ابتداءً

لعل عنوانَ مقالتي يُثِيرُ حفيظتكَ بمقدار، ولعلكَ تأسفُ لعنونتي الفكرة بهذا العنوان، ولكن صدقني ما وجدتُ مُعبِرًا عن الموضوعِ ومُصوِرًا لكاريثيتهِ وماسًّا بحساسيتهِ سوى هذا العنوان!

نتوهمُ كثيرًا أن الدورانَ في فلكِ التبعيةِ لا يكونُ إلا فيما يمسُ التحركاتِ العسكريةِ فحسب، ولكن التبعية الفكرية والثقافية أقسى وأمّر!

وهو ما نطرحُهُ هنا، لنُتعرضَ فيه لمظهرٍ أساس من مظاهر الهوية وهي «اللغة» وعلاقتها بالهوية.

وفلسفتي في اختيارِ العنوان أنه مع تخلي أبناء أي أمة – أيًّا كانت – عن عناصرِ تكوينهم وماهيتهم يتعرونَ بدونِ قصدٍ – أو بقصد – أحيانًا! من كلِ ما يكسوهم ويُزينُهم من فنٍ وثقافةٍ ولغةٍ وعلمٍ ودين، لا يستنكِرُ محيطهم عليهم تلك الأفاعيل بحضارتهم وتاريخهم وهويتهم، وبذلك لا يُخدش حياءهُم، ففكرتُ وانتقيتُ عُنُوانًا يتناسبُ مع حجمِ الإشكال. فكان ذاك!

ثانيًا

لَمّا لمستُ ضعفًا في الأدبِ ما بعد تراث إمامي الشعرِ والنثرِ البارودي ومحمد عبده، فضًلا عن تراث الرافعي، تصبرت.

ولما خبِرتُ ركاكةً وانحدارًا في مستوى العمل الصحفي تجاوزتُ وفتشتُ عن الثمينِ فيهما دون الغثِ، واكتفيت!

رغم أن الانتكاس في مستوى  كل منهما ليس هينًا فالثقافة والأدب من مكونات الهوية لأي أمة!

ولكني تغاضيت، وكانت حُجتي في ذلكَ أن التطور والانتكاس طبيعة التجارِب والمجتمعات البشرية.

إضافةً إلى ما قيل عن أنه في الأبناءِ خلف من الأباء، وأن في الباقي عزاءً عن الفاني.

فكنتُ أترقبُ علّني أشهدُ بعثًا جديدًا للهويةِ الجاثمةِ في مرقدها بعدما قبرناها،

ولمّا لاحظتُ تقويضَ أبنائها لأركانها الأخرى لتُطمس دون أملٍ في بعثٍ قريب، تساءلتُ مُتعجِبًا، أين الخلّفُ الذي يزعمون، والباقي الذي يظنون؟!

استُفزَ قلمي ليكونَ شاهدًا يُدوّنَ عثرات الجيل الجديد وسقطاته وزلاته، وليست لي وصايةً عليهم، ولكنها أداتي التي أمتلك وتلك النوافذ الالكترونية منصتي وبهما أُحاولُ فيمن لا يزالُ به دمُ ينبِضُ ويحنُ إلى سمو ذاته من جديد وعراقة أصلهِ ورفعة أمته ورُقيها، لافتًا الأنظار بكلماته التي يخُطُها وصرخاته التي يُطلِقُها إزاءَ تلك المسألة علّها تجدُ صداها في أنحاءِ نفسه، وتشغلُ حيزًا بذهنه.

تُعّدُ الهوية من أعقد مسائل البحث لطبيعتها المركبة، وتشعبِ عناصرها وتداخلها، ما يحتاجُ لتأصيلِ مُنظّم نتناولُ من خلالهِ الأمر.

مثال تمهيدي

هنا على سبيلِ المثال لا الحصر، موقفينِ تمهيديينِ يُعززانِ المسألة.

  • أذكُرُ في أغسطس الماضي كنتُ في مُقابلةٍ ما وخلال انتظاري اكتمال الحضور لبدء المقابلة، تبادلت إحدى الزميلات أطراف الحديث مع زميلتها لتسألها عن شيءٍ ما لا أذكره.

لتُجيبَ الأخرى: «مش عارفه I don’t»!

أيُ لُغّةٍ تلك؟!

إن كانت الهوية لا تعني لأحدِهم شيئًا ولا بأسَ بقبرِها، فعلى الأقل من منطق «الشكل العام» أي لتكن لغة الجملة واحدة متناسقة، فإما إنجليزية صحيحة، أو عربية صحيحة، لتكونَ لغةً تُفهم!

لا هذا التداخل والخلط بين اللغات في الجملة الواحدة.

  • في سبتمبر الجاري حضرتُ حفًلا ختاميًا لمشروع تدريب تُنظِمهُ إحدى التجارب الصحفية الوليدة بالقاهرة لطلاب الجامعات المهتمين بالعمل الصحفي والدارسين له بهدف صناعة كوادر صحفية مؤهلة لسوق العمل بامتياز.

وبينما نحن جلوس، لاحظنا أمامنا أحد الصحفيين جاء لتغطية الحفل، يردُ على هاتفه.

«أيوة how are you?» ثم أكملَ حواره بالعربية مرة أخرى.

ظاهرًا، قد يبدو الأمرُ بسيطًا لا يستدعي السرد وليس نموذجًا قويًا للتدليل، لكنهُ في الواقع جدُ خطير، أو مؤسف على أيةِ حال!

ويتكرر يوميًا بحالاتٍ مُشابهة، ما آسفني سوى أمرين: أولُهما أن السلوك لم يصدر عن أحد العامة، بل ممن يُناطُ بهم تشكيل الوعي الجماهيري وتبني خطاب يحفظ للهوية مكانتها وخصوصيتها.

والثاني، هي تلك اللغة الهجين التي يتحدثُها العامة اليوم!

كلمة عربية وأخرى إنجليزية، ولا بأس من ثالِثةٍ فرنسية في الجملة الواحدة، وهكذا دواليك.

ما يطمِسُ رُكنًّا رئيسًا من أركانِ الهوية وهي «اللغة» فاللغة تموتُ حينما يعزُفُ أبنائها عن التحدُثِ بها.

لنُؤصِل الأمرَ إذًا!

ما الهوية؟!

في اصطلاحِ أهل اللغة أنها ما يكونُ الأمرُ عليه هو هو، أي أصلُ الأمرِ وحقيقته.

وفي اصطلاحِ رواد الفكر، يُعرِفُها د: طارق سويدان مثًلا بأنها السمات والقيم التي تُميز الفرد أو المجموعة وتصبِغ السلوك.

مم تتشكل الهُوية؟

جناحانِ تُحلِق بهما الهُوية، عناصر بمجموعها وتركيبها، ومظاهر نلمسُها ونراها على الشخص فتظهر منها هويته.

أما العناصر فهي: اللغة، العِرق، الحضارة، التاريخ…

وأما المظاهر فمثًلا: الملابس، الفن، الأدب، الشِعر، العادات.

الخلل في أيهما يُفقِد الإنسان هويته «العناصر أم المظاهر»؟

حسنًا، لنتفق أن الخلل في المظاهر لا إشكالَ فيه ولا يُلغي الهوية، لكنَ الخلل في العناصر يمسها بصورة مباشرة ويُلغيها.

فمثًلا، حبي للفن الأمريكي لا يعني أن هويتي قد مُسّت، أو قراءتي للأدب الإنجليزي، أو تفضيلي المأكولات الأمريكية عن المصرية، كل هذا لا يتعارض مع الهوية.

بينما مثًلا التعامل اليومي بغير اللغة الأم – كونها من عناصر الهُوية – يمسها بصورة كاملة!

خطورة التحدي اللغوي

تكمن بشكل كبير في أن المجموعة تنسلِخُ من هويتها وهي لا تدري؛ ما يُنتج ظاهرة موت اللغات؛ فاللغات القوية الآكلة تبتلع اللغات الضعيفة التي لا يتحدثُها أبناؤها، ولعل هذا يظهرُ جليًا في إحصائية عدد اللغات في العالم التي تصل – باختلاف عدد اللغات واللهجات – إلى 7000 لغة، ومع ذلك نصف العالم أو أكثر يتحدث 8 لغات فقط!

أمثلة للانسحاق اللغوي وظاهرة موت اللغات

إفريقيا مثًلا مُقسمة إلى ثلاث مناطق رئيسية:

  • دول الفرانكوفون: وهي الدول التي احتلتها فرنسا سابقًا ولها ببعضها قواعد عسكرية إلى الآن، وتتعامل بالفرانك الفرنسي، وتتكلم الفرنسية كلغة أولى.
  • دول الأنجلوفون: الدول التي احتلتها بريطانيا سابقًا، وأيضًا لم تستقل عنها لغويًا فتتحدث الإنجليزية كلغة أولى.
  • دول اللوزوفون: مجموعة الدول التي احتلتها البرتغال قديمًا وتتحدث البرتغالية كلغة أولى، وتشمل عدة دول أبرزها أنجولا، و موزمبيق.

أما في الدول العربية، التي احتُل بعضها عسكريًا واستقلت لاحقًا، لم تتخلص من القيود الفكرية والثقافية وحنّت لمنتجات الآخر الأجنبي خاصًة الفكرية والثقافية منها كالتعامل بلغة أخرى في غير ميادينها الطبيعية كتعلم لغة جديدة، أو استعمالها في الإنتاج العلمي، أو تواصل مع الآخر، أو ما شابه من الاحتياجات للغة الأجنبية.

هل اللغة جامدة ثابتة نتحدثها كما هي أم هناك مرونة في استعمالها؟

لا شك أن الهوية بعموم مرنة تتغير وتتطور؛ فمثًلا بما أننا نتناولُ اللغة، فلا بأس مثًلا من استعمال كلمات تُحاكي واقعنا ويتفق عليها العموم، حتى وإن كانت غير عربية!

ودعني هنا أستدعي بعض الكلمات للتدليل، كلمة «تليفزيون» ليست عربية، وحين اتفق مجمع اللغة العربية على تعريبها أطلقوا عليها «الرائي»!

لا أظنُ أحدًا منا يُطلِقُها على جهازه، وكذا كلمة «إنترنت».

من الصعب تسميتها حاليًا الشبكة العنكبوتية.

وغيرها من الكلمات، إذًا من الممكن أن تبني كلمات غير عربية طالما تعارفَ عليها العموم.

ولكن الإشكال في الاعتقاد بأن التعامل اليومي أو الخلط في لغة الجملة الواحدة يجعلُ منا «أشخاصًا أكثر تحضرًا» فهو مساس مباشر بعنصر وركن أساس من أركان الهوية.

الفكرة بداية خصومة مع اللغات؟

بالطبعِ لا! بل أحثُ على تعلم اللغات وإتقانها وخلق بيئة تعلم موازية للمسارات الأكاديمية في تعليم اللغات لضمان استفادة أكثر نفعًا.

ولكن دعوة لاحترام هويتنا ولغتنا، فهي انعكاس لاحترام ذواتنا.

والتخلي عن عناصر الهُوية بعموم، تمامًا كالتعري من كل ما يكسو الإنسان، وتقبُل المجتمع ذلك كمن لا تسوؤه تلك الأفعال ولا تخدِشُ حياءه، فيكونُ توصيف تلك الحالة مزريًا لا قسوةَ فيه إن أُطلِق!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد