مقاربة سوسيو-ثقافية

لقد حرصت الحركة الصهيونية منذ بداية نشأتها على الإمساك بزمام الأمور حول المبادرة في شتّى المجالات، لكن التوجّه العربي العام اقتصر في جلّ اهتمامه على حصر جانب الصراع في البعدين العسكري والسياسي، في الوقت الذيّ غيّب عنصر مهم جدًّا في بلورة هذا الصراع ألا وهو الجانب الثقافي. ونحاول في هذا المقال مقاربة الصراع العربي الصهيوني من زاوية أخرى، هي الزاوية الثقافية للنظر إلى خصائص هذا الصراع على المستوى الفنّي والتاريخي. فنّيا لما يشكّله الفن من قوّة تأثير في الوجدان البشري والتاريخ لما يحمله من مصداقية ذاتية تؤثّر أيضًا في الإنسان.

قال الكاتب والروائي الإسرائيلي عاموس عوز قال في مقال نشرته له مجلة نيويرك تايمز: على مدار ألفي عام، عرف اليهود صورة القوة فقط في صورة ضربات السياط على أظهرنا. وعلى مدار العقود القليلة الماضية، كنا قادرين على استخدام القوة بأنفسنا، وهذه القوة، مرارًا وتكرارًا، أضرّتنا. ومن هذا الطرح تنجلي نوعًا ما الرؤية الصهيونية لكيفية المواجهة ثقافيًا حيث استلزمت الفكرة الصهيونية أن يتم استخدام الأدب والتاريخ لخدمة الهدف الدعائي للحركة الصهيونية، والتركيز على فكرة حلم الخلاص بالعودة إلى فلسطين في كافة الكتابات التاريخية والأعمال الأدبية التي كتبها اليهود.

لقد استخدم الصهاينة أداتين ثقافيتين غاية في الخطورة لتحقيق هدف ثيودور هرتزل باعث الحركة الصهيونية، وذلك لإحداث أكبر قدر من الضوضاء حول المعضلة اليهودية ومسألة ارض الميعاد. هاتان الأداتان هما التاريخ والفن، فالتاريخ يحمل مصداقية داخلية ذاتية تؤهله لأن يكون واحدًا من العوامل الحاسمة في تكوين المواقف والاتجاهات المبنية على ما يتوهم المرء أنّه من حقائق التاريخ، والفن سهل التسرّب إلى الوجدان. ولهذا نكاد نجزم بأنّ إدارة الرئيس الامريكى دونالد ترمب تعرف جيدًا استحالة إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفق الشرعية الدولية لعدم قدرتها على إلزام إسرائيل بها، لكنها تدرك أيضًا أن الطرف الفلسطينى المنقسم والعربي المترهل فى أضعف أوضاعه تاريخيًا، وهي فرصة تاريخية للحصول على تنازلات استراتيجية منه لصالح الطرف الإسرائيلي كتلك التى حصلت عليها في اتفاق أوسلو الذي لم تف به إسرائيل واستخدمت كل وسائلها للتنصل منه، وذلك من خلال اتفاق مشابه يكون بمثابة مرجعية دائمة وبديلة للشرعية الدولية في القضية الفلسطينية التي ستستمر لعقود قادمة دون حل نهائي.

فالبعد الثقافي قد طوّعته إسرائيل لخدمة الإعلان الصهيوني الذي يشبه إعلانات عن الشوكولاته، هنا الأخطر في المخطط الإسرائيلي محاولاتها بتمرير الرواية التاريخية الصهيونية للصراع تحت شعار تعزيز ثقافة السلام ووقف التحريض ومكافحة الإرهاب، وليتوج ذلك بالاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وهو ما يعني ببساطة أن يرفع الطرف الفلسطيني الراية البيضاء ثقافيًا وأيديولوجيًا للمشروع الصهيوني في فلسطين، ويتنازل في الميدان الوحيد المنتصر فيه دوليًا على مر عقود الصراع المريرة ألا وهو الميدان الثقافي الذي هُزمت فيه إسرائيل برغم قوتها ودعم الولايات المتحدة الأمريكية لها، وذلك بفعل رفض العالم بأسره لروايتها التاريخية والمزعومة والأسطورية للصراع.

وهنا علينا أن ننتبه أن أسرائيل تدرك جيدًا أن طبيعة صراعنا معها هي أيديولوجية ثقافية بالأساس، وتدرك أن نجاح المشروع الصهيونى منوط به استسلام الطرف الفلسطينى ليس عسكريًا أو سياسيًا بقدر ما هو ثقافيًا، وترى إسرائيل اليوم أن الوقت مناسب لفرض الاستسلام الثقافي والأيديولوجي على الطرف الفلسطيني وهو ما تجلى في زيادة قضايا التفاوض لتشمل التحريض على العنف والإرهاب وتغيير المناهج الفلسطينية طبقًا للرغبة الإسرائيلية.

واليوم يظهر أنّ إسرائيل قد نجحت نوعًا ما في توظيف الثقافة لخدمة مصالحها، لا سيما بعد ظهور بوادر التطبيع السرّي والعلني. ويبدو أن الزمن المتاح لنا للتعاطي مع هذا التطبيع وتحديد أسلوب التعامل معه، والموقف منه، ليس زمنا مفتوحًا بل هو أقصر مما نتصور. فالتحرك السياسي الجاري في المنطقة، وعلى الصعيد الدولي يوحي بأن حلًا ما أصبح على الأبواب، أو هكذا يقول المنغمسون في العملية السياسية، ويجري تقديم هذا الحل بشكل احتفالي، ويطلق عليه وصف الإنجاز ضمن المقاييس والموازين القائمة عربيًا وإقليميًا ودوليًا. وبغض النظر إن كانت كلمة الإنجاز هي الوصف الملائم الذي يمكن إطلاقه على هذا الحل، وبغض النظر عن أن أي إنجاز فعلي يتحقق لشعب فلسطين بعد كفاحه الطويل وصبره المرير سيحظى بالترحاب اللائق من أبناء الشعب العربي كافة.

في الختام، نجحت إسرائيل في ضخّ مئات الكتب عبر سنوات عديدة تروّج لفكرة الثقافة الإسرائيلية لدولة إسرائيل وقد رصدت لذلك ميزانية رهيبة تعمل على تلميع صورة إسرائيل في الخارج، كلّ هذا وآخر النسب تقول بأنّ المواطن العربي يقرأ صفحتين في السنة مقابل أربعين كتابًا للمواطن الإسرائيلي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد