ليس الظاهر عندي ستارًا لا حياة فيه. إنه الحياة والفعالية ذاتها. إنها الحياة التي تسخر من ذاتها كي توهمني أن لا وجود إلا للمظاهر. – نيتشه.

أوليست الواجهة ثقافة؟

إن الواجهة في هذا السياق، لا تحيل إلى «مجرد» صورة مدركة بصريًا، كما لا تشير إلى بنية فوقية تحددها بنية أخرى تحتية. أي أنها ليست بنية فوقية ومنتوجًا انعكاسيًا للقاعدة الاقتصادية، فحسب. إنها ثقافة.

لاستكناه فحوى هذه الديباجة والغوص في ثنايا معاني السؤال، الذي بين يدينا، يكفي أن نستحضر المكانة الرمزية لغرفة الضيافة أو كما تسمى في المغرب بـ«الصالون»، وأهميته في المنزل (أو الدار) أو كل تصميم هندسي وموقعه في الدار بالنسبة للإنسان المغربي عمومًا والأسرة المغربية على وجه التحديد.

يقع الصالون عادة بالقرب من الباب، باب الدار. إنه أقرب مجال للباب. إنه يقع في الواجهة مباشرة، إن لم يكن هو الواجهة ذاتها. ولهذا أهمية قصوى في هذا الباب. غير أن تلك الأهمية لا تقتصر ولا تتوقف على القرب الفيزيقي والمادي من المدخل. وإنما تتعداه إلى ما تحمله من دلالة ومعنى. هل يمكن تصور منزل مغربي بلا صالون؟

يتعذر علينا أن نجيب بالإثبات على هذا السؤال. لماذا؟

إن الصالون بمعنى ما هو صالون الضيف، صالون العالم الخارجي. نعم، هو صالون الضيف: صالون البراني. إنه معمل ومصنع لصناعة الصورة لدى الغير. لكنه، وإن كان مخصصًا له (للغير) فهو ليس من أجله (من أجل البراني)، وإنما من أجل تجميل صورة الجواني: الأسرة.

في حضور الضيوف تتحول الدار إلى مسرح للمسرحة. يأخذ الصالون خشبة الاستعراض، قواعد المسرحة فيها محددة اجتماعيًا بشكل قبلي، في حين يشكل المطبخ كواليس عملية المسرحة، بحيث يتم فيه طبخ تلك العملية طبخًا لكي يتم عرضها على مسرح الصالون على أتم وجه. وذلك أن النجاح في عملية المسرحة يعتمد بشكل كبير على مدى التزام الممثلين وما وراءهم في الكواليس بالقواعد الاجتماعية المحركة لأدوارهم.

لا نحتاج هنا أن نستحضر القيمة الجمالية والتجميلية التي تعنى بها الأسرة عمومًا، خاصة النساء منها، من تأثيث وتصميم مادي (الشيء الذي ولد سوقًا استهلاكية خاصة بتجهيز وتأثيث الصالونات وفقًا لموديلات)، وما يتطلب ذلك من إمكانات مادية قد تفوق في غالب الأحيان الإمكانات المادية المخصصة لباقي مجالات المنزل: المرحاض، غرفة النوم.. وغيرها من مجالات المنزل، من ناحية. وقد تفوق الدخل المادي العام للأسرة، من ناحية أخرى. لكي نبرز أهمية الصالون بما هو واجهة من جهة، ومدى كثافة حضور الواجهة في سلوكات الإنسان المغربي من جهة ثانية.

هذا الدور الجمالي والتجميلي للصالون، يجعل منه صالون تجميل. مثله في ذلك، مثل صالونات الحلاقة والتجميل، وكمختلف مجالات المدينة: من واجهات المنازل إلى واجهات المدن. إن المدينة هي واجهتها.

لعله من نافل القول اليوم، إن الواجهة تلعب دورًا مركزيًا في تصميم وتخطيط المدن: في سياسات المدن. إذا كان لكل بيت واجهته ومدخله فإن للمدينة المغربية، وغيرها من المدن، واجهاتها ومداخلها. لهذا، يمكن لأي زائر ومستعمل للمدن في المغرب (وغير المغرب)، أول ما يلاحظ في زيارته واستعماله لإحدى تلك المدن، الاهتمام الكبير بجمالية المداخل من شوارع، بنايات «زجاجية»، مؤسسات، تشجير، بستنة وأضواء ملونة… وعي من مخططي ومصممي المدن، وقبلهم الساسة والسلط المحلية والجهوية بالمكانة التي تحتلها تلك المداخل كواجهات في صناعة صورة هذه المدينة أو تلك، إن لم نقل هذه السلطة أو تلك، أو بعبارة أخرى لهذا الواقع أو ذاك.

وبناء على ما سبق، يغدو أن الواجهة، بما تكتنفه من مكانة وقيمة (مادية ورمزية) عليا ومركزية في الحياة اليومية (واليومي) للمغربي وللإنسان المعاصر عمومًا، لم تعد «مجرد» صورة وانعكاس للواقع المادي والمعيش. بل صارت هي ذلك الواقع وتلك الحياة المعيشة. لقد أصبحت الواجهة محركًا لشعلة الحياة (والموت كذلك) الإنسانية. بل، ربما أصبح الإنسان المعاصر هو أساسًا إنسان الواجهة. نعم هي ثقافة. ليست بثقافة العين أو بثقافة الأذن أو ثقافة الأنف حتى، إنها ثقافة الوجه. ولو أردنا أن نستدعي عبارة نيتشه في هذا السياق لقلنا: «ليست الواجهة عندي ستارًا لا حياة فيه. إنها الحياة والفعالية ذاتها. إنها الحياة التي تسخر من ذاتها كي توهمني أن لا وجود إلا للواجهة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اجتماع, ثقافة, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد