حين نتحدث عن ثقافة التدين في الجزائر نتحدث عن سلوكات موجهة من طرف منظومة قيمية بغض النظر عن ما تصدر عنه تلك المنظومة وبغض النظر عن انسجامها مع شروط الاستحقاق المطلوب شرعًا والمبرئ لذمة الإنسان المسلم أمام ربه سبحانه وتعالى.

طبعًا معالجة مثل هذه الإشكاليات صعبة ولا يمكن أن تقارب في دراسة أو دراستين فضلًا عن مقال أو مقالين فهو موضوع يرتبط بنمط ثقافي سائد متغلغل في اللاوعي بالنسبة لغالب عموم الشعب الجزائري على الأقل في المدن والحواضر الكبرى التي تتميز بكثافة سكانية عالية. كذا فإن مشكلة الثقافة عمومًا مرتبطة تلقائيًا بسيكولوجية الفرد الجزائري المزاجية وتاريخه الصراعي الذي عايشه منذ فجر التاريخ إلى اليوم، وكذلك المؤسسات التربوية ونمط التعامل الأسري وأخيرًا نوعية الخطاب الديني الذي يتلقاه أضيفت إليها مؤخرًا وسائط التواصل وفضاء الإنترنت المفتوح، وهكذا فإن هذا المزيج حدد بشكل كبير هذه النزعة الثقافية والتي ساهمت في توجيه السلوك وما الشأن الديني في الجزائر إلا تجلٍ مظهري لهذا المزيج الذي طبع بطابع الحدية والعنف بسبب معطيات مختلفة كما وضحنا سابقًا.

ومن خلال هذه المقالات بحول الله سنحاول تحليل ما يتعلق بثقافة التدين في الجزائر من خلال استمداد شيء من المظاهر الاجتماعية التي ترتبط بأبعاد مختلفة انطلاقًا من الشعائر والعبادات إلى المعاملات وحتى العادات والأعراف التي تختلف من منطقة إلى أخرى بحكم سوسولوجيا كل منطقة ثم عدم الاكتفاء بتحليلها ظاهريًا والحكم عليها سلبًا أو إيجابًا وإنما بالنفاذ إلى أعماق تلك الظاهرة واستجلاء القيمة التي توجهها بل والمعطيات التي سمحت لتلك القيمة بالتشكل في ذهنية عموم الجزائريين. وفي هذه المقالة بحول الله تعالى سأجتهد في توصيف ظاهرة أصبحت تتزامن مع شعيرة دينية إبراهيمية ومحمدية.

إنها شعيرة نحر الهدي يوم عيد الأضحى امتثالًا لسنة النبي صلوات ربي وسلامه عليه، ورغم أن حكم الأضحية عند جمهور السادة المالكية والشافعية والحنابلة سنة مؤكدة للقادر عليها إلا أن الحرص من عموم الناس على شراء الأضحية وحالة الاستنفار المجتمعي قبيل أيام من عيد الأضحى خصوصًا في الحواضر الكبرى يلفت الانتباه. فهل ازدحام الناس على أسواق المواشي وشراء اللوازم الخاصة لعملية النحر وبعد طفرة التواصل الاجتماعي أصبحت الأسرة الجزائرية تباهي نظيرتها بحجم وشكل الأضحية مقارنة بمثيلاتها، واحترف بعضهم تصوير أبنائه مع تلك الأضحية في نزعة لا تدل على أن المقصد الأساس من تلك الشعيرة هو التدين بالتعبد والامتثال لسنة النبي وإنما هي أقرب للفلكلور الاجتماعي مثله مثل سائر المجتمعات الإنسانية الأخرى التي تمتلك فلكلورًا شعبيًا يعكس ثقافتها وهويتها، إلا أن الفلكلور شيء والتدين شيء آخر فالبعد التقديسي يكاد يزول عن هذه الشعيرة بسبب ضياع بوصلة الضمير الجمعي التي تفرق بين العادة والعبادة، ولم تعد الخطب الجمعية ونصائح الأئمة والدعاة وبيان الفقهاء تصلح لرد الضمير الجمعي لنصابه فالإشكال إذن ليس معرفيًا وإلا لكان زال بشيء من التوعية والإرشاد والتعليم خصوصًا في زمن تتوافر فيه المعلومة بشكل سلس وسيال يكاد يلامس كافة الشرائح متعلمهم وأميهم.

الإشكال يتعلق في نظري بنزعة مظهرية شكلانية بسبب الفكر المادي الذي سيطر على غالب المجتمع الجزائري خصوصًا بعد الطفرة المالية في مطلع القرن الحادي والعشرين حيث خرج المجتمع من عصر كانت فيه الطبقة المتوسطة هي الغالبة والتي تنتمي إلى فئات عمال الشركات والمؤسسات الحكومية إلى عصر بزغت فيه فئة الطبقة البرجوازية الثالثة (أصحاب الفلل التي تحتوي في غالبها على محلات كراء أو تجارة) والطبقة البرجوازية الثانية (أصحاب الوظائف المرموقة والتي يكون أجرها القاعدي مرتفعًا أو أصحاب المشاريع الاستثمارية المتوسطة) أما الطبقة البرجوازية الأولى فمستثناة لأن التدين غالبًا ما ينتشر في كلتا الطبقتين دون الأخيرة فهذه الطبقات رسخت قيمة حب التمظهر بمظاهر تعكس بذخها وترفها وليس فقط في الفضاء الديني بل الفضائات الأخرى تتجلى فيها هذه النزعة الشكلانية.

فنجد أن هذه الطبقات تجتهد في إقامة حفلات الزواج في أفخم القاعات وتكتري السيارات الفخمة وتنفق الأموال الطائلة في شراء المفرقعات فقط لتعبر عن فرح بزواج معين داخل هذه الأسرة أو تلك، وهذه النزعة أصبحت تحاكيها كثير من الأسر الجزائرية مقلدة في حالة لاوعي جماعي طبعًا في ظل هذه المزاجية يمكن تفسير تلك الظواهر المصاحبة لعملية شراء الأضحية والتي تطرد انعكاسًا مع ارتفاع الأسعار وانهيار القدرة الشرائية للمواطن المنتمي للطبقة المتوسطة التي تكاد تختفي، فالأمر أساسًا متعلق بنزعة مظهرية شكلانية تسيدية تحركها فكرة مادية عدمية سيطرت على الوعي الجمعي للمجتمع في غالبه وليست قضية معرفة أو توجيه بوصلة نحو المعاني الحقيقية لشعيرة الأضحية، وإلا فإن شعائر أخرى مصاحبة لهذه الشعيرة لا يكاد يحرص عليها الجزائري مع معرفته بها منها الحضور للصلاة وترك الأكل صباحًا بل بعضهم لا يصلي أصلًا ويحرص على اقتناء الأضحية هنا يظهر الفرق جليًا فالأضحية تتعلق بالقدرة المادية أما بقية الشعائر المصاحبة لها فتتعلق بالجانب التعبدي المحض.

هذا يفتح الباب نحو مناقشة الإشكالية الأساسية في المقال، وقد خصصت لها فقرة مستقلة في سياق هذا المقال ألا وهي ظاهرة نطاح الكباش. الكباش وهي غالب الأبدان التي يقتنيها الجزائريون للقيام بشعيرة عيد الأضحى مثلهم مثل عموم المجتمعات العربية إلا أن المجتمع الجزائري يتفرد بظاهرة غريبة حقيقة لا تتسق مع أي معنى ديني تعبدي أو حتى عرفي اجتماعي. ظاهرة شاذة تنتشر بشكل سريع وشامل لفئات عمرية أوسع. نتحدث عن مقابلات تجري في الأحياء الشعبية غالبًا بين الأفراد وأحيانًا الأسر التي تقتني في الغالب كبشين أو ثلاثة لتخصص أحدها لمسابقات النطاح وترصد مبالغ مالية ضخمة للكبش الفائز.

وفي تقديري أن هذه الظاهرة ليست ذات صلة بالمعنى الديني وإن تلبست به إلا أنها أيضًا تجلٍّ لقيمة أخرى لا علاقة لها بالبعد التديني أصالة. إنها نزعة البدائية التي تطبع كثيرًا من مجتمعات العالم الثالث النامي ولها عدة تجليات في مجتمعنا منها الجهوية ومنها القبلية (العروشية) ومنها العرقية ومنها المذهبية، وهذه النزعة غالبًا ما تتسم بالتعصب للجهة أو العرق أو القبيلة وهذه النزعة البدائية المتمظهرة في نطاح الكباش نوع من التعبير الجماعي اللاواعي عن المكبوتات التي تعاني منها عموم الطبقة المتوسطة (شبابها خصوصًا) تحاكي ظواهر عنف لاواعي أخرى (حالات القتل والتكسير داخل مدرجات الملاعب في حالة خسارة منتخب المشجع) أو (استعمال الكلاب أو المفرقعات أثناء المواجهات بين الشبان والشرطة في الأحياء الشعبية) أو (إطلاق الرصاص الحي أثناء الأعراس وهذه ظاهرة مشرقية لم تنتشر بعد في الجزائر) فكل هذه التمظهرات نوع من التعبير عن الرفض اللاواعي لتحيد المجتمعات عن المشاركة في إدارة الشأن العام ومنه تهميش العنصر الفعال في المجتمع بأثر رجعي وهو عنصر الشباب جوكر مظاهر العنف هذه كلها.

الاستفصال في بيان وتوضيح الموقف الشرعي من هذه الظاهرة (نطاح الكباش) وإن كان ضروريًا لكنه ليس الحل في ردع مثل هذه السلوكات وإلا فإن نفس المقاصد الشرعية (النفس/ المال/ العرض) تساق في تحريم ومنع ظواهر أخرى أخطر على الاستقرار الاجتماعي لكنها تزداد اطرادًا كل عام مما يدل على أن الأمر له علاقة بثقافة بدائية تغلغلت في المجتمع تتمظهر في سلوكات تخالف قانون السلامة العامة، وأخرى تصادم المقاصد من التدين، وأخرى تصادم العرف الاجتماعي المقبول وهكذا. فالقضية بالنسبة للمجتمع الجزائري قضية تحول من نمط البدائية إلى نمط المدنية الحقيقية وإلى ذلك الحين فإن الحل الفعال بيد السلطة التنفيدية والتشريعية فينبغي وضع ردع قانوني مناسب لمثل هذه السلوكات والحال هنا (نطاح الكباش) وإلا فإن الاتكال على تكوين مجتمع مدني حقيقي وفعال يحتاج وقتًا طويلًا جدًا وله علاقة بالتربية الأسرية والمدرسية وهذه بذاتها في حال تدافع وشد وجذب.

حاولت في هذه المقالة بقدر الطاقة النفاذ إلى عمق مثل هذه السلوكات المرتبطة بثقافتنا الدينية في المجتمع الجزائري محاولًا تفسير النزعة والقيمة التي تحركها والحال هنا (نطاح الكباش) وما يتعلق بشعيرة عيد الأضحى وسأفرد في مقالات أخرى بحول الله بالتحليل لسلوكات مرتبطة بالثقافة الدينية للمجتمع الجزائري والله المستعان وبه التوفيق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد