نقاش محموم وجدل واسع خلقه الدعم الاستثنائي الذي خصصته وزارة الثقافة المغربية لتشجيع المشاريع الثقافية والفنية في زمن جائحة كورونا الذي أحكم سطوته على مفاصل الحياة كافة، والمجال الفني ليس استثناءً. هذا الدعم انقسم بشأنه رواد مواقع التواصل الاجتماعي بين من اعتبره «ريعًا وسخاء» غير مبرر، خاصة أنه يأتي في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، وبين فئة تتساءل حول جدوى دعم مشاريع فنية في ظل توقف النشاط الثقافي والمهرجانات.

انتهاج وزارة الثقافة سياسة الشفافية وعرض طلبات عروض المشاريع التي استفادت من الدعم على بوابة الوزارة الإلكترونية. أثار غضب كثيرين، من بينهم فنانون لم ترد أسماؤهم ضمن قائمة المستفيدين، مطالبين الوزارة الوصية بالكشف عن المعايير المعتمدة في انتقاء أسماء فنانين دون غيرهم. يتساءلون: لماذا لا تعمد الوزارة إلى كشف المشاريع الفنية والترويج لها، لإطلاع الجمهور الواسع وعليها، وبالتالي درءًا لكل الشبهات.. من بين هؤلاء الفنانين هناك لطيفة رأفت التي وجهت انتقادًا حادًا لوزير الثقافة عثمان الفردوس حول المعايير المعتمدة، وكذا ما مصير الأغاني التي استفاد أصحابها من الدعم، «أين هي الأغاني؟ أريد أن أسمعها كلها».

وأضافت أنها أقصيت من مجموعة المهرجانات بسبب مواقفها إثر «حملة المقاطعة» سنة 2018 التي تبناها عدد كبير من النشطاء في حق شركات الغاز، والمياه، والحليب… بهذا المعنى ترمي الفنانة لطيفة رأفت عدم ورود اسمها، سواء في لائحة الدعم الاستثنائي موضوع الجدل، أو إحيائها المهرجانات التي كانت تتسابق على الفنانة قبل سنة 2018، إلى مرده سياسي لا علاقة له بالفن.

وللهروب من براثن الشبهات الاستفادة من المال العام ودافعي الضرائب، فنانون رفعوا الراية البيضاء أمام موجة الانتقاد «الفيسبوكي»، منهم نعمان لحلو الذي تنازل عن الدعم، مطالبًا تحويله إلى صندوق «كوفيد-19» على ذات المنوال، سار سعيد موسكير وآخرون.

ما حوٓل الجدل من نقاشه الافتراضي إلى خلاف بين الفنانين أنفسهم الذين أنهم بعضهم الآخر بالشعبوية والركوب على موجة النقد لتلميع الصورة ورفع أسهمهم على حساب فئة أخرى.

إن هذه الأزمة إذا صحٓ لنا تسميتها هكذا، هي غيض من فيض فالقطاع يعاني اختلالات بالجملة والمبلغ الهزيل المخصص من وزارة الثقافة لفائدة المجال الثقافي بصفة عامة في ذروة الجائحة هو تقزيم وحجر على حق الفنان في العيش الكريم، أو لا، وخلق مناخ مساعد على تدوير ماكينة الإنتاج الفني المتوقف لأكثر من سبعة أشهر.

إذا كنا نتحدث عن فنانين معلومين لدى غالبية المغاربة. ما مصير البقية؟ فناني الشوارع وفناني الأعراس والحفلات الصغيرة والمتوسطة في الأحياء الشعبية؟. لقد دفعتهم الجائحة وتداعياتها إلى سلك طريق البيع، بيع آلاتهم الموسيقية، وهناك من عرض أثاث منزله للبيع لعله يوفر له لقمة عيشه.

إن وضعنا في الاعتبار أن الدعم هو أساسًا مباراة للمشاريع تتنافس على حظها في الاستفادة، لماذا يثار هذا النقاش الآن؟ خاصة أنه يصرف منذ زمن طويل.. الحقيقة هي أن من يستفيد من الدعم وتوقيته المتزامن والظروف الصعبة على أبناء القطاع وكل المغاربة على اعتبار أن كورونا مس الغالبية العظمى.

لا يمكن تناسي أن الفنان مواطن أساسًا له حاجيات أولويات، وعليه فالوزارة معنية بوضع إطار قانوني لبطاقة الفنان في الواسع المتماهي ومكانته داخل المجتمع، وكذا مع المتطلبات الاجتماعية والاقتصادية. فكثير من الفنانين الرواد يعيشون اليوم أزمة وضائقة ووضعوا في خانة النسيان. قليلون هم من يحظون بعناية خاصة في أرقى الحالات.

للأسف سقط نقاش الدعم الاستثنائي في خانة الشعبوية والسطحية والمنسباتية. حيث لا يكشف حقيقة عمق أزمة القطاع الذي تتنازعه لفترة طويلة تيارات ونقابات لاتبحث عن مصلحة الفنان ورد الاعتبار المعنوي والرمزي له.

إن للفنان مكانة متميزة داخل المجتمعات «الثقافية» أي التي توليها اهتمام. إذ لا يمكن تصور مجتمع دون ثقافة وفن، خصوصًا أنهما وسيلتان لتهذيب النفس وبناء الوعي المجتمعي وبناء الإنسان. كما أنه مرآة المجتمع. لمعرفة أي دولة رهين بالإطلاع على ثقافتها وفنٓها.

إن النقاش اليوم الذي جُنح به إلى «الخبز» الأول والفن من الكماليات، ما هو إلا فزاعة شعبوية لا تستقيم، وحياة البشر التي يروي الفن ظمأها.

صحيح «الخبز» أساس العيش، بيد أن الفن ضروري لحياة متوازنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد