الثقافة حراك مجتمعي، ونشاط بشري، له مردوده في الحياة، لذا هي مرتبطة بهذا المردود وجودا وعدما، فالمحصلة أو الثمرة الثقافية إن لم تعمل عملها في المجتمع إيجابا وتقدما ونموا فلا فائدة من الثقافة، حتى لو علا صوتها وتعاظم ضجيجها وانتشر زخمها. فلا يصح إلا الصحيح، ولن يقتنع الناس بأي نشاط ثقافي طالما أن أحوالهم لم تتغير وأمورهم لم تتحسن، لذا يمكن أن نقول إن الثقافة هي: «مفهوم التحرك نحو الأفضل».

ومن هذا المنطلق تولدت قدسية العلم، لأنه يدل على الله الواحد الأحد، ويُجَمّل حياة الناس الدنيوية والأخروية أيضا، حتى قال -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله وملائكته، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير) [صحيح الجامع:1838] وقال: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، إن الله عز وجل وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير) [رواه الترمذي].

قال أهل العلم: كيف لا والعلم مقدمة للعمل، وصحة العمل متوقفة على العلم. واستغفار الكائنات للعلماء؛ لأن بركة علمهم وعملهم وإرشادهم وفتواهم سبب لانتظام أحوال العالم، فنفع العابد مقصور على نفسه, ونفع العالم متجاوز إلى الخلائق حتى النملة. ولا رتبة فوق رتبة من تشتغل الملائكة وجميع المخلوقات بالاستغفار والدعاء له إلى يوم القيامة، ولهذا كان ثوابه لا ينقطع بموته. [فيض القدير للمناوي].

ولك أن تتصور -مثلا- حال الثقافة المبتورة عندما تعرض كتابا عن (حقوق الإنسان في المجتمع الدولي) ليطالعه مسلمو بورما الذين يذبحون صباح مساء بلا جريرة غير التطهير العرقي، أو تعقد محاضرة عصماء عن (الأمن والأمان العالمي) في مجتمع أفغاني يتجرع ويلات الحروب منذ عقود مضت، أو فيلما تسجيليا عن (إنجازات مفوضية اللاجئين) ليشاهده أهالي فلسطين وسوريا المشردين، أو (التعاون الأممي في محاربة الفقر) في مجاهل أفريقيا، أو (العدالة) في زمن الديكتاتوريات، أو (التكافل الإنساني) في عصر التكتلات وابتزاز الثروات. لاشك أننا سنجد صدودا جماهيريا وإعراضا شعبيا بل وتندرا وتهكما.

حتى ثقافة متابعة الأحداث والإلمام بواقعنا العربي صارت جرعة كبيرة من الألم تجتاح حياتنا الفينة بعد الفينة, حتى صرنا مدمنين الآلام التي صارت وجبة شبه يومية، ولكن كما يقول المواقبون: ولكنها وجبة بنكهات مختلفة رغم أن الشيف واحد. فمرة يكون الألم يهودي بالخلطة السرية الأمريكية، ومرات يكون عربيا بطعم العهر والخيانة، وأخرى بطعم براميل الموت مضافا إليها التوابل الإيرانية القذرة!

لاجدوى للثقافة بلا إيمان وإخبات، ولا قيمة للمعرفة بلا رخاء وإسعاد، ولا وزن للعلم بلا إنجاز ومكتسبات.

لذلك لا غضاضة أن يحجد الناس الثقافة في المجتمعات الفقيرة والمضطهدة والمنكوبة والبائسة والمشردة؛ حيث أصبحت الثقافة نوعا من الترف المعرفي الذي لا يقبل عليه إلا المنعمين والمترفين والمرفهين. الذين يحاربون الملل وطول الوقت, بنوع من الإثارة والتشويق الذي توفره لهم الأجواء الثقافية على تنوعها وتعددها.

لقد استحوذ غالب الحراك الثقافي في مجتمعاتنا المطحونة على أفق النادر والمثير والمبهر والغريب. ولك أن تطالع آلاف الصفحات بالإنترنت والجرائد وتشاهد برامج الفضائيات، مواضيع من قبيل: أشهر أثرياء العالم، وعشر عادات يمارسها النباتيون، والفوائد العجيبة لقشر الرمان، وأكبر طبق تبولة يدخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية، وما خفي من أسرار الفنانين والمشاهير، وأزمة نادي رياضي في اختيار مدرب من البرازيل أو إسبانيا أو حتى كوستاريكا، وحفل غنائي ساهر وربما ماجن للتبرع للصم والبكم، هذا فضلا عن موضوعات الشواذ والملحدين والمجرمين والمشعوذين والأفاقين.

وأما المشتغلين بالثقافة المعرفية الرصينة فحالهم يدعو للرثاء أو البكاء . ضنك العيش وضيق الأحوال والتهميش والإقصاء, بل والتخوين والتجريم أحيانا، حتى قال الكاتب الشهير ستيفن لوهيد في كتابه حرب الجنة: “إن المعرفة عبء إذا تم حمله لا يمكن التخلص منه”.

والحال الأغلب للجمهور اليوم متعلق بـ «استهلاك الثقافة» لا بإثرائها، ففي مراكز التسوق تجد جموعا غفيرة تتوافد من أجل التهام ملايين المعروضات من منتجات الشركات العالمية، جموع جاءت تأخذ لا تبذل، وليست اليد العليا كاليد السفلى. تقف مثلا أمام ركن الشاي أو الأجبان أو لعب الأطفال أو حتى أكل الحيوانات الأليفة، تجد عشرات المنتجات لمختلف الشركات، حتى إن المرء يحار في الاختيار.

مصانع أجنبية تعمل ليل نهار، ومختبرات غربية تنتج صباح مساء آلاف الأفكار، وشركات تسويق عالمية تثير شهيتك للأرخص أو الأجود أو الأكبر أو الأصغر أو الأندر أو الحصري أو الشعبي. المهم أيها المواطن المسكين أن تدفع، وتنفق، وتخرج كل ما في جيبك، وتحمل في سلة التسوق ما تريد، وربما ما لا تريد، حتى صار الشغف بالكماليات يجور على شراء الأساسيات.

بل لقد بات التسوق نوعا من التنزه والترفيه والتسكع في المولات لامتصاص الفراغ وقتل الملل، والعجيب أنه رغم تنكر الناس للكتاب والقراءة إلا أن معارض الكتب في منطقتنا العربية صارت منتجعات أسرية وفرصة سنوية للتنزه لك ولعائلتك والتجول هنا وهناك ليس إلا، أما أزمة الكتاب العربي وأزمة القراءة والتأليف والنشر لا تراوح مكانها.

هناك جحود للثقافة لأن ثمرتها في أوطاننا علقم، أو على أقل تقدير حصرم لا يغني ولا يسمن من جوع، فتخرجك من أوائل دفعتك الجامعية لا يضمن لك وظيفة مرموقة، لأنه قد يسلبها منك ابن ذي واسطة أو محسوبية، وتنمية مهارتك في عملك ممكن أن يثير غيرة زملائك ومرؤسيك، أما لو انخرطت في العمل بمؤسسات البحث العلمي ستجد معاناة ضعف التمويل والتهميش والروتين, وربما سرقة الابتكارات والإنجازات، وأما إن كنت صاحب قلم أدبي, فلن يلتفت إليك أحد, لأن الناس صارت تتعلق بمن يحل لها مشاكلها ويذلل صعابها, لا بمن يداعب أحاسيسها ويثري فكرها.

كفرت الناس بالثقافة، وباتت لا تحزن على إقالة وزير الثقافة أو احتراق مبنى وزارته، وكل ما في الأمر أن هذه الوزارة -في رأي الكثيرين- مجرد شكل من منظومة الدولة، وجزء من مجلس الوزراء، واقتصر ارتباط الناس بهذه الوزارة عندما يتعين أحدهم مبعوثا ثقافيا في أحد سفاراتنا بالخارج، وتلك وظيفة لا ينالها إلا المحظوظون، وقليل ما هم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثقافة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد