يمكن تعريف السّياسات الثّقافيّة بأنّها «مجمل الخطط والأفعال والممارسات الثّقافيّة الّتي تهدف إلى سدّ الحاجات الثّقافيّة لبلد أو مجتمع ما، عبر الاستثمار الأقصى لكل الموارد الماديّة والبشريّة المتوفّرة لهذا البلد وهذا المجتمع».

لا يقتصر مجال السّياسات الثّقافيّة على الإجراءات المتعلّقة مباشرة بالقطاع الثّقافي، بل إنّه يشمل أيضًا الإجراءات المتّخذة في قطاعات أخرى، والّتي تؤثّر بصفة غير مباشرة في الثّقافة. فمسائل مثل التّربية على الثّقافة والصّناعات الإبداعيّة، والثّقافة الرّقميّة، والتّبادل الثّقافي الدّولي تخضع في جانب مهم منها للإجراءات الّتي تتخذها وزارات التّربية، والمالية، وتكنولوجيّات الاتصال، والتنمية، والخارجية.

كذلك فإنّ السّياسة الثّقافيّة ليست اختصاصًا مطلقًا للسلطة التّنفيذيّة، فاللامركزيّة تتيح للجماعات المحليّة صلاحيات مهمّة في المجال الثّقافي.

وبفعل العولمة وما أنجر عنها من تقلّص الحواجز بين الشّعوب، أصبحت الظّاهرة الثّقافيّة عابرة للحدود، متجاوزة للنطاق الوطني؛ فتعزز الوعي لدى الحكومات بأهميّة التّعاون الدّولي فيما بينها، على مستوى السّياسات الثّقافية.

من ناحية أخرى تتطلّب الحوكمة التّشاركيّة مزيدًا من إشراك المجتمع المدني في صياغــــــة الخيــارات والاستراتيجيات في المجال الثّقافي وتنفيذها وتقييمها.

إنّ تعدّد الأطراف المعنية بالسّياسات الثّقافيّة والمؤثّرة فيها يستوجب إيجاد آليّات للتّعاون فيما بينها؛ حتّى تؤدي الثّقافة دورها المأمول محرّكًا رئيسيًّا للتّنمية المستدامة.

1 ـ التّعاون بين الوزارات:

يمكن أن يتخذ هذا التّعاون شكلين:

– شكل تعاقدي: يتمثّل أساسًا في اتّفاقيّات الشراكة والبرامج والمشاريع المشتركة.

ـ شكل مؤسّساتي: يتمثّل في إحداث هياكل دائمة تضمّ ممثلين عن وزارات مختلفة.

يعد الشّكل المؤسّساتي الأنسب والأكثر جدوى؛ لأنّ عامل المؤسسية والدّيمومة يسمح بالعمل وفقًا لرؤية استراتيجيّة بعيدة المدى، وتطوير القطاع الثّقافي بصفة جذرية وعميقة. في هذا الإطار أحدث المجلس الوطني للثّقافة بمقتضى الأمر الحكومي عدد 1048 المؤرّخ في 3 ديسمبر (كانون الأول) 2018. وينصّ الفصل الأوّل من هذا الأمر على أنّه «أحدث لدى الوزارة المكلّفة بالثّقافة مجلس استشاري يسمّى المجلس الوطني للثّقافة». عملًا بالفصل الثّاني يتولّى المجلس دراسة وإبداء الرّأي في التّوجّهات والاستراتيجيّات الوطنيّة الرّامية إلى تطوير قطاع الثّقافة وتقييم إنجازها.كما تضمّ تركيبة المجلس ممثّلين عن الوزارات التّالية بصفتهم أعضاء:

ـ رئاسة الحكومة

ـ الوزارة المكلّفة بالماليّة

ـ الوزارة المكلّفة بالدّاخليّة

ـ الوزارة المكلّفة بالتّربية

ـ الوزارة المكلّفة بالتّعليم العالي

ـ الوزارة المكلّفة بالسّياحة

ـ الوزارة المكلّفة بالشّباب والرّياضة

ـ الوزارة المكلّفة بالتّنمية

يعيّن الأعضاء المذكورون بقرار من الوزير المكلّف بالثّقافة، باقتراح من الوزارات المعنيّة لمدّة سنتين قابلة للتّجديد مرّتين على أقصى تقدير.

على المستوى الجهوي أحدث الأمر عدد 1440 المؤرّخ في 22 أبريل (نيسان) 2013 ،المتعلّق بتنظيم المندوبيّات الجهويّة للثّقافة، لجانًا استشاريّة جهويّة للثّقافة. وينصّ الفصل الرابع من الأمر المذكور على أنّه تساعد المندوب الجهوي لجنة استشاريّة للثّقافة تعهد إليها جملة من المهام، من بينها تقديم التّصوّرات والمقترحات الرّامية إلى تطوير البرامج والمشاريع والأنشطة الثّقافيّة بالولاية، من حيث البرمجة وحسن التّنفيذ. كما تتولى «العمل على تطوير المشاركة في الحياة الثّقافيّة بالولاية وإبراز خصوصيّاتها الثّقافيّة، وتحقيق إشعاعها في مختلف الميادين الثّقافيّة». وتضمّ تركيبة اللجنة الاستشارية، عملًا بالفصل الخامس، ضمن أعضائها ممثلين عن الولاية والمندوبيّتين الجهويّتين للسياحة والتّربية. وهم يعيّنون بقرار من الوزير المكلّف بالثّقافة لمدّة ثلاث سنوات قابلة للتّجديد مرّة واحدة، بناء على اقتراح من المؤسّسات المعنيّة. تجتمع اللجنة بدعوة من رئيسها مرّة كل ثلاثة أشهر، وكلّما دعت الحاجة إلى ذلك.

نجد كذلك تمثيلًا للوزارات في مجالس بعض المؤسّسات الثّقافية. إذ ينصّ الفصل 10 من الأمر عدد 733 المؤرّخ في 16 يناير (كانون الثاني) 2014، المتعلّق بتنظيم المؤسّسة الوطنيّة لتنمية المهرجانات والتّظاهرات الثّقافيّة والفنّيّة ، على أنّ مجلس المؤسّسة يتركّب من أعضاء ممثّلين للوزارات التّالية:

ـ رئاسة الحكومة

ـ الوزارة المكلّفة بالدّاخلية

ـ الوزارة المكلّفة بالماليّة

ـ الوزارة المكلّفة بتكنولوجيّات الاتّصال

ـ الوزارة المكلّفة بالتّعاون الدّولي

ـ الوزارة المكلّفة بالسّياحة

ـ الوزارة المكلّفة بالشّباب والرّياضة

كما تتضمّن تركيبة مجلس وكالة إحياء التّراث والتّنمية الثّقافيّة، عملًا بالفصل الخامس من الأمر عدد 401 المؤرّخ في 24 فبراير (شباط) 2004 والمتعلّق بتنظيم هذه المؤسّسة، أعضاء ممثّلين عن الوزارات التّالية:

ـ رئاسة الحكومة

ـ وزارة الدّاخليّة والتّنمية المحلّيّة

ـ وزارة أملاك الدّولة والشّؤون العقاريّة

ـ وزارة السّياحة والصّناعات التّقليديّة

ـ وزارة الماليّة

ـ وزارة التّنمية والتّعاون الدّولي.

أمّا المركز الوطني للترجمة فينصّ الفصل الثامن من الأمر عدد 401 المؤرّخ في 3 فبراير 2006 ، المتعلّق بتنظيمه، على أنّ تركيبة مجلسه تتضمّن أعضاء ممثّلين للوزارات التّالية:

ـ رئاسة الحكومة

ـ وزارة المالية

ـ وزارة التّعليم العالي

ـ وزارة التّنمية والتّعاون الدّولي.

2ـ التّعاون بين السّلطة المركزيّة والجماعات المحلّيّة

في إطار تسييرها للشّؤون العامة بدوائرها التّرابيّة، تتمتّع الجماعات المحليّة بصلاحيات في المجال الثّقافي، وهي بذلك تعد فاعلًا رئيسيًّا في رسم السّياسات الثّقافيّة وتنفيذها محلّيّا. ويكون التّعاون بين السلطة المركزيّة والجماعات المحلّيّة من خلال الآليّات التّالية:

ـ تعزيز اللامركزيّة من خلال توسيع صلاحيّات الجماعات المحلّيّة في القطاع الثّقافي مقابل دفع الحوار بينها وبين السّلطة المركزيّة.

ـ استشارة الجماعات المحلّيّة عند إعداد التشريعات والسّياسات الجديدة بما يضمن تحديد أولويّات تطوير السّياسة الثّقافيّة المحلّيّة وأخذها بعين الاعتبار.

ـ إنجاز برامج مشتركة بالتّعاون بين الطّرفين.

في تونس يسند القانون الأساسي عدد 29 المؤرّخ في 9 مايو (أيار) 2018 المتعلّق بالجماعات المحلّيّة صلاحيّات لهذه الأخيرة في القطاع الثّقافي. إذ ينصّ الفصل 200 على أنّ البلديّة تعمل على تنمية المنطقة في عدّة مجالات من بينها الثّقافة. كما أنّ لجنة الفنون والثّقافة والتّربية والتّعليم من ضمن اللجان المقررة للمجلس البلدي عملًا بالفصل 210. كذلك يندرج تنظيم التّظاهرات الثّقافيّة في إطار المرافق العموميّة الّتي يتولّى المجلس البلدي إحداثها والتّصرّف فيها حسب الفصل 240. من ناحية أخرى ينصّ الفصل 241 على أنّ المجلس البلدي يتولّى دعم كل الأعمال الّتي ترمي إلى تنشيط الحياة الثّقافيّة في البلدية، عن طريق المصالح البلديّة، والمنظّمات، والجمعيّات الّتي تعمل في المجالات المعنيّة.

وقد ورد بالفصل 242 أنّ المجلس البلدي يستشار ويبدي رأيه في كلّ مشروع يزمع إنجازه في المنطقة البلديّة من قبل الدّولة. كما نص الفصل 243، على الثّقافة ضمن المجالات الّتي تتمتّع فيها البلديّة باختصاصات مشتركة مع السّلطة المركزيّة. تتعلق هذه الصّلاحيّات بالمحافظة على التّراث الثّقافي المحلّي وتنميته، وكذلك بإنجاز التّجهيزات الجماعيّة ذات الصّبغة الثّقافيّة كدور الثّقافة والمتاحف.

بالإضافة إلى ذلك ينصّ الفصل 244 على أنّ المجلس البلدي يمارس الصّلاحيّات الّتي يمكن نقلها إليه من السّلطة المركزيّة في مجال بناء المؤسّسات الثّقافيّة وصيانتها. ويقترن وجوبًا نقل كلّ صلاحيّة بتحويل الموارد البشريّة الضّروريّة لممارستها. كما تنجز المشاريع والمنشآت في إطار اتّفاقيّة بين السّلطة المركزيّة والبلدية.

3 ـ التّعاون الدّولي

يمكن أن يكون التّعاون الدولي في القطاع الثّقافي ثنائيًّا أو متعدّد الأطراف. وتتمثّل آليّات التّعاون في المعاهدات والمواثيق الدّوليّة، والبرامج وآليّات التّمويل.

وقد صدقت تونس على عديد المعاهدات والاتّفاقيات الدّولية في المجال الثّقافي من أبرزها:

ـ اتّفاقيّة مع الوكالة الدّوليّة للفرنكوفونيّة حول إدارة صندوق ضمان القروض المسندة للصّناعات الثّقافيّة بتونس (01/ 01/ 1970).

ـ اتّفاقيّة عربيّة لتيسير انتقال الإنتاج الثّقافي العربي (22/04/ 1987)

ـ اتّفاقيّة التّعاون الثّقافي المبرمة بين دول اتّحاد المغرب العربي (01/ 11/ 1992).

ـ اتّفاقيّة بشأن حماية التّراث الثّقافي غير المادّي(17/ 10/ 2003).

ـ اتّفاقيّة حماية وتعزيز تنوّع أشكال التّعبير الثّقافي (20/ 10/ 2005).

ـ اتّفاقيّة بشأن حماية التّراث الثّقافي المغمور بالمياه (06/ 11/ 2011).

ـ ملحقان للاتّفاقيّة بين تونس والوكالة الدّوليّة للفركوفونيّة المتعلّقة بإدارة صندوق ضمان القروض المسندة للصّناعات الثّقافيّة (20/ 12/ 2007).

ـ اتّفاقيّة مع الاتّحاد الأوروبّي حول مشاركة الجمهوريّة التّونسيّة في برنامج الاتّحاد الأوروبّي «أوروبا المبدعة لدعم القطاعات الثّقافيّة والإبداعيّة» (11/ 5/ 2007).

كما انضمت تونس إلى منظّمات دولية تعنى بالشأن الثّقافي وهي:

ـ منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثّقافة (اليونسكو ) في 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 1956.

ـ المنظّمة العربيّة للتّربية والثّقافة والعلوم (الألكسو) التي تحتضن مقرّها.

ـ المنظّمة الإسلاميّة للتّربية والعلوم والثّقافة (الإيسيسكو) سنة 1982.

ـ المنظّمة الدّوليّة الفركوفونيّة (عضو مؤسّس) في 01/3/ 1970.

4 ـ الشّراكة مع المجتمع المدني:

تتمثّل آليّات التّعاون مع المجتمع المدني في الاستشارات والبرامج المشتركة والهياكل الاستشاريّة الدّائمة.

وتتضمّن تركيبة المجلس الوطني للثّقافة ممثّلين اثنين عن مكوّنات المجتمع المدني ذات الصّلة بالقطاع الثّقافي عملًا بالفصل الثالث من الأمر الحكومي عدد 1048 المؤرّخ في 3 ديسمبر 2018 المتعلّق بالمجلس الوطني للثّقافة.

أما على المستوى الجهوي فتضمّ تركيبة اللجنة الاستشاريّة بالمندوبيّات الجهويّة للثّقافة أربعة ممثّلين عن الجمعيّات العاملة بالقطاع الثّقافي بالولاية (الفصل الخامس من الأمر عدد 1440 المؤرّخ في22/4/ 2013 المتعلّق بتنظيم المندوبيّات الجهويّة للثّقافة). ويعيّن ممثّل كلّ جمعيّة باقتراح منها. كما يراعى في اختيار الجمعيّات تنوّع الميادين الثّقافيّة والفنّيّة الّتي تشملها ودرجة إسهامها في تنمية القطاع الثّقافي بالولاية.

5 ـ النّقائص والصّعوبات

يبقى التّعاون بين مختلف الفاعلين المعنيّين بالسّياسة الثقافية محدودًا ولا يفي بالغرض؛ نظرًا إلى العديـد من النّقائص والصّعوبات القانونيّة والعمليّة التّي من أبرزها:

ـ الهياكل الدّائمة الّتي تمثّل إطارًا للتّعاون غير مفعّلة غالبًا، مركزيًّا وجهويًّا.

فالمجلس الوطني للثّقافة عقد أوّل اجتماع له بعد ما يقارب التّسعة أشهر من تأسيسه. ونخشى أن تتكرّر التّجربة الفاشلة للمجلس الأعلى للثّقافة المحدث سنة 2007، والّذي بقي حبرًا على ورق ولم ترد أيّ أخبار عن أشغاله أو إنجازاته منذ تأسيسه إلى حين تجميده عمليًّا بعد الثّورة. وهو الحال بالنّسبة للجان الاستشاريّة بالمندوبيّات الّتي لا نرى لها أيّ وجود لها على أرض الواقع.

ـ تركيبة الهياكل الدّائمة لا تشمل كلّ الوزارات التّي يمكن لسياساتها القطاعيّة وإجراءاتها أن تؤثّر في المجال الثّقافي. فلا نجد مثلًا في تركيبة المجلس الوطني للثّقافة ممثّلًا لوزارة رغم أهمّية الدّبلوماسيّة الثّقافيّة. وتغيب عن المجلس أيضًا وزارة تكنولوجيّات الاتّصال والمعلومات في حين أنّنا نعيش في عصر الثّقافة الرّقميّة.

ـ التّعاون بين الوزارات يتسم بطابعه الظّرفي والعرضي، ولا يقوم على استراتيجية بعيدة المدى وواضحة المعالم. إذ يقتصر مداه على بعض المناسبات والبرامج المحدودة في الزّمان والمكان.

ـ التّعاون الدّولي يكاد يقتصر على تبادل الوفود والمجموعات في التّظاهرات الثّقافيّة والتربّصات التكوينيّة. فهو لا يرتكز، ما عدا بعض الاستثناءات، على مشاريع طويلة المدى من شـأنها الإسهام في التنمية الثّقافيّة للجهات، مثل إحداث الفضاءات الثقافية للجهات مثل إحداث الفضاءات الثّقافيّة وتجهيزها.

ـ تغييب المجتمع المدني وتهميش دوره في صياغة السّياسات الثّقافيّة وتنفيذها وتقييمها. إذ يقتصر دور الجمعيّات الثّقافية على تنظيم التّظاهرات والأنشطة، ولا يقع إشراكها في صنع القرار.

ـ تفتقر الجمعيّات للوسائل البشريّة واللوجستية والمالية اللازمة لتضطلع بدورها شريكًا فاعلًا في صياغة السّياسات الثّقافيّة وتنفيذها؛ فهي مكبّلة بالشّروط المجحفة والتّعجيزيّة للحصول على التمويل العمومي للجمعيّات المنصوص عليها بالأمر عدد 5183 المؤرّخ في 18 نوفمبر 2013، والّتي لا تراعي خصوصيات العمل الثّقافي.

ـ محدوديّة التّعاون بين السّلطة المركزيّة والبلديات لأسباب من أهمّها أنّ المسؤولين البلديين لا يرون الثّقافة من أولويّات العمل البلدي؛ فالنّفقات البلديّة المخصّصة للثّقافة ضئيلة ولا تفي بالغرض. من ذلك أنّ إحداث الفضاءات الثّقافيّة وتجهيزها وصيانتها وتمويل التّظاهرات الثّقافيّة ما زال محمولًا بشكل رئيسي على وزارة الثّقافة.

نخلص إلى القول أنّ التعاون بين مختلف الفاعلين المعنيّين بالسّياسات الثّقافية يحتاج إلى تطوير التشّريعات والآليّات المؤطّرة له، وتفعيلها على أرض الواقع. فما يشهده العالم من مستجدّات يؤكّد يومًا بعد يوم أنّ الثّقافة في قلب كل سياسة تنمويّة ناجحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد