قبل الخوض في لب الموضوع، يجمل بنا أن ندور دورة حثيثة حول معنى ومفهوم الثقافة حتى يتسنى لنا أن نحكم حكما إجماليا ودقيقا لا يشوبه عوج أو انحراف.

فالثقافة هي مجموعة من العلوم والمعارف والقوانين الخاصة التي لونتها الأمة بلون قومي خاص مستمد من ذوقها وطبعها وتجاربها الاجتماعية وظروفها الاقتصادية وتراثها العلمي، فثقافة كل دولة تخالف ثقافات الدول الأخرى في مظهرها وشكلها حسب تعاليم كل مجتمع وتقاليده المتوارثة التي أثرت في تلك الثقافات وطبيعتها بطابع قومي خاص.

ولكن الثقافات تلتقي في أن كل ثقافة، ليست إلا وسيلة من وسائل ارتقاء الأمم والحضارات إلى قمة المجد وذؤابة العزة والكرامة، وإنارة أفكار أبنائها على اختلاف منازعهم وأفكارهم وأهوائهم ومشاربهم.

وليس من شك أن الثقافة العربية الإسلامية غنية بكنوز وجواهر العلم ونفائس المعرفة، وقد بلغت شأوا بعيدا في مضمار التبريز والتقدم والشمول، لكل دقائق العلوم وأسرار المعارف، وقد تغلغل مفكرونا وفلاسفتهم بفكرهم في كل مناحي المجتمع، وجالوا بعقولهم في جنبات الحياة في مهارة وإبداع منقطع النظير، وأخرجوا لنا اﻵلاف المؤلفة من الكتب والموسوعات في مختلف المجالات ومن كل ذوق ولون، في إحاطة شبه كاملة ودقيقة.

بيد أننا حينما ننظر في ماضينا القريب والبعيد وفي حاضرنا، نظرة فاحصة كاشفة من خلال منظور نقدي متوازن، نستطيع أن نتبين ونتوصل، أن لا غنى عن ثقافة من سبقونا في مضمار الحضارة والمدنية، وهذا ما تنبه له علمائنا ومفكرونا وفلاسفتنا الأوائل، والذين أضافوا الكثير في الثقافة الإنسانية المشتركة، بل وحافضوا عليها من التلف والنسيان في دهاليز الجهل الفوضوي والمقدس الذي كان حاضرا بقوة في بقاع جغرافية كثيرة، وحملوا هذه الأفكار المستمدة من صميم دينهم الذي يدعو إلى العلم والمعرفة كأساس تعبدي وأصيل في الإسلام، بل ويشكل جوهره الأساسي للوصول إلى مجتمع معرفي متنوع ومشترك بين جميع بني البشر على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وعقائدهم، لأن لغتنا مهما اتسعت آفاقها وترامت أطرافها وتجددت معانيها وأمدتنا ببيانها الأخاذ الذي يأسر الأنفاس ويخلب الألباب، وأدبنا وعلومها مهما تغلغل في كيان مجتمعنا وتسلل إلى طوايا صدورنا وشغاف قلوبنا والذي عبر عن مكنونات نفوسنا وخلجاتها، فإن التلاقح الحميمي الذي تخضع له اللغة هو تلاقح ثقافي ينبني على تجارب لسانية ولغوية متنوعة وهي ضرورية، شرط الحفاظ على سمعة لغتنا وإحاطتها بأسوار منيعة لكي لا تفقد جوهرها وبريقها (التمييع اللغوي).

وتجاربنا الثقافية الفكرية مهمها عظمت وتقدمت وأخرجت لنا نفائس الكون وعجائب وجوده، فإنا لا نستطيع بها وحدها من خلال كل هذه المنظومات المعرفية التي ذكرناها آنفا، أن نضع أيدينا على كل ما في هذه الحياة من ألوان المعارف والعلوم والفنون.

كما أن عقول غيرنا قد تكشف شيئا، لا نكتشفه فنحتاج إلى تبادل المنافع في أشبه ما يكون إلى إخصاب ثقافي ودورة ثقافية وفكرية تحتاج إلى المرور في مختلف أطوار المعرفة.

ولقد استطاع الغرب أن يأخد مهلة في ذلك، فبحث ونقب وحرث أرض المعرفة بمحراث العزم والإرادة حتى وصل إلى ما لم نصل إليه، وكشف عما لم نستطع أن نكشفه، فنجد أنفسنا محتاجين إلى معارفه ومكتشفاته التي انبنت على تجارب ثقافات ومعارف الأمم الأخرى خاصة ثقافتنا العربية والإسلامية.

ولا بد أن نشير إلى نقطة بالغة الأهمية وهي حول جوهر الإسلام من الناحية المعرفية والثقافية، والتي للأسف ما زال العديد من الناس الذين يعانون قصورا معرفيا وفكريا وافتقادهم للحس النقدي البناء في تناولهم للتصور الثقافي في الاسلام ويعتقدون أن الإسلام ضد الثقافة والفكر وهذا راجع الى عدم تفريقهم بين ما دون في التراث على يد بعض الفقهاء في مراحل تاريخية وألبسوها لبوس القدسية في ظروف تاريخية حساسة كانت تتطلب تدوين ذلك نظرا للظرفيات السياسية التي مرت على الأمة، وبين ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن خلال النظر إلى عدة مواضع قرآنية ونبوية فقد شددت وأكدت على الاستفادة من تجارب الشعوب والثقافات الأخرى، فهو لا يمنعنا من نشد مختلف المعارف وتناول الفائدة من كل ألوان المعرفة، لأن الإنسانية يكمل بعضها بعضا، ولا غنى لها عن تبادل التجارب والمنافع وإن كان كل جزء يظل متميزا عن الآخر بخصائصه الذاتية وطوابعه الاجتماعية.

ولو وقف العالم العربي والإسلامي بفكره ونظره على ما وضعه الآخرون من علوم وفنون، وما كشفوه من مطمورات ومخبئات معرفية نفيسة، ثم يسيغ ذلك ويهضمه ويجري في عروقه طلقا، ستتسع معارفه ويربط إدراكه ويحلق في سماء النشاط الفكري المادي والروحي والاقتصادي والاجتماعي، وينطلق في ميادين البحث والتنقيب، وبالتالي دخولنا في مرحلة إخصاب وتلاقح بالدورة المعرفية الغربية من خلال النهل من روافده الثقافية التي تتناسب مع قيمنا وحضارتنا، شرط وجود بيئة تسمح بذلك، وهذا لن يتأتى إلا بوجود إرادة سياسية حقيقية من قبل الأنظمة السياسة التي تفتقدها حاليا إلى مقومات النهوض العلمي والثقافي والفكري الذي يستخدم فقط في الماكياج الخارجي لسياساته لأن تكريس حالة الجهل الإجباري هو استمراراية لحالة البؤس السياسي الذي وصل إليه عالمنا العربي، وبالتالي إنتاج حالة من التفقير المعرفي والثقافي والفني الذي يكبح منطلقات التقدم والازدهار والمدنية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد