إن للثورات عموما ارتداداتها المتعددة الاتجاهات ينسحب فعلها على جميع مقومات بناء المجتمع سياسة وعملا وثقافة وفكرا، وكلما قدرت الثورة على تحقيق فعلها وتحريك قدر من التغيير في موسع المجالات التي يكون عليها البناء المجتمعي والإنساني، كلما حققت غايات التغيير فيها للارتقاء بمناعة الإنسان من عودة الاستبداد والقهر، وكلما أرست غايات التأسيس لتملك سبل إعلاء إنسانية الفرد في محيطه المجتمعي والرفع من نضجه الفكري والثقافي.

لعل ما يكون المطلب الأساس من قيام الثورات هو إسقاط أغلال الاستبداد والقمع وتحقيق مقصد الحرية التي بها كينونة الإنسان، وإن الفعل السياسي من الطبيعي أن يكون منطلق تحصين أهداف الثورة من الردة والعودة على الأعقاب، غير أن الحديث عن تملك مقاصد إنسانية الفرد وإحداث مراد التغيير الذي به يكون رفعة المجتمع، يقتضي للثورة أن توازي تأثيرها المتعدد ليتجاوز حدوده السياسية فيكون له أثر التغيير على باقي الأبعاد البناءة لمسالك التغيير المجتمعي.

إن قيام كيان مجتمعي متأصل في هويته، معلٍ لشأنها ومستوعب لرهانات النهضة الإنسانية وتحقيق الرقي بما هو مناعة سياسية واقتصادية ومجتمعية، يقتضي للبعد الفكري والثقافي لهذا الكيان أن يكون له فعله وتأثيره، له ثوابته ومرتكزاته، جامع للمحصلة الإنسانية في هذا المجال. إن تشكل الهوية الفكرية والثقافية لمجتمع ما قد يكون في مراحل زمنية ظرفية وربما لمقتضيات سياسية أو استعمارية مباشرة أو خلافها، غير متجذرة ضمن ثوابت المجتمع ذاته، مغتربة عنه فلا يكون لها دورها الأساس كحاضنة لفسيفساء التنوع المجتمعي، معزولة عنه وبالتالي لا يتحقق لها التأثير الحقيقي فيه، بل إنها قد تؤسس لمنطق الإقصاء الفكري المخالف وبالتالي خلق خلل مجتمعي مبني على الغربة القيمية، وإن ما انفصلت المحصلة الفكرية والثقافية عن موجب الإفراز المجتمعي، إلّا وتأسس مشكل التأثير والتأثر الضروري لتثبيت هذه القيم المجتمعية والدافعة للارتقاء بها ضمن تجانس مستوعب لطبيعة الاختلاف والتنوع.

سمحت الثورة للجميع أن يحدد فعله ضمن المساحات المشروعة والمتاحة، والفضاء الفكري والثقافي من أهم ما يمكن لأي جهة كانت أن يكون لها فيه فعلها وتأثيرها خارج منطق التوظيف أو الارتهان لغير منطلقات وثوابت المجتمع وتطلعاته. وبالحديث عن الثورة التونسية، نجدها حققت أقدارا مهمة من التغيير على مستوى الفهم والممارسة للحياة السياسية، ومتّنت هذا التغيير بجملة من المؤسسات والهيئات ودستور يرعى الحقوق والحريات كمبادئ يجتمع حولها التونسيون، حتى ما عبرت عنه النخبة السياسية بدايات الثورة من خلافات وصراعات أيديولوجية هووية استوعبها الدستور وحسم الخلاف حولها، غير أن الالتفات للفعل الثقافي والفكري والانتباه له لم يكن بمستوى تطلعات الثورة لما تحتاجه من ترسيخ لمبادئها وأهدافها ولما تبحث عنه للارتقاء بمستوى الوعي الجمعي.

وقد عبّر الإنتاج الثقافي والفكري حينها عن شدة التجاذب والاحتقاني الأيديولوجي ليصبح دواة للتوظيف ولممارسة سلطة المثقف في غير موضعها، وهو ما انعكس عليه من ناحية القيمة وعلى مستوى الحصانة الضروري التي وجب فرضها من قبل المثقفين والمفكرين حتى يلعبوا دورهم الريادي والنخبوي بعيدا عن أطر التجاذب السياسي والتوظيف.

لقد أصبح المجال الفكري والثقافي آخر ما يمكن أن يعبر عن معنى الرقي والمعرفة الإنسانية، فتبلد حديثه وانفصل عن الواقع حتى تحدث بغير عباراته ولم يحدث المرجوّ منه بأن دفع النخب من السياسيين والفاعلين ليسوقوا قاطرة التغيير المجتمعي ويعلو قيمته.

من الطبيعي أن يكون حراك ما بعد الثورة يغلب عليه الفعل السياسي ويصب اهتمامه على الحراك الاجتماعي وبلورة الخيارات الاقتصادية للخروج من الأزمات المتلاحقة، وكل تطلعات المرصودة من النخبة السياسية يبعد اتجاهها عن الاهتمام بالفعل الثقافي والفكري وحاجة الثورة ذاتها له، فلا ما يقدمه وما يحققه قادر على تقديم إجابات حول الرهانات المطروحة، والمسؤولية اليوم مطروحة على النخب المثقفة لتفرض الاهتمام حول مشاغلها وهواجسها، وتلعب دورها في تحصين الثورة وتركيز ثوابتها وأهدافها.

المثقفون والمفكرون عماد أي تحول مجتمعي وهم حصانته، حتى وإن كانت معالم هذا التحول سياسية وتبرز في مدى رفاهية المجتمع وعمرانه فإن دورهم يتجاوز ذلك ليعلوا من القيم التي تجمّع وتحقق الاهتمام بالمستقبل وتنقي المفاهيم السائدة من شوائبها البالية. والعالم اليوم يعيش نهضة ‘ما بعد الحداثة’ لن ننخرط فيها إلا بصفوة المفكرين والمثقفين المستشعرين لمسؤوليتهم ودورهم الريادي. وإن رقي أمة كانت ارتبط وما يزال بقضايا مثقفيه ومفكريه، وما بناء حضارة إلا تدافع أفكار وحراك ثقافي  تتجاوز فيه اهتمامات المثقف رهانات حاضره لتلقي بالمجتمع وقضاياه نحو المستقبل.

إن رهانات المرحلة الحالية غالبت الفعل السياسي ضرورة على أي فعل آخر له أن يؤسس لمشروع نهضة المجتمع، إلا أن منطق المسؤولية يقتضي أن ندفع في اتجاه التأسيس لحراك فكري وثقافي جامع هو استثمار حقيقي لموجبات الرقي المجتمعي. إن نجاح الثورة ومنطقها في التغيير والتأسيس للمستقبل هو كمال توازن فعلها وتنوعه في مجالات البناء المجتمعي، وإن كان الفعل السياسي بدعائم الممارسة الديمقراطية في كنف الحرية أولى المطالب التي تحققت للثورة، فإن الفكر والثقافة هو الحصن الذي تأوي إليه لتحمي أهدافها وترسخها حاضرا ومستقبلا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد