يدافع الأستاذ أوريد عن الدولة المدنية، ومنه على التربية المدنية باعتبارها تربية تقوم على تمرير قيم تجمع المجتمع أي قيما مشتركة بين الأفراد بغض النظر عن معتقداتهم وأصولهم، والقيم التي نشترك فيها هي قيم العدل والحرية والكرامة والتضامن، فعلى هذه المرتكزات يجب أن تقوم تربيتنا.. أما الشأن الديني فذاك شخصي يخص كل أسرة، وليس من صميم اختصاصات الدولة التي تسهر على إعداد مضامين المناهج والبرامج التربوية.

هذا الكلام لا يعني الاستهزاء بالدين أو التنقيص منه أو مجافاته، ففي الدين الإسلامي ثراء روحي يجب زجه وضخه في منظومتنا التربوية.. من المهم جدًا أن يفهم الناس أن ما يهمنا هو المنهج العقلاني والنقد الذاتي والإيمان بالتعددية.. ويعقد أوريد مقارنة بين مدرس مسلم لا يحسن التعامل مع طلابه، بآخر غير مسلم يحسن معاملتهم وإعانتهم.. ولو كان المعتقد معيارًا لمفاضلة الناس، لمال الناس لتفضيل المدرس المسلم، والحق أن الانتماء إلى دين معين لا يعني شيئا على الإطلاق.. ولا يجب أن يتخذ مقياسًا للمفاضلة بين الناس.

ويتحدث أوريد بعدها على ما أسماها وسائل الارتقاء، ويقصد بها الأفكار التي تقوم على تفاعل ذكاء الإنسان مع الواقع للخروج من إشكال معين، لذلك فهي (أي الأفكار) ليست جامدة، بل دائمة الدينامية والتطور مادامت متعلقة بالواقع. ويفرق الكاتب بوضوح بين الفكرة من جهة، والمعتقد والتقنية من جهة ثانية: فالمعتقد هو فكرة متناقلة ومتوارثة سبغت عليها نوع من الهالة والتقديس، والتقنية هي حل مادي أو تدبيري مستورد، يرتبط في المجتمعات التي أنتجته بمرجعية فكرية، لكنها تستورد إلينا بمعزل عن الفكرة التي كانت وراء وجودها.

لذلك فالشائع في مجتمعنا هو من جهة استيراد التقنية لحل إشكال مرحلي، وهذا ما يجيده التكنوقراط، ومن جهة أخرى فما يغلب في مجتمعاتنا هو المعتقد الذي يتسم بالانقياد والذي لا يمكن أن يحل معضلة طارئة، أما الأفكار فهي تواجه تعقيد الواقع مستعينة بذكاء الإنسان.

فالعبرة ليست في استيراد أحدث التكنولوجيات من الخارج، بل هي إعلاء المرجع الفكري الذي أدى إلى وجودها. وأهم ما يميز الفكرة على التقنية والمعتقد هو اقترانها التام بالحرية، فلا فكر في ظل حواجز وموانع، عكس المعتقد الذي يرتبط بالتسليم والانضباط، والتقنية التي تقترن بالمهارة فقط.

ويرسم أوريد الحد الفاصل بين الوحدة والتنوع، فهو يدعو إلى كليهما ولا يرى تناقضا بينهما، وبينما يقول إن الوحدة المطلقة تفضي إلى الاستبداد، وأن التنوع المفرط يؤدي إلى التحلل، يتساءل الكاتب عن كيفية التوفيق بين الوحدة السياسية والتنوع الثقافي. وفي محاولته الجواب على هذا السؤال، يرى أوريد أن لا مناص من العودة إلى الحديث عن دور المدرسة في ترسيخ الوحدة، من خلال توحيد البرامج الدراسية التي وجب أن تعكس التنوع الذي يميز الشخصية المغربية بكل ألوانها الأمازيغية، والعربية، والأندلسية، والصحراوية.. كما يدعو إلى الانفتاح على التراث الإنساني، والمرجعيات الفكرية الغربية وعلى الآداب العالمية.

ويرى أوريد أنه يصعب أن نتحدث عن أمة إن لم نتفق على محطاتنا التاريخية الكبرى، فلا نرى التاريخ زاهيًا صافيًا كما لا نراه بنوع من التأرجح والاضطراب، ما يجب هو الموضوعية في تفحص وقراءة تاريخنا.

ويعترف أوريد بصعوبة اقتران جودة التدريس بتعميم التدريس، لكنه يرى ذلك أساسيًا، وهو يقصد بالجودة نوعية المادة المعرفية والتربوية القيمية، لا مجرد الكتابة والقراءة فقط، إذ لا يجب علينا أن نفهم الجودة كإطار مادي من أقسام ومختبرات فقط، بل كمنظمومة من الوسائل الديداكتيكية والبيداغوجية والتدبيرية إلى جانب الإطار المادي، نستغلها من أجل بناء بنية ذهنية عصرية.

ولا يرى أوريد مفرًا من إصلاح التعليم العمومي فهو مشتل النخبة، ولا تقدم بلا صلاحه، لكنه يرى أن مدارس البعثات والمدارس الخاصة جزءا من المنظومة، ولا يجب أن تدخل هذه المؤسسات في علاقة جدلية مع التعليم العمومي.. كما ينتقد ضمنيًا من يتخذون من المدارس الخاصة مدخلًا للإستثمار والكسب المادي بلا أي مرجعية قيمية.

هكذا أنهى الكاتب الباب الثاني من كتابه متحدثًا عن الأسس (يقصد أسس الثورة الثقافية المنشودة) وهي القيم الجامعة، والتربية المدنية، والوحدة في ظل التنوع وصولًا إلى محاولة الجمع بين التعميم والجودة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد