إنّ السلام هو السلاح الأخضر، صديق الأرض والإنسان، هو القوة الأكثر فتكاً لكل قوى الشر، هو المفهوم الذي يمتدّ لكل جوانب حياتنا، كمقرر للاستقرار الذي تتطلّبه سلامة البناء المجتمعي والثقافي والاقتصادي والسياسي، وكبديلِ عن العنف والإرهاب والحرب، فكيف نؤسس لبناء السلام في عقول الرجال والنساء؟

إن ثقافة السلام تتألف من القيم، والمواقف وأنماط السلوك وطرق الحياة المعتمدة على اللاعنف واحترام الحقوق والحريات الأساسية لكل إنسان، وفي ثقافة السلام لا تستمد القوة من فوهات البنادق وراجمات الصواريخ، بل من المشاركة والحوار والتعاون، وإن ثقافة السلام هي رفض العنف بكافة أشكاله، العنف الفكري والجسدي والجنسي والنفسي والاقتصادي والاجتماعي، بما في ذلك الحرب وثقافة الحرب. وتنص ثقافة السلام على احترام الحياة الفردية، العدالة، التسامح، والمساواة بين الرجل والمرأة، واستخدام التفاهم والحوار طريقاً لتسوية وإنهاء النزاعات.

ولقد ظهر مصطلح (ثقافة السلام) في نهاية القرن العشرين في أدبيات الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو. ولقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين اهتماماً كبيراً من قبل اليونسكو، والأمم المتحدة بأمر ثقافة السلام، وصناعة السلام وحراسة السلام.

والسلام لا يمكن فرضه من الخارج، إنها عملية تتشكّل من معتقدات وتصرفات الناس أنفسهم، وتتطور بشكل مختلف في كل بلد، حسب تاريخها وثقافتها وهويتها، والسلام كمصدر قوة للشعوب لابد أن تأتي من الداخل، وتظل الأمم في حالة تهديد مستمر لاستقرارها طالما أن مصدر قوتها يأتي من الخارج.

وعلى الأنظمة السياسية  أن تدعم رعاة وخدّام السلام الذين يعملون على نشر ثقافة السلام في المجتمع ويروّجون لمضارّ العنف والتطرف عبر الإعلام، والعمل على إشراك الشباب في التعبير عن قضاياهم وتمكينهم اجتماعياً وسياسياً وتثقيفهم حول صناعة مستقبل آمن، بُغية التضييق على جهود الجماعات الإرهابية التي تروّج للتطرف عبر وسائل الإعلام، وتستقطب خلالها الشباب، لاسيما من يشعر منهم بالتهميش داخل الدولة ويفتقد الشعور بمعاني المواطنة، بالإضافة للشعور بخلل القيمة الذاتية جرّاء اعتقاد بانتقاصِ أو سلبِ أو تهميشِ بعض حقوقه، فالمَهمّة جدُ مُهمة وضرورة لاستقرار وازدهار المجتمعات وهذا يأتي في ظلّ شراكة اتصالية وتعاون دائم بين مؤسسات السلام وحقوق الإنسان والأنظمة السياسية والعاملين في سلك الإعلام.

من الصعب أن نتحدّث عن السلام في علاقتنا مع دول “حكومات وشعوب” إذا كنّا نحن في داخل الدولة نفتقر لملامح السلام، ونشهد تنامياً لثقافة الانقسام والعنف لدى الأجيال المختلفة، ولدى سياسات الحكومة تجاه المواطنين، لذلك يجب أن نتمتع بواقع السلام ونرتوي به أولاً، وأن نفهم أصله الفلسفي والاجتماعي، ثم نقرره في مناهجنا وسياساتنا وعلاقتنا مع الآخر في نفس الدولة، ثم يصبح جزءا من عقيدة المواطن، ثم بعدها يمكننا أن نُصدّره ونعتمده منهجاً وسياسة في التعامل مع الدول الأخرى”السلام الدولي”.

من طرائق تعزيز واقع السلام المحلي اعتماد برامج التعليم من أجل السلام، في التعليم الديني بالبحث عن رسائل السلام في كل دين، وفي التاريخ بدراسة أمثلة هامة حول اللاعنف وبناء السلام، وفي الجغرافيا بدراسة الضرر الناتج عن الاعتداء على الأرض وتشوه العلاقات الاجتماعية واغتصاب الحقوق، وفي العلوم مثل طرح أسئلة حول الاحتياجات الإنسانية والمسئولية العلمية، وفي الأدب بقراءة وتحليل الأدب المكتوب حول السلام والنزاع.

إنّ السلام يُعد مصدر قوة لا يُستهان بها، حيث تسقط كل احتمالات ونداءات الحرب والعنف أمامها، هذا عند حالة التوافق العام داخل الدولة على خيار السلام، وعند رفعك لخيار السلام مع عدوٍ يحمل خيار الحرب، يتوقف ولا يمكنه أن يتقدّم خطوة، كونها لم تعد تصبح حرباً بالتقاليد المعروفة، رصاص مقابل رصاص، وإن المجتمع الدولي لا يمكنه أن ينتقد دعاة السلام، بل يجب عليه الوقوف إلى جانبهم، على أساس حقوق الإنسان، وتحقيق المطالب المشروعة  بالقانون، وخيار السلام لا يعني السكوت أو الصمت، بل إن خيار السلام مفتوح للتعبير دائماُ عن المطالبة بالحقوق التي تعرّضت للاغتصاب والسلب، ومنها ما يُعرف بـ”الساتياغراها” المقاومة اللاعنفية أو المقاومة السلمية.

ومسيرة بلعين الأسبوعية في فلسطين برام الله مثال على ذلك، وأيضاً المقاطعة، فحملة مقاطعة المنتجات الإسرائيلية “BDS” مؤخراً جعلت إسرائيل تُعيد النظر في التعامل معها حيث أنها امتدت إلى اتحاد الطلبة البريطاني، الأمر الذي أثار قلق إسرائيل، وأيضاً الإضراب عن الطعام داخل السجون للمعتقلين الإداريين، والاعتصامات والاحتجاجات والمرابطة، و يؤخذ في الحسبان اختلاف الظروف السياسية والثقافية، وكلها وسائل للتصدّي للعنف باللاعنف وللإرهاب باللإرهاب،  واللاعنف ليس هو الاستسلام والضعف كما يتخيل البعض بل هو كل القوة إذا أمن بها من يستخدمها، وقد قال غاندي تعقيباً على سياسة اللاعنف: “إن اللاعنف هو أعظم قوة متوفرة للبشرية، إنها أقوي من أقوي سلاح دمار صنعته براعة الإنسان”.

ينجح اللاعنف وبقوة في تحقيق الأهداف عندما يمارسه القادرون على استخدام العنف، حينها تفكر كل الأطراف في تغيير سياساتها تجاه القائم على اللاعنف. وإن اللجوء لخيار الحرب ضد أي طرفٍ من الأطراف، قد يُستخدم كدليل في تبرير أعمال الاضطهاد والقتل التي تكون كردّة فعل.

فيما يخص الوضع القائم في فلسطين المحتلة، فإننا لاحظنا وبعد سنواتٍ من الكفاح المسلّح  نجاحاً في إحقاق الحقوق أحياناً، وإخفاقاً في أحيان أخرى، وإن اختلاف الأيديولوجيات الحركية والسياسات المعلنة للأحزاب السياسية والمتعدّدة داخل فلسطين، لم يكن سبباً في تحقيق توافق وطني لتحديد رؤية إستراتيجية للتعامل مع إسرائيل ككيان مغتصب، بل وصلنا لحالٍ مؤسف جداً لاسيما بعد أحداث حزيران 2007م بغزة، والذي تمثّل فيما بعد بانقسامٍ سياسي بين مكونات الشعب الواحد، ثم تفكك النسيج الاجتماعي إلى حدٍ خطير وصولاً لتدهور رأس المال الاجتماعي، ثم إرهاصات على انقسام جغرافي أسوأ ما تعرّضت له الأرض على مدار السنوات الماضية، وكل هذا لطفو مصالح حزبية وشخصية على المصلحة العامة، ولأن الخيار السياسي الذي تعتمده أحزاب معينة لم يتقابل أو يتكامل مع الخيار العسكري الذي ترفعه أحزاب أخرى، بل كان تعارضاً وانتقاداً متبادلاً، وحالة من التجاذبات الإعلامية والتحريض، والتي هي أشبه بالحرب الباردة بين الأحزاب السياسية.

وقد كتب الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأكيداً منه على التكامل المفترض بين العمل السياسي والعسكري، في كتابه  “مباحثات السلام الفلسطينية – الإسرائيلية”: “العمل السياسي يسير في خط، والكفاح المسلح يسير في نفس الخط، والانتفاضة تسير في نفس الخط (..)، عندما يتحدثون عن الكفاح المسلح أنه هو البديل، أو الانتفاضة هي البديل، إن الكفاح المسلح هو الرديف والانتفاضة هي الرديف”. ولقد اختار الرئيس محمود عباس الخيار السلمي مع إسرائيل، ونهج التفاوض من أجل استعادة الحقوق، حيث يؤكد بأن الجلوس على طاولة التفاوض منذ البداية جعل لفلسطين حضور ومكانة، بعد أن كان التفاوض عبر وسيط دون ذكر اسمنا. وقاد الرئيس الخطوة السلمية الأكبر في التقدّم للجمعية العامة للأمم المتحدة بطلب عضوية لدولة فلسطين في 29 نوفمبر/ 2012، ونجح في ذلك في ثاني محاولة، وهذا ما مكّنه أيضاً من الانضمام لهيئات ومنظمات عالمية.

كان اقتراحي بإسقاط السلاح لمدة يمكنها أن تمتد لستين عاماً، الوقت الذي كان كفيلاً ببناء إسرائيل وامتلاكها ملامح الدولة الحقيقية، وفي نطاق هذه المدة الزمنية على جميع الأطراف الفلسطينية التوافق عبر طاولةٍ واحدة مستديرة، حول البدء بالبناء الحقيقي للمجتمع من الداخل، وإعادة النظر في منظومة التعليم والصحة والاقتصاد والسياسة، وأي انتهاك إسرائيلي في هذه الفترة تقابله قوة أممية متواجدة لحفظ السلام باتفاق مع الأمم المتحدة. ولا أحد يستطيع الآن إنكار قسوة المشهد الفلسطيني من تفكك وتشتت وضياع وانقسام، ولا أحد أيضاً لديه منظور لما ستئول إليه هذه الوقائع فيما بعد، وما هو شكل الخطر الذي يداهمنا أو ينتظرنا، لذا علينا تحويل التنافس العنيف إلى تعاون مثمر لتحقيق الأهداف. وعلى جميع الأطراف وعلى رأسها فتح وحماس أن تعيا جيداً أن مجتمع منقسم ومفكك لا يمكنه أن يتقدّم خطوة واحدة على صعيد البناء والتحرير، فأي الخيارات نختار؟

إن ملامح الدولة الحقيقية لن تكتمل إلا إذا توافق الكل الوطني حول موقف موحد ومتكامل تجاه عدوه الداخلي والخارجي، مجتمع متضامن متماسك من الداخل، يعمل فيه النخب والتنويريين معاً مسخّرين اختلافاتهم وتعدديتهم في تكوين مستقبل أفضل للأجيال. بالإضافة لحركة المساهمين النشطين في مجالات القانون وحقوق الإنسان والأدباء والصحافيين والمثقفين والعلماء والفنيين والأطباء من خلال اختصاصاتهم وقدراتهم ومنتجاتهم الوطنية المخلصة. واضعين حلاً للنزاع أو العنف عبر التفكير في التفاهم والحوار، وحلاً للقوة والغلو فيها عبر التفكير في تحكيم العقل.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السلام
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!