تداول نشطاء فيسبوكيون مغاربة هذه الأيام قضية مقاطعة بعض المنتوجات الاستهلاكية الضرورية بسبب الزيادة في أثمانها، والتي أصبحت تثقل كاهل المواطن المغربي وقد لاقت هذه الحملة تجاوبًا منقطع النظير في المملكة المغربية، نظرًا لأنها تمس بشكل مباشر القدرة الشرائية لأغلب المغاربة الذين اكتووا بنار الزيادات منذ مدة طويلة دون رقيب. بدءًا بالموظفين الصغار وصولًا إلى المواد الأكثر استهلاكًا داخل البلاد. لكن قبل الخوض في تفاصيل هذه الخطوة التي أقدم عليها المغاربة الذين يعانون ويلات وأثر الزيادات. فهم يراهنون اليوم على مقاطعة بعض المواد الأساسية وهي: الحليب التابع لشركة مغربية فرنسية قررت الزيادة في ثمن نصف لتر من الحليب بعد أن كان ثمنه 3.5 ليصبح 4 دراهم. كما يقاطعون شركات تعليب الماء التي لا  تتوقف عن الزيادات أبدًا، وكذلك محطات التزود بالوقود.

المقاطعة هي قبل كل شيء ثقافة يجب أن تترسخ لدى جميع الشعوب والشعب المغربي على الخصوص، فلا يعقل أن تتم زيادة أسعار بعض المنتوجات الأكثر استهلاكًا دون مراعاة القدرة الشرائية للمواطن، فيكفي أن نتذكر واقعة حدثت قبل بضع سنوات حين استيقظ الشعب الأرجنتيني، صباح أحد الأيام، على زيادة في ثمن البيض دون سابق إنذار ليتوقف الشعب عن شراء البيض لعدم قدرته على أداء ثمنه، واضطر معه المنتجون إلى تخفيض ثمنه بعد أن امتلأت المخازن بالبيض، استغل المواطنون عدم توقف الدجاج عن إنتاج البيض يوميًا ليركعهم للثمن الذي يناسب المواطن المقهور. وقبل ذلك بسنوات عندما تمت زيادة بضع سنيمات في مادة الحليب بالجمهورية الفرنسية ليتوقف المواطنون الفرنسيون بشكل تلقائي عن استهلاكه وتعود الأثمنة إلى سابق عهدها في اليوم الموالي. 

على العموم فالمقاطعة الاقتصادية كما عرفها موقع ويكيبيديا هي عملية التوقف الطوعي للمستهلك عن استخدام أو شراء أو التعامل مع سلعة أو خدمة ما لجهة معينة تسيء أو تلحق الضرر به أو بغيره كشكل من أشكال الاستنكار أو الاعتراض.

المقاطعة تبقى ثقافة يجب أن تترسخ لدى المواطن، لأنها السلاح الوحيد الذي بات بإمكانه أن يجبر الشركات الجشعة على الرضوخ للمطالب العادلة للشعب. وكما أجبرت هذه المقاطعة شركات كبيرة على الاعتذار للمواطنين المضرورين من سياستها ها هي اليوم تجبر شركة الحليب في شخص مدير المشتريات لديها على الاعتذار للشعب بعد أن نعتهم بالخونة، نجاح المقاطعة في المملكة المغربية جاء بعد العديد من الاحتجاجت والمظاهرات التي خاضها الشعب، لكنها باءت بالفشل الذريع في أغلبها منها التظاهرات التي شهدتها الحسية في العام الماضي، عندما خرج الناس مطالبين بأبسط الحقوق لكن المخزن بذكائه الخبيث مكن من إقبار كل شيء بعد أن وصل المحتجون لنقطة اللاعودة، وبين عشية وضحاها بات رؤوس المظاهرات في المخافر معتقلين ومسجونين دون شفقة أو رحمة. 

هذه المرة فطن الشعب إلى ضعفه وعدم تكافؤ القوى مع الدولة، لكنه توحد في كلمة واحدة أن يحتج خلف شاشته الصغيرة، وقد بدأت النتائج تظهر من خلال بعض التقارير التي تشير لتراجع أسهم الشركات المقاطعة من طرف الشعب. فلتبدأ عزيزي المستهلك بنفسك وثم بمن حولك إلى أن تتسع دائرة الوعي بحقوق وواجبات حماية المستهلك، والتي تعتبر المقاطعة سلاحًا مشروعًا بيد المستهلك كما هو واضح من تصريحات بعض الوزراء والمحسوبين على الشراكات التي تمت مقاطعتها، لقد بلغت المقاطعة مرحلة حاسمة فما على المقاطعين إلا الاستمرار في مجهودهم حتى يتحقق المبتغى. 

سلاح الضعفاء هو المقاطعة، لهذا يجب استغلاله أحسن استغلال، فالجرائم التي ترتكبها الشركات الكبرى في حق المواطن الضعيف يجب أن تؤدي ثمنها بأضعاف مضاعفة، كيف يعقل أن تشتري شركات الحليب المادة الخام من الفلاح البسيط الحليب بثمن بخس لا يتعدى 2.5 درهم  وبعد أن تستخرج منه كل المشتقات تضيف له كمية كبيرة من الماء والمواد الحافظة وتبيعه للمواطن بضعف ثمنه الأصلي؟! إنه جشع ما بعده شجع. أما أسعار البترول، فالسوق العالمية تراجعت بأكثر من النصف، لكن ارتفعت الأثمنة بأكثر من النصف أليس هذا جشعًا أكبر.

المياه المعدنية التي لا دخل لأحد فيها، تباع بضعف ثمنها، مع أن ثمنها في بعض الدول التي تحترم مواطنيها هزيل مقارنة بما هو عندنا. ألا يستدعي هذا الأمر وقوفًا ولو لبرهة؟

المواطن تضاعفت معاناته بسبب الزيادات، ولا أحد يرحمه حتى جمعيات حماية المستهلك التي من واجبها الاصطفاف للطرف الضعيف، اختارت الصمت ولم تصدر أي بلاغ. لكن يبدو أنها تختار الطرف الرابح دائمًا كما هو الحال بالنسبة للعديد من السياسيين إلى درجة نعت أحدهم للمقاطعين بالمداويخ. كل ما أريد إيصاله هو مواصلة المقاطعة فقد بدأت تؤتي أكلها ويكفيني فخرًا أني من المداويخ الضعفاء الذين سيكتب عنهم التاريخ أنهم أجبروا شركات كبيرة  قوية على احترام شعب ضعيف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد