لا تقوم الحضارات فقط على الأنظمة الإدارية في الصحة والزراعة والتعليم والصناعة، بل يجب أن يكون هناك فكرة ملهمة تكون بمثابة الغذاء الروحي للحضارة، يجب أن يكون هناك حلم وغاية أسطورية مشتركة تعبر عنها كتابات الأدب وقصص تلك الحضارة.

لو أردنا أن نبعث الحضارة المصرية من رقادها الطويل فلا بد من أن نحيي أفكارها الأساسية وتصوراتها عن العالم.

لو نظرنا لأهم أثر تركته خمسة حضارات وهي الصينية واليونانية والرومانية والإسلامية والمصرية القديمة سنجد أن كلتا الحضارتين اليونانية والرومانية تفردت بإنها تركت لنا المسارح والملاعب (حيث ألعاب السيرك والمصارعة حتى الموت) هذه حضارة تحب حياة المتعة والتسلية واللعب والإثارة، نعم تركت بعض المعابد، ولكنها تفردت بترك المسارح والملاعب بمدرجاتها كمقاعد للجمهور بينما لم تترك أي من الحضارات الأخرى تلك المباني، ولو نظرنا للحضارة الإسلامية لوجدنا أنها تركت فقط المساجد والقلاع الحربية ولم تترك لنا أي مسرح أو ملعب للمصارعة حتى الموت أعتقد أن هذه حضارة تحب الدين والعبادة في صورة الصلاة، وليست هي الحضارة الوحيدة التي خلفت قلاعا، ولكنها تفردت بإنها خلفت كما هائلا من المساجد والمآذن بكل الأنماط والطرز المعمارية أكثر من أي حضارة أخرى.

أما الحضارة الصينية فقد تركت لنا سور الصين العظيم، وهذه وظيفته دفاعية وتدل على أنها حضارة دفاعية جدا وشعبها حذر (يأخذ احتياطاته) ويخشى الغزو، ولكن  دعونا ننظر للحضارة الفرعونية الفريدة، فقد تركت شيئا مختلفا لقد تركت الأهرامات، وهذه وظيفتها أنها مقبرة وهذه حضارة تحب الموت جدا، وتحب ذكره بشكل اتفق عليه كل المؤرخين، وتواتر عن كل أزمنتها؛ ففي الدولة الوسطى بنوا الأهرام، ثم بعد ذلك لما سرقت كنوزها، تعلم الفراعنة الباقين الدرس، وبنوا وادي الملوك ووادي الملكات، وفيها مقبرة توت الشهيرة، هذه حضارة لم تبن القصور، ولكنها شيدت القبور تشييدا، هذا شعب يحب الموت، ربما كان الموت والعمل للحياة الآخرة، وأن الدنيا دار فناء؛ لذا سنبني بيوتنا من طين وقبورنا من أفخر الحجارة، هو الهاجس المسيطر على تلك الحضارة

ما سبق ليس ملاحظة عابرة عن الحضارات، ولكنه دليل يخبرنا عن الفكرة الثقافية التي قامت عليها كل حضارة وعن التوجه شديد الاختلاف بين حضارات غنية بالحانات وبيوت الدعارة والملاهي والخمر (الدعارة فعل غير مستهجن بالحضارتين اليونانية والرومانية) والألعاب السادية (المصارعة حتى الموت) وبين حضارة قائمة على الوضوء خمس مرات باليوم وارتياد المساجد خمس مرات وجمع الزكاة وصوم رمضان وتجريم الزنا وقطع يد السارق وحفظ القرآن والحديث والسنة وتأليف كتب الشرح والتفسير.

وبين حضارة لشعب آخر متدين جدا (أشد الشعوب تدينا الشعب المصري وفق دراسات يمكنكم البحث عنها) ولكنه له فلسفته المختلفة قائمة على التركيز على جوانب أخرى للتدين كذكر الموت كثيرا للتزهيد في الحياة والتباهي بعدم الوقوع في الأعمال الفاسدة أخلاقيا (اقرأ نقوش أي مقبرة مصرية أو كتابات قدامى الحكماء المصريين كالحكيم آني والحكيم إم حتب) و الاعتدال في الأخذ من مباهج الحياة بالزاوج وأكل الطعام الطيب (لم يعرف عن المصريين السكر وشرب الخمر بصورة شائعة) والعمل بجد والدفاع عن الوطن والعدل والإيمان العميق باليوم الآخر، وأننا محاسبون على ما نفعل في الحياة الدنيا بعد الموت، وبعودة الروح والبعث بعد الموت ووزن القلب أمام ريشة؛ فإن ثقل القلب فلأنه مفعم بالأعمال الصالحة والإيمان، وعندها يدخل الجنة وإن خف فلإنه اتبع الهوى وضل وخاب وحينها يدخل النار.

ما هذا؟ هل هذا درس في الدين الإسلامي هؤلاء الفراعنة كانوا على درجة من تذكر الآخرة أكثر من المسلمين أنفسهم وعلى تحري الحلال والعمل الصالح والبعد عن الرذيلة أكثر من كثير من المسلمين، وكانوا يكتبون كل أعمالهم الصالحة على جدران المقابر، ويعتذرون عن العمل السيء حتى لا ينسوا أي عمل صالح عند الحساب أو حتى تراها الكائنات الفوقية المكلفة بحسابهم، وهذه الكائنات أشبه جدا بدور الملائكة في الدين المسيحي أو الإسلامي، كمالك خازن الجنّه والنار ومنكر ونكير ملكي سؤال القبر وعزرائيل ملك الموت وجبريل ملك الوحي وملك آخر ربما لا نعرف اسمه ولكنه ملك السحاب وملك الرياح وملك البحار وربما مع طول الأمد اختلط الأمر لدى أجيال منهم، وظنوا تلك الملائكة أربابا أو أعطوها صفة ربوبية.

هل تريد أن تخبرني أن هذا من فعل البشر وأن المصادفة اتفقت مع وحي السماء للنبي محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة والتسليم وعلى آله وصحبه أجمعين، واتفقت في بعض الجوانب مع بعض روايات الإنجيل عن الحساب والبعث.

ولماذا كانوا يذكرون أوزوريس الذي ذكره القرآن باسم إدريس، وقد روي أنه أول من خط بالقلم وعلمه الله الكتابة، ولا تنس أن أقدم كتابة معروفة هي الكتابة المصرية القديمة.

القصد أن المصريين القدماء كان لهم رسل (وما من قرية إلا خلا فيها نذير) وقد أطاعوهم ثم نسوا، وانحرفوا عن التوحيد، وعددوا الآلهة مع الوقت، لكنهم بقيت فيهم آثار تلك العقيدة الأولى، وأفكارها، وبقي تصديقهم الأول لها، وانصياعهم وطاعتهم لأنبيائم واضحة في نقلهم لحكايات الموت والبعث جيلا تلو جيل على مدى أربعة آلاف سنة من الحضارة الفرعونية، وإلا لو كانوا كفروا بها لكان ظاهرا ذلك في طقوسهم واستهزائهم بها، ولما علموا أولادهم منها شيئا، وما كانت الأجيال لتتناقلها، وتذكرها بشيء من التقديس ثم أنهم كانوا بحق قرية آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا ولم يكن ذلك عن كفر بل عن شكر للنعمة.

دعنا نستمع قليلا لنصائح الحكيم آني (مقتبس من مصادر متعددة)

من أقوال الحكيم آنى      

منذ ثلاثمائة وثلاثة آلاف سنة تقريبا في عهد فرعون مصر العظيم ((توت عنخ آمون)) عاش حكيم مصرى اسمه ((آنى)) وقد كتب عدة نصائح لتلميذه ((خونسو حتب)) .

وهى نصائح مكتوبة باللغة الهيراطيقية، وتقع في تسع صحائف من ورق البردي، عثر عليها في سنة 1870 في إحدى مقابر الدير البحري، وهى محفوظة بالمتحف المصري، وقد ترجمت إلى معظم اللغات الحية، وقد اشتهرت تلك النصائح باسم ورقة ((بولاق)) لأنها حفظت بالمتحف المصرى يوم أن كان في ((بولاق)) وتشتمل تلك الصحائف على خمسين نصيحة، نقتطف منها النصائح الآتية:

#  أخلص لله في أعمالك لتتقرب إليه، وتنالك رحمته وتلحظك عنايته؛ فإنه لا يحب من توانى في خدمته .
#  صن لسانك عن مساوئ الناس، فإن اللسان سبب كل الشرور. وتحر محاسن الكلام، واجتنب قبائحه، فإنك ستسأل في الآخرة عن كل لفظ، والزم الصمت إذا لم يكن داع للكلام .
#  خلق الله لك أما، كابدت المشقة حين حملتك، وولدتك، وأرضعتك، ثلاث سنوات، وربتك ولم تأنف من فضلاتك، ولم تسأم معاناة تربيتك، ولم تكل أمرك لغيرها، وكانت تبر معلميك وترضيهم ليعتنوا بتعليمك، فاحترمها وارعها ولاتغضبها، لئلا ترفع يديها بالدعاء عليك، فيستجيب الله دعاءها .
# اسلك سبيل الخير والاستقامة تصل إلى الرتب العالية .
# لاتيأس إذا فاتتك فرصة، وترقب غيرها .
# ليست السعادة بالثروة وحيازة الأموال، وإنما هى في التمسك بالفضيلة.
# إذا وليت منصبا فأظهرت براعتك فيه، وأهل نفسك لما هو أرقى .
# لاتكن شرها، فإن الإنسان لم يخلق ليأكل، بل يأكل ليعيش حياة طيبة .
# كن يقظا منتبها لأعمالك، واحذر التهاون، فإن التهاون عاقبته الخيبة والفقر .
# ضاعف مقدار الخبز الذي تعطيه لوالدتك واحملها كما حملتك. لقد كان عبؤها ثقيلا في حملك، ولم تتركه لأحد قط، وحين ولدتك حملتك كذلك ثانية بعد شهور حملك وقد أعطتك ثديها ثلاث سنوات، ولم تشمئز من برازك، ولم تكن متبرمة، ولم تقل يوما (ماذا أفعل أنا ؟) ولقد الحقتك بالمدرسة عندما تعلمت الكتابة، وقد وقفت هناك يوميا بالخبز من بيتها ،وحينما تصبح شابا وتتخذ لنفسك زوجة، وتستقر في بيتك اجعل نصب عينيك كيف وضعتك أمك، وكيف ربتك بكل الوسائل. فليتها لا تضرك بألا ترفع أكف الضراعة إلى الله وليته لا يسمع عويلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد