لو أردْنا أن نغوص في المجتمع العربي اليوم لوجدناه لا يقرأ كثيرًا ولا ينمي روح المطالعة، وأود أن أشير إلى بعض الأسباب الّتي جعلتْ القراءة عاملاً طاردًا للشباب، لا جاذبًا لهم، فأهمّها: الثقافة الاجتماعيّة الّتي ليس في قاموسها فكرة: أنّ القراءة مثل الخبز والماء لا يُمكن الاستغناء عنها. هذه الفكرة أشدّ وضوحًا وتطبيقًا في الغرب فأضحت تقليدًا، وعصب الحياة في عاداتهم الثقافية والاجتماعية إنّها إذًا ثقافة مجتمع.

 نحن نحمل – في الأعمّ الأغلب – ثقافة مُغايرة، ثقافة: وماذا سأستفيدُ لو فتحتُ كتابًا؟ ماذا ستستفيد؟ بل قل لي: ماذا ستخسر لو فتحتَ كتابًا؟

المُلهيات هذه الأيّام كثيرة، والتّحدّيات أكثر، وحينَ تصبح ثقافة تنشئة النّشء والجيل على القراءة مثل تنشئتهم على الطّعام والشّراب، حينئذٍ سنصبح قادة؛ ومِمّا لا شكّ فيه، أنّ القادة هم القُرّاء؛ اقرأ تكنْ قائدًا؛ فالقراءة مصباح الدّجى، ومنارة الطّريق، وهادية الظّلمات!

لا أدري إن كان يصح وصف الموضة لما يجري مؤخرا مع فعل حساس كالقراءة، ولا أدري إن كان هذا الوصف يصب فعلًا في سياقه السلبي، كما يروج له بعض المتشائمين، لكن مواقع التواصل الاجتماعي قد برهجت الأمر بشكل مبالغ فيه حتى بدا وكأن تحديات القراءة، والترشيحات، والقوائم الشهرية، والسنوية، وتظاهرات تبادل الكتب قد وضعت الأمر في شكليات أفقدت الفعل المغزى منه.

في نظري، أن هذه الموجة ليست سلبية تمامًا، كما أنها ليست حقيقية تمامًا، خاصة مع ظاهرة القرصنة، وتوفر النسخ الإلكترونية لعناوين محلية وعالمية في شتى المجالات، فأنا أؤمن أن نصيبنا من بحر المعرفة ليس متساويًا، وأن حاجاتنا وغاياتنا في الورود منه مختلفة بالضرورة، كما أن بلوغ كل منا لحد معين من عمق هذا البحر لا يخول لأحد بالحكم على غيره كقارئ ذي مستوى أدنى أو أعلى أو سوى ذلك.

كما أن قراء دوستويفسكي، ونابوكوف، وكافكا، ونيتشه، وجورج أورويل، ليسوا بالقراء العميقين بالضرورة، الذين لا يعلى على آرائهم شيء/ أحد.. فليس من حقهم أن يسكبوا النمط الذي تقمصوه – بحكم قراءاتهم – على جميع الظواهر المجتمعية والنفسية في البيئة المحلية، رغم البعد الجغرافي والثقافي.. فالأسماء لا تفرض الأفكار، لكن العكس صحيح.

أما بالنسبة لمن يسبح بحمد كارل ماركس، ومالكوم إكس، وبلزاك، وعزت علي بيجوفيتش، فليسوا بالنخبة حتمًا.

الشيء الأهم من كل التصنيفات السابقة، ومن الأسماء، وأي كتاب حصل على الجائزة الفلانية، والآخر الذي تصدر قائمة الموقع الفلاني، هو الزبدة.. زبدة قراءتك، لكتاب قد ينبذه الجميع، لكنك تجده/ يجدك.

ماذا فعل بك هذا الكتاب؟ ماذا فعلت به؟ هل نفض الغبار عنك؟ هل هزّك؟ هل جعل المطر يتساقط من أطرافك؟ هل ذكرك بشيء منسي داخك؟ هل زرع شتلة في قلبك؟ هل أصلح خارطتك؟

ستسأل، كيف أصل إلى هذا الكتاب؟ أين أجده؟ وسط هذا الكم الهائل، والفوضى البصرية التي تخلقها العناوين الكثيرة، وجيش الكتاب ذو الياقات الأنيقة، والوجوه المبتسمة، والعطور الفاخرة.. الكل يعتقد أنه الأفضل، وأن الآخر على ضلال.. الكل يعرض بضاعته الفكرية، وهذا القارئ الفتي المسكين ضائع في متاهة.

نصيحتي إليك، إقرأ ذات اليمين وذات الشمال، وصم أذنيك عن كل ما يقال، وتنزه بنفسك عن الدخول في حرب التراشقات إياها.. فالوصول إلى مرتبة القارئ الإنتقائي لا تتأتى فجأة، ولا بسهولة.. لكن بتراكم الخبرات، والقراءات، والخيارات السيئة أولا، والتأمل الضروري عند كل كلمة مجنحة، أو فكرة زائغة.. أو حقيقة مخفية.. أو نظرة مستشرفة.

في مضمار القراءة، ليس علينا أن نتسابق أو نتراشق الاتهامات والأوصاف المشينة، لكن علينا أن نتعاون ونتظافر لنصل/ لتصل بنا القراءة إلى الهدف المنشود وهو بناء مجتمع يعيش فيه الرأي والرأي الآخر دون أن يصطدما، بل ليشكلا دعامة سقف ثقافي متين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

#سينما, أدب, ثقافة, فن

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد