تحدث الشاعر الراحل محمود درويش في قصيدته العظيمة: (خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض)، مصورا تلك الخطبة التي ألقاها الزعيم سياتل زعيم قبائل الدواميش عام 1854 حين ساومه الأمريكيون علي بيع أراض قبائله مقابل السلام.

 

وقد صور درويش في قصيدته مبدأ الأرض مقابل السلام من وجهة نظر يرمي فيها إلي مقارنة أزمة فلسطين والصراع الفلسطيني الإسرائيلي بأزمة الهنود الحمر أو السكان الأصليين لقارة أمريكا الشمالية في ذاك الوقت.

 

وإذا تأملنا معاني القصيدة ومفاهيمها وجدنا أنها تمثل فكرة صراع المحتل الفاتح من أجل إقامة مشروعه التقدمي على أرض ما مع منطق أصحاب الأرض الأصليين. وأوجه الشبه الحقيقي بين الحالتين (فلسطين وأرض القارة الجديدة) هي في الحقيقة شديدة التعقيد؛ لأن كلا من المحتلين الاثنين يطالبان بنوع من الحق المشروع من وجهة نظر المحتل في إقامة عالمه الجديد في أمريكا، حق اكتشاف الأرض الجديدة واستعمارها، وفي فلسطين حق الأرض الموعود بها بنو إسرائيل، وتشابه كل من الشعبين في تحمل عذاب وويلات الاحتلال والاضطهاد لسنوات طويلة دون حل جذري أو أمل حقيقي في سلام عادل وشامل لمستقبل الشعب المحتل.

مقطع من القصيدة :

لَنا ما لنا… وَلَنا ما لَكُم منْ سَماءْ

لكُمْ ما لكُمْ… ولكُمْ ما لَنَا من هواءٍ وماءْ

لَنا ما لنا منْ حَصًى… ولكم ما لكمْ منْ حَديدْ

تَعالَ لِنَقْتَسِمَ الضّوْءَ في قُوّةِ الظِّلّ، خُذْ ما تُريدْ

منْ اللّيْل، واترُكْ لنا نَجْمتيْن لندْفنَ أَمْواتنا في الْفَلكْ

وخُذْ ما تُريدُ من الْبَحْر، واتْرُكْ لنا مَوْجتَيْنِ لصَيْدِ السّمكْ

وخُذْ ذَهَب الأرْض والشّمْس، واتْرُكْ لنا أرْض أسْمائِنا

وَعُدْ، يا غَريبُ، إلى الأهْلِ… وابْحثْ عَن الْهِنْدِ

 

 

لا شك إن الأدب العربي الروائي والشعري في النصف الثاني من القرن العشرين، والذي هو على حد تعبير مريد البرغوثي أطول من نصفه الأول بكثير، لا شك أن هذا الأدب الذي حمل روح صراعات الشرق الأوسط والشعوب العربية ونتج عن مشاكل البلاد العربية ما بعد اﻷزمة الفلسطينية، وخلال الصراع العربي الإسرائيلي هو الذي أصبح مكونا أساسيا في ثقافتنا وأدوات المعرفة الخاصة بنا، كأبناء هذه المنطقة المليئة بالصراعات دوما.

فكرة الصراع الدائم هي التي نتج عنها مكون ثقافي خاص، لم تتشابه ظروفه مع أي مكون آخر نتج من ظروف أخري. هذا المكون الذي أصبح ظهوره حتميا في مفردات اللغة وأدبيات العمل السياسي والاجتماعي في بعض الدول العربية التي كان لها دور مباشر في هذا الصراع (مصر – سوريا – فلسطين – لبنان – الأردن).

هذا المكون الثقافي خلق في ذاكرتنا وعيا وتعريفا وفهما مشترك لمجموعة من المفاهيم، لولاه ما كنا عرفنا أن الاحتلال احتلال، وأن المقاومة مقاومة، نحن أبناء الشعوب العربية، حيث أصبح جزء لا يتجزأ من ثقافتنا أن هناك أشياء لا تشتري كما قال أمل دنقل أو أن هناك صراع على البقاء في مديح الظل العالي كما قال محمود درويش، أو أن النكسة نكسة، وأن المقاومة مقاومة، وأن النصر نصر، وأن الثورة ثورة. ما كنا فهمنا السيرة الذاتية للسياف العربي كما رواها نزار قباني. ما كنا فهمنا المقاومة كما علمنا سميح القاسم. ما كنا عرفنا حظيرة الخنازير التي وصفها مظفر نواب. ما كنا تعلمنا أسس الحرية على يدي ممدوح عدوان ودفاعه عن الجنون. ما كنا عرفنا الدرس اﻷكبر من غسان كنفاني. ما كنا عرفنا أن الوطن هو أن لا يحدث هذا كله.

 

إن فكرة الثقافة في الوطن العربي (ولا أعني هنا الوطن العربي بمنطق ومفاهيم القومية العربية) وربما نقول في الشعوب التي تتحدث باللغة العربية، والتي ربطتها علاقات جغرافية وسياسية وعلاقات متغيرة أخرى تشعبت لتشمل تلك المجموعة من البلاد في معظم الأوقات، مما يجعلها تتشارك في المصير والظروف والأحوال في معظم الأحيان.

الثقافة في البلاد العربية، ويتبعها تكوين المثقف، هو تكوين مرسوم بدقة داخل إطارات متعددة من الصراع. لقد تحولت، ولا أقول تطورت أو تدهورت، شخصية المثقف العربي وبنيته الثقافية مع تحول دفة الصراعات في المنطقة باستمرار.

بداية من الصراع ضد الاحتلال في مصر ثم سوريا ثم استقلال لبنان، وصراعات النصف الثاني من القرن العشرين في ثورة الجزائر وغيرها, وبالطبع الصراع الأعظم اللذي هو درة تاج الصراعات الشرق الأوسطية على الإطلاق, القضية الفلسطينية وامتدادها إلى صراع عربي إسرائيلي، من الممكن رصد التغيرات والتكوينات عبر السنين المختلفة و العقود الممتدة من خلال متابعة الأدب الذي كتب في مختلف الفترات، قصائد الجواهري في العراق، أشعار نزار قباني في سوريا ولبنان، أحمد مطر، مظفر النواب، عبد الله البردوني في اليمن، ممدوح عدوان في سوريا، أمل دنقل في مصر وغيرهم.

ومن هؤلاء الأدباء من توجه لتدويل قضيته الوطنية والإنسانية من خلال عمله الأدبي والشعري مثل محمود درويش.

وأرى أن محصلة كل تلك الصراعات قد فرضت على الشعوب العربية، وعلى المثقف العربي تحديدا أن ينحو نحو المثقف الرافض أو المثقف المتمرد، لعقود طويلة صبغت الصراعات العربية وصاغت شكل المثقف العربي، بل فرضت عليه قالبا لا يمكن تجنبه أبدا، وإلا كان شاذا عن القاعدة، وإذا ظهر شاعر أو كاتب في الوطن العربي لابد وأن يتم سؤاله عن موقفه من الصراعات. وفي أحيان كثيرة حاول كتاب ومثقفون عرب أن يقحموا نزعة الرفض أو نزعة الصراع في أدبهم من باب مغازلة المناخ الثقافي العام.

لذلك كان كتالوج المثقف العربي هو الكتالوج اليساري القومي الذي فرضته الظروف على مناخ الثقافة العام عبر عدة عقود عشناها في النصف الثاني من القرن العشرين، وحتى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. هذا الكتالوج جعل من المثقف العربي اليساري القومي هو نموذج المثقف اللذي يجب أن نحذو حذوه، وبالتالي كل ما عدا ذلك كان من المنكرات.

 

كان من الغريب أن يظهر شاعر أو أديب، ولا يدخل ـ عن قصد أو غير قصد ـ تحت عباءة المثقف أو المبدع المناضل، وبقينا بداخل تلك الحلقة المغلقة في كل ظهور جديد لكل قلم جديد. كان منهم الصادقون ومنهم المتملقون لفكرة ومفهوم النضال، كان منهم من ناضل حقا، ومنهم من ادعى النضال، ومنهم من سار في الدرب مع السائرين.

 

في نهاية سبيعنات القرن العشرين، وبعد اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية تغير شكل المثقف النضالي، وظهرت نماذج أخرى، أو كتالوجات أخرى، ولم تكن كثيرة. ظهر المثقف الموضوعي المؤيد للسلام وصاحب النزعة التقدمية. حورب هذا التمحور من مثقفي اليسار القومي بشدة. بل تم اعتباره مثقفا يمينيا مواليا للسلطة. وأصبح السياق العام الذي يحكم شخصية المثقف التقليدي هو موقفه من التطبيع، بل وتم اعتبار المثقفين هم فقط أبناء اليسار القومي، والذي ليس لديهم عنه بديلا.

ثم ظهر المثقف الإسلامي مع تحول الخطاب النضالي للقضية الفلسطينية من خطاب حقوقي إلي خطاب ديني، أصبح الخطاب المناضل في سبيل القضية الفلسطينية بعيدا كل البعد عن حق العودة وتحرير الأرض المحتلة، واتجه إلى خطاب تحرير المسجد الأقصى، وسميت الانتفاضة الكبرى بانتفاضة الأقصى. وتغيرت دفة القيم النضالية واتخذت صيغة الخطاب الإسلامي. وأصبح الخطاب اليساري في مقابل الخطاب الإسلامي نقيضين، يتخاصمان في أغلب الأوقات، ويتنازعان على حق النضال، وحق وشرعية الحديث باسم الوطن (رغما عن اختلاف مفهوم الوطن عند كل منهما) ومقابل هذا وذاك سمي ما هو غيرهما بمثقف السلطة.

 

إلى أن جاء عام 2011 وسمي بالربيع العربي، واختفى فيه دور المثقف التقليدي، سواء الأكاديمي أو اليساري أو الإسلامي أو حتي مثقف السلطة كما سموه. في مصر رأيت ميدان التحرير، وهو مليئ بالشباب، والذي كان أكثرهم لا يعرف شيئا عن المثقف ولا الثقافة ولا الخطاب النضالي لدي أي اتجاه أو تيار من التيارات. ظهر في المشهد بطل جديد. إنه البطل الثائر، ربما لا يعرف الكثير من تاريخ التكوين الثقافي للحركات السياسية في بلاده والبلاد المحيطة. ربما لا يعرف شيئا عن النظم السياسية والدساتير. ربما، بل مؤكد أنه لا يعرف أي شيء إطلاقا عن الاتفاقات الدولية والمعاهدات وآليات العمل السياسي والعمل الحزبي والعمل الحقوقي. وقطعا لا يعرف محمود درويش أو أمل دنقل أو مهدي الجواهري، وربما، لم يقرأ الشعر أو الأدب على الإطلاق.

 

كم شابا وشابة في الميدان قرأوا لغسان كنفاني أو لممدوح عدوان؟ ربما لا أحد!

 

ومن هنا ذهبت إلى تتبع بعض مشاكل جيلنا والأجيال التي تلته, لقد كان علي جيلنا أن يبحث وحده عن طريقه، جيلنا الذي يتعرض ﻷعنف موجات اانتقاد لم يحظ يوما بحظ منتقديه، لم يكن لنا أبدا قدوة أو مثل أعلى كما كان لهم، أجدادنا من جيل الأربعينات، وآباؤنا من جيل الستينات كان لديهم حظ من القدوة والمثل اﻷعلى يلومون علينا افتقادنا له، ولسنا بملومين.

إننا نشأنا في جيل مليئ بصراعاته وتحولاته في عالم ما بعد الحداثة، وانهارت أمامنا كل القيم التي تبني نظرية المثقف التقليدي التي اعتدنا عليها، وانهيارهم أدى إلى سقوط مثلهم وصراعاتهم. حين تمت دعوتهم إلى دخول ساحة الحق لانوا عند الصدام، وقالوا: ما بنا طاقة لامتشاق الحسام. لذلك فنحن جيل  لم يقدنا أحد، فبحثنا عن الطريق بأنفسنا. تحملنا بأنفسنا عناء البحث والترحال والمضي قدما في صنع أحلامنا بإرادتنا العبثية، لم نجد يوما قدوة أو مرشدا، كما كان لهم، ومع ذلك كان علينا أن نصمد في الطريق وحدنا بلا ساعد ولا عون، كان علينا أن نصمد حتى النهاية، نهايتنا.

 

سيظل جيلنا في أفكاره وأعماله وفنونه يعكس هذا التشتت والتألم في مجاهل الطرق واﻷسبلة، ميزتنا الكبرى أننا مختلفون، كما هو أيضا أكبر عيوبنا، وإن أردنا أن نجنب أجيالنا القادمة ما عانيناه، وجب علينا أن نترك لهم منا القدوة والدليل والطريق، لكن صراعنا في الطريق لا ينتهي، والصمود لا يترك لنا ما نجعله إرثا لمن بعدنا. سيكون عليهم الاستمرار والصمود، سيكون عليهم أن يكونوا هم وليسوا نحن.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد