دور الثقافة

تؤدي الثقافة دورًا مهمًا في حياة الإنسان، فهي التي تربط بين الناس في علاقاتهم اليومية، من أجل تنظيم الحياة الاجتماعية، فلا مجتمع بدون ثقافة. وكما قال جورج كانيغلهم: «الإنسان يسكن ثقافة، لا يسكن كوكبًا»، فطبيعة السلوكيات التي يمارسها الإنسان في مجتمعه تحددها الثقافة وتبررها وتقيمها، إذن أهمية الثقافة تكون داخل المجتمع، وليس داخل الفرد.

إن الرأسمالية بعد النظام الاستعماري، وبعد توسعها الكبير الذي وصل ذروته بالإمبريالية، التي استمرت وتستمر في وجودها بفضل نظام العولمة. وجدت أمامها عائقين خطيرين بالنسبة لها، وهي خطر الأيديولوجية وخطر الثقافة المختلفتين عن أيديولوجيتها وثقافتها. سنتحدث عن خطر الثقافة وسنترك خطر الأيديولوجية. فالثقافة يمكنها أن تصنع بسهولة أيديولوجيتها الخاصة، ولكن الأيديولوجية لا يمكنها صناعة ثقافتها الخاصة إلا بصعوبة.

إن الثقافة لها قوة منعية ومنيعة ضد أي شيء خارجي عن نطاقها، وتنظر إلى الثقافة الأخرى دائمًا بعين الريبة والتخوف والعدائية في بعض الأحيان، فأي احتكاك بينهما لا يكون إلا في النقط المتشابهة بينهما. ولأن الرأسمالية لها ثقافتها «وهي ثقافة ولدت من الأيديولوجية، ساعدت على توليدها الثقافة البروتستانتية، وأنا أتفق مع ماكس فيبر في هذه النقطة»، التي تنظم من خلالها الأفراد داخل المجتمع، لاستمرار العلاقات الرأسمالية بينهم، لا يمكنها أن تقبل أي تنظيم قد يهدد هاته العلاقات. فالعلاقات الطبقية مثلًا من أهم ما يميز الرأسمالية، وهي علاقات استغلالية تبررها ثقافة الليبرالية التي تدعي أن الطبقية شيء أزلي، متجذر في الطبيعة، وذلك انطلاقا من اعتبار أن الملكية حق طبيعي، لا يمكن نزعه من أحد، ولو بمبرر حماية المجتمع، فالفرد أسمى من المجتمع، وحريته لا جدال فيها. لهذا حاربت الليبرالية الأيديولوجية الشيوعية التي لها تنظيم خاص للعلاقات بين الأفراد «وهي القضاء على الطبقية واعتبار الجميع سواسية بالمطلق، وأن المجتمع أسمى من الفرد».

إضافة إلى هذا، تتميز الرأسمالية بالثقافة التي تعتبر المال غاية في ذاته، وهذه أسوأ ثقافة تقوم الرأسمالية بنشرها وسط المجتمع العالمي. إذ إن امتلاك المال لا يأتي من حاجة وإنما من هدف، وهذا الهدف هو المال نفسه، فلا يعود المال مجرد وسيط في المبادلات التجارية، وإنما يتحول إلى أمر ضروري يحدد قيمة مالكه، فمن يمتلك مالا كثيرًا ستكون قيمته أكبر من قيمة الشخص الذي لا يتوفر إلا على القليل، وهذا الأخير سيكون أفضل من ذلك الذي لا مال له. وهنا تكمن الخطورة؛ فالمال سيصبح هو عامل التقييم في المجتمع، وستنهار أمامه عوامل التقييم الأخرى، كالأخلاق و المعرفة والجمال والطبيعة والعمل، فكل هاته المقيمات، ستصبح لا شيء أمام المال. لقد أخذ دورها بكل تعسف. «أنت مفكر كبير، ولكنك فقير للأسف لا قيمة لك، فهذا الذي يقف أمامك غبي مثالي ولكنه غني، لديه مال كثير، نعتذر لك».

ثقافة المال «المال أصبح معيار تقييم»

نعم إن كنت تمتلك المال فلا تأبه لا بالأخلاق، ولا بالمعرفة، ولا بالجمال، ولا بالعمل، ولا بالطبيعة «أقصد بالطبيعة العواطف والمشاعر و البيئة وعلاقتنا بها»، كل شيء ستمتلكه بالمال. فإن كنت لا تعرف فإنك ستشتري شخصًا يعرف وسيعمل تحت إمرتك منحنيًا مذلولًا. وإن كان لديك المال ستحصل على أجمل لوحة فنية على الإطلاق، وستحصل على أجمل امرأة عبدة جنسية، وإن كنت قبيحًا يمكن إجراء عملية تجميلية، وتفوز بجائزة ملك جمال العالم، كما يمكنك أن تحصل على غطاء عن جرائمك، بل يمكنك أن تسيطر على الطبيعة كما تريد.

إن المال يأخذ المساحة الأكبر في العلاقات الرأسمالية، والمجتمعات التي تتبنى هاته الثقافة، تنهار بها الأخلاق والمعرفة والجمال والطبيعة والعمل، والأسوأ من هذا، أن الوسيلة المستعملة للوصول إلى هاته الأموال، لا تناقش، فهي مشروعة ما دامت لا تهدد الثقافة الرأسمالية والليبرالية، فالغاية تبرر الوسيلة، «احصل على المال كما تريد لا تأبه بالأخلاق، فلتذهب الأخلاق إلى الجحيم».

تحول المال إلى معيار تقييمي في المجتمع، جعل الأخلاق تنهار، وجعل من المعرفة مجرد وسيلة للحصول على مزيد من الأموال، وجعل من الجمال مجرد مجال للترفيه وقضاء وقت الفراغ، وجعل من العمل مجرد وسيلة لكسب مزيد من المال، وجعل من الطبيعة مجرد مجال للاستغلال؛ لهذا فإن الثقافات التي تعارض هذا الأمر، تجد نفسها في صدام حقيقي أمام جبروت الثقافة الرأسمالية.

كذلك، تحاول الرأسمالية نشر ثقافة الاستهلاك بين الشعوب، وعندما نقول ثقافة الاستهلاك، نقصد ثقافة الرغبة في الشراء، ليس لحاجة وإنما لفضول أو لتأكيد التفوق «وقد تكلمنا على هذا الأمر، وسميناه ثقافة التفوق»، فلم يعد الاستهلاك ينبع من حاجة غريزية أو عقلية، وإنما ينبع من الملل، فالفرد يستهلك لأنه يحس بالملل، وبما أن الملل يكون مجال امتداده هو وقت الفراغ، فإن هذا الأخير، لم يعد مجالًا للتوعية والإبداع، وإنما لمزيد من الاستهلاك، «وقد تحدث هاربرت مركيوز أحد رواد مدرسة فرانكفورت النقدية، في كتابه القيم «الإنسان ذو البعد الواحد» عن دور الإعلام في هذا الأمر، وكيف يحول وقت الفراغ إلى وقت لمزيد من الاستهلاك»؛ فالزوجة في المنزل لا تجد ما تفعله مثلًا، تحمل محفظتها وتتجه نحو السوق الممتاز وتشتري ما تراه ويعجبها ويوافق قدراتها الشرائية، فهي لا تشتري ما تحتاجه، وإنما ما تراه ويثير إعجابها. وهذا يعني أن الشراء لا يكون بخطة مسبقة في المنزل، بل يكون لحظة الاطلاع على السلع داخل السوق. «وهذا أمر جد خطير، وسأتحدث عنه في مقال آخر إن شاء الله».

إذن الاستهلاك أخذ مجال الإبداع والتوعية، وأصبح الفرد المستهلك مجرد كائن يسيل لعابه كلما شاهد السلع أمامه، فهو يشتري عندما يرى، وليس عندما يحتاج، وهنا يصبح الإسراف أمرًا طبيعيًّا، وأي ثقافة تقف ضد هذا الأمر يجب تذويبها أو تحويرها حتى تناسب ثقافة الاستهلاك.

فالثقافات التي تقف ضد هذه الأمور، تصطدم مع الثقافة الرأسمالية، وتعد ثقافات مزعجة ولاعقلانية بالمعيار الليبرالي المتحكم في المحرك العالمي.

إذن الاستهلاك، أصبح لاعقلانيًّا ولا طبيعيًّا، وتحول إلى منافسة وتأكيد للذات، لقد أخذ مجال الإبداع والتوعية، فبدل أن يكون وقت الفراغ مجالًا للإبداع والتوعية، أصبح مجالًا للاستهلاك، لقد تحول الإنسان إلى كائن مستهلك، لم يعد كائنًا مبدعًا. وهكذا سيساهم هذا الأمر في تجميد التاريخ والعلاقات الاجتماعية، وعرقلة التقدم نحو تحرير الإنسان من الاستلاب والاغتراب.

استحوذت الرأسمالية إذن على المقود التاريخي والمحرك العالمي، إنها تقود العالم حسب معاييرها، عبر المكان والزمان، والهدف هو الاحتفاظ بالوضع الواقعي الذي تستفيد منه حفنة قليلة من الناس. وهنا يطرح سؤال ثوري: هل سيتغير هذا الوضع أم لا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد