إذا كنتَ واحدًا من هؤلاء الذين لا يمكنهم مقاومة نظرة بريئة من طفل يتوارى عنك، وقد ارتكب ما يستحق التّأنيب، أو كنت ممّن يتأمّل باحثًا عن السرّ الكامن وراء شعورنا المفعم بالشّفقة تجاه هذه المخلوقات اللّطيفة المسمّاة بالأطفال، أو كنت ممّن يقضي جلّ وقت فراغه في مداعبتهم وملاطفتهم وتنشئتهم، فأنت إذن ولا شكّ من البقيّة الباقية.

أجل، ففي زماننا هذا ما يزال بقية من البشر يمارسون تلك العادات القديمة قِدم الإنسان على هذا الكوكب، من قبيل عادة الزّواج الطّبيعي المتبوع بالإنجاب الطّبيعيّ لأبٍ معلوم الهويّة، سليل آباء آخرين بأسمائهم المعروفة هم كذلك.

لا شكّ أنّ الميل عن الحقّ عمومًا وعن مقتضيات الفطرة السّليمة خصوصًا هو سمةٌ قديمةٌ تخلّلت أممًا وحضاراتٍ سبقتنا، ولا أدلّ على ذلك من مجادلة الأنبياء أقوامَهم في مواضيع تخصّ الانحراف الأخلاقيّ بالذّات.

فنجد مثلًا أنّ لوطًا عليه السّلام مكث بين ظهراني قومٍ ابتدعوا فيما بينهم ممارسات لم تكن موجودةً من قبل: «وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ»

والسبق هنا يفيد التّجديد في خصلة أساسية من خصال البشرية، وفي غريزةٍ هي سبب ديمومتها.

فإذا أردنا قياس نجاعة هذا التجديد الطارئ الذي أضافه قوم لوطٍ على مألوف البشر حينها، فلا بدّ من تخيّل عواقب تعميمه بحيث يكون من حقّ كلّ رجلٍ أن ينصرف إلى رجل آخر، ومن ثَمّ رصدُ نتائجِ هذا التّعميم، ومعلومٌ ما ستؤول إليه حال بني البشر من الانقراض عند ذلك.

وفي عصرنا الحاضر، طرأت مفاهيم جديدة تعكس انحدارًا خطيرًا على مستوى الفطرة البشريّة، إذ ظهرت أشكال مختلفة من العلاقات تتّفق من حيث النّتيجة على العزوف عن ثقافة الأسرة الفطريّة.

البشرية وانحرافات ما بعد الحداثة

مع شيوع الفوضى الأخلاقية على مستوى العلاقات، ومع حلول لغة الأرقام مقامَ لغة القيم، وفي ظلّ ندرة الدّوافع تجاه الالتزام الأسريّ، بات من الطبيعي جدًّا أن يصطدم وَعيُك يوميًّا بمقالات ونظريّات وفلسفات تبريريّة لكلّ ما يُصنّف كممارسة تناقض الفطرة السّليمة، وتهدم كيان منبتها الطّبيعيّ: الأسرة.

ولا يعني هذا بحالٍ أنّ المجتمعات والأفراد يمكثون في حالة سكون وانتظار، ريثما يجهز الإطار النظري لِما هم بصدده أصلًا من انحرافات يمارسونها على قدم وساق، ولكنّهم في الواقع يفتقرون إلى أُطر قانونيّة، أو تبريرات أخلاقيّة تحفظ لهم ماء وجوههم أمام مجتمعاتهم، أو ربّما حتّى أمام البقيّة الباقية من فطرتهم المتوارية هناك عميقًا من ذواتهم.

وهي بالضّبط المهمّة التي يتجرّد لها منظّرو تلك المجتمعات بوصفهم مفكّرين أو محلّلين مناصرين للفئات المظلومة، والحرّيّات المكبوتة، وما هم في نهاية المطاف إلّا نِتاجٌ لوعي هذه المجتمعات، يتأثّرون بثقافتها عمومًا، وبصيرورتها الأخلاقيّة على وجه الخصوص.

ولعلّ من أحدث نماذج التّحرر الجنسيّ التي يُسوَّق لها الآن على مستوى العالم، ما بات يُعرف بالغلمانية (اشتهاء الأطفال) أو البيدوفيليا.

والدّليل الأبرز الجاهز على الدّوام لمناصري أيّ انحراف من هذا القبيل هو أنّ طقوس المثلية الجنسية مثلًا باتت الآن محلّ ترحيب في كثير من الدّول، بل تحظى برعاية كنسيّة في كثير من الأحيان! فيما كان أصحابها من قبل يتعرّضون للأذى والاضطهاد الاجتماعيّ والدّينيّ، ما يعني أنّ أنصار البيدوفيليا مثلًا يُعدون أصحاب قضيّة محقّة يناضلون من أجلها، ويسلكون في سبيل ذلك الطّريق الصّحيح!

الفطرة البشريّة الظّمأى، والكلب هو الحل!

منذ زمنٍ بعيد، تعامل الإنسان مع الحيوانات، واستألفها ودجّنها وسخّرها لمصلحته، ولكن يبدو أن الفوضى الأخلاقيّة التي حلّت بالبشرية مؤخّرًا، أدّت إلى ضمور الفطرة الباعثة على تأسيس الأسرة والإنجاب، ما دفع بالكثير من النّاس إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والحيوان على أساسٍ جديدٍ من الأبوّة والبنوّة، بحيث شرع بعض النّاس باتّخاذ أبناء من الكلاب أو الهررة مكان أبناء من أصلابهم!

وإذا رأيت ذلك ضربًا من الهراء أو المبالغة فيكفي أن تلاحظ بإمعانٍ طريقة تعامل أحدهم رجلًا كان أم امرأة مع أليفه من عالم الحيوان، ستجد مثلًا رجلًا وامرأةً في عقدهما الرابع لم ينجبا بعد، وقد أحاطا جروَهما الصّغير من بني الكلاب بمنتهى العناية، ودلّعاه بأجمل الألقاب!

فإذا جاع ابتاعوا له أغلى اللّحوم، وإذا مرض تركوا مكاتبهم وأشغالهم ليصحبوه إلى الطّبيب البيطريّ، وإذا شعر بالملل أخذوه في نزهةٍ ولو في آخر اللّيل وقد بلغ منهم الإرهاق مبلغه، وإذا خاصمه أحدٌ من صغار بني البشر انتصروا للجرو، وعنّفوا الآدميّ الصّغير!

ولا يدفعنّك التّذاكي إلى أن تسرد عليّ النصوص الموجبة للرفق بالحيوان في ديننا الحنيف، وأنّ إيذاءَه من موجبات غضب الله تعالى وعقابه، فإنّك بهذا التّذاكي تذكّرني بإمام تلك الجنازة المشؤومة في خبر تداولته وسائل الإعلام التّركيّة منذ أيّام فقط، إذ هاجمت مجموعةٌ من الكلاب الشّاردة مراهقًا عائدًا من مدرسته ومزّقته وأنهت حياته وسط تركيا، ولكنّ قمّة التّراجيديا تمثّلت في جنازته عندما فقد المشيّعون صوابهم بعد أن بدأ الإمام موعظته بضرورة الرّفق بالحيوان!

قل لي بالله عليك، متى كان من العقل أن نُقيم الحيوان أليفًا كان أم متوحّشًا في مقام الكرامة والتّفضيل حيث جعل الله عمومَ بني آدمَ بِمؤمنهم وفاجرهم بقوله:«وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا»

ألا ترى معي بأنّ أصدق وصفٍ للزّوجين في المثال السّابق هو أنّهم قد اتّخذوا من الكلب ولدًا.

فما داموا يصرفون إليه ما تدفّق من صفو مشاعرهم الغريزيّة كالأبوّة والأمومة، وما داموا ينفحونه بلواعج العاطفة الملتهبة على الدّوام.

وما داموا يخصّون الكلب بكلّ ما سبق من حقّ وليدهم من نسلهم الذي حَرموا أنفسهم منه اختيارًا، فهم بالفعل قد اتّخذوا من الكلب ولدًا، وهل يمكن أن يُصنّف هذا إلّا في إطار الانتكاس الفطريّ الذي ابتليت به البشريّة التّائهة في زمننا هذا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العائلة, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد