التنوع والألفة، التنوع يشمل جمعًا من الاختلاف، ثم تأتي الألفة لتصنع الإبداع بمزجها هذا التنوع، فتصنع منه موردًا عبقريًّا للشعوب العظيمة، وإن أعظم الأوطان وطن خصب لهذا الإبداع، وفي مصر الموصوفة على لسان النبي يوسف بالآمنة كما أخبرنا القرآن نموذج رائع لاحتواء عبقريته، وربما مهد لهذا الاحتواء فكر كفكر العزيز الذي اهتدى لإكرامه صغيرًا.

فهل يصبح التنوع الثقافي مهدًا للعبقرية؟ يمكننا أن نجزم بهذا إن توفرت بيئة إنسانية كريمة، وقد قال الله تعالى «ولقد كرمنا بني آدم».

بالنظر إلى نموذج تنوع ثقافي عبقري، في نظري ليس مصريًّا فقط، ولا عربيًّا فقط، بل إنسانيًّا تاريخيًّا، وهو نموذج أمير الشعراء أحمد شوقي، وفي الحقيقة إن كلمة أمير الشعراء بأبعاد السلطان، وهو هنا سلطان القلوب مكامن الأرواح، أيضًا الشعراء بأبعادها النفسية، وشمولها لكل ما يشجي من عذوبة ونغمة فطرية تبلغ أسراب الطيور في عليائها، هذه المعاني شئت أم أبيت تأخذك لساحة العبقرية العالمية.

بالنظر إلى جذور أمير الشعراء نجد التنوع العرقي يتجلى في صورة نابغة العربية، والوطني المناضل أحمد شوقي، لأبيه العربي الكردي الشركسي، وأمه التركية اليونانية، هذا القدر من إبداع الله في تكوين أحمد شوقي موطنًا وجذورًا وروحًا، يدفعك بشدة للتأمل في مكمن العبقرية، وسطوة الإبداع في ذات هذا الفنان المحلق.

لم يتوقف القدر بجمع الجذور العائلية لهذا الشاعر، بل يسر له سبل العلم والتنوع اللغوي، فبعد أن نشأ بين آيات القرآن الكريم في كُتّاب الشيخ صالح، وتحصيله لما يروي روحه من لغته الكريمة العزيزة الرحيمة، ثم درس الحقوق والترجمة، وبين قوانين الإنسانية وبراعة اللغة كان لمعلمه الشيخ الشاعر بسيوني فضلًا عظيمًا، عندما رأى فيه مشروع شاعر كبير، حتى أصبح الأستاذ يأخذ رأي التلميذ في القصائد قبل نشرها بالوقائع المصرية، ثم كان لانتقال شوقي عبر المتوسط إلى الضفة الأخرى حيث فرنسا، رحلة أخرى غذت إنسانيته، إذ جمع ما يعجبه لينتفع به، وما لا يعجبه لينقده ويستبصر بدراسته، ثم أخذت يد القدر على هيئة الاحتلال الإنجليزي شاعرنا إلى أرض ناح بها الطلح وأنشد ابن زيدون، أرض الزهراء والزاهرة وقرطبة، وغرناطة، وإشبيلية، وطليطلة، وشاطبة؛ فربته معاني الحنين للوطن مرات ومرات، ورتب الألم ذاته إلى أن أتقن لغته.

ومن الطريف أن تجد بعض نقاد الأدب مختلفين حول صحة هذا البيت «آهـًا لنا نازحى أيك بأندلـس.. وإن حللنا رفيـفًا من روابينــا» في القصيدة الأندلسية التي عارض فيها ابن زيدون حول الضمير في روابينا، فاعتقدوا أنه من الواجب عليه مخاطبة نائح الطلح بالكاف في روابينا، فتكون روابيك، وكأن شجونه لمصر وغربته عنها توجب عليه نسيان أرواح تشبهه في الأندلس أرض الحضارة والملوك الشعراء، متناسين أن الأندلس لها قدسية في النفس والروح، بمقدار ما تمكنت جذور الحضارة والتعارف الإنساني فيها، وأن هذا الشاعر مصري عربي، وأن الأندلس في اغتراب تام يشبهه كثيرًا، حتى إن اسمها العربي يعيش في قصائد أمثاله، وأنها لن تنسى أبدًا حنينها لكل روح شاعرة عربية، فكيف لا يواسيها وإن تجسدت أمامه في نائح الطلح بأن يخبرها أنها أرض يعرفها وتعرفه حتى لا تحسب أن نأي الروح عنها يغيرها، فلها في الروح واديها وإن ابتعدت حتى خالها العدو منفى، لكن الحنين لمصر يغلب مواساة دموعها فلا يرتاح ولا يهدأ باله حتى يعود إليها، وإني هنا أرى أن مناداة رفيف روابي الأندلس بجزء من الأنا لا ينافي انتماء، ولا يطعن في ذات، ولا يؤخذ على شوقي، ولا يحتاج إلى تبرير لأي لبيب، أيضًا إن اختلاف الذوات والأحوال لا ينفي التآلف؛ فالتنوع في النهاية كنبضات القلب الشاعرة يتقلب بين شعور وشعور، ورؤية وأخرى، وحقيقة وحقيقة حتى يفيض باللغة والمعنى، إذ تتجلى الذات للإنسانية، وقوله تعالى «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ». صدق الله العظيم.

أجاد شوقي العربية والفرنسية، وتلقن التركية، واستوعب الإنجليزية والإسبانية، وكان ذا فطرة موسيقية بارعة.

«انطلق شوقي مع العمر والحياة في الشعر والنثر، وتنوعت منطلقات عطائه الأدبي، فما إن يستقر في مجال أو أفق لا يبرح أن يتناهى فيه، بل يرحب طوافه في مشاعره، وأحاسيسه، وتأملاته، وبلاده، وعالمه، لا يغنيه الحاضر وحده، إنما يستجلي جادًا وملتزمًا آفاق الماضي، ويستطيع رائدًا وحكيمًا دروب المستقبل، ويمده في انطلاقه ذوق فني رفيع، وذكاء لامع متميز، وخيال جوَّاب خلاق، وخلق سمح، ومقدرة لغوية فائقة، ورؤية عبقرية».

وكما أن شوقي لم يكتف بالحاضر فقط، فقد خرج من حدود المدرسة الإحيائية إلى الرومانسية، ويقول شاعرنا الجميل فاروق شوشة: «كان شوقى مغرمًا بالتاريخ تشهد على ذلك قصائده التي لا تخلو من إشارات تاريخية، ولا أظن أن قصيدة من بين قصائده تصور ولعه وعشقه للتاريخ مثل قصيدة (كبار الحوادث في وادي النيل) التي ألقاها في مؤتمر المستشرقين الدولي الذي انعقد في جنيف سنة 1896، وكأنه بهذه القصيدة يقول للعالم بلغة الشاعر هذه مصر التي أمثلها بينكم، تاريخًا، وحضارة، إشراقًا وعبوسًا، انتصارات وهزائم».

بعد رحلة من الإبداع الصادق رحل شوقي عن العالم المادي تاركًا للحضارة الإنسانية «كبار الحوادث في وادي النيل»، ومقالات اجتماعية (أسواق الذهب)، ودواوين شملت كل دروب الشعر إلى أدب الأطفال، أيضًا جمع له د. محمد صبري السربوني أشعارًا ومقالات ظلت مبعثرة إلى أن قام بجمعها. ترك شوقي للمسرح الشعري مجنون ليلى، ومصرع كليوباترا، والست هدى.

«اللهم إن النيل لا يزال يفيض، وإن الوادي لا يزال ينبت، وإن الشمس التي أنضجت أذهان الفراعين لا تزال تشع، وإن الأيدي التي غرست أولى الحضارات على العدوتين لا تزال تعمل». الزيات

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات