعمار الثقافي علا فيها صريف أقلام الغزاة على دوي مدافعهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد