ككل مجال آخر خضعت الثقافة هي الأخرى لتأثيرات ثورة يناير، فلم يمر المشهد الذي يطمح لخلق أفق سياسي جديد يتخلص من الاستبداد دون أن يحدد تصوراته عن المواقف التي ينبغي على المثقف اتخاذها.

 

رُسِمت صورة للمثقف لا تعتمد بالأساس على تخريجات المعاجم أو تعريفات الفلاسفة، والأهم لا تنشغل بدعاوى موضوعية المثقف وعقلانيته، بل تنطلق من واقعة الثورة وتنشغل بإدماج الثقافة في أفق قيمي يحتم على المثقف الوقوف في جانب المنسي والهامشي. وفي مواجهة السلطة، في هذا السياق تم مركزة صورة المسيري مواجهًا عساكر الأمن في أحد المظاهرات رغم المرض والسن لتمحي من الأذهان ذكرى صور مثقفي حفظ السلم العام وتهدئة الجموع! – قطعا لا يتعلق الأمر بطه حسين فقط-.

 

لكن هذا الطريق الذي حُدد للمثقف كي يمشيه، بدا وكأنه يتعارض مع ما كان يأمل فيه هذه المثقف نفسه بعد الثورة، فبعد سنوات طويلة من سيطرة السياسة على الثقافة، وتحكم مشاريعها في آليات إنتاج المعرفة وفي تحديد وجهتها، كان المثقف يطمح – على عكس ما يراد له- في تحرير المعرفة من السلطة، في تحقيق استقلال نسبي للثقافة من السياسة وانشغالاتها.

 

لم يكن هذا هروبًا أو إيمانًا بصوفية ثقافية بقدر ما هو طموح لحل مشكلة قديمة قدم نشأة الثقافة العربية ذاتها، فلو اكتفينا بالعودة إلى النهضة العربية الحديثة، فإننا نلحظ بكل وضوح سيطرة المشروع السياسي على خطاب النهضة بكل أطرافه، السلفي والعلماني.

 

إن السياسة كانت معضلة النهضة، وبلفظ أدق كانت الاستبداد، وبذكاء كبير يلاحظ أومليل في كتابه عن الإصلاحية العربية أن مركزية التعليم ونقل المعارف والعلوم عند المفكرين العرب المحدثين هو ذاته كان مستوعبًا تمام الاستيعاب داخل السياسة.

 

ليس فقط لكون “التربية” لم تكن سوى الطريق الوحيد للوصول لمرحلة حكم الناس لذاتها، والتخلص من الاستبداد بعد فشل حل عرابي من وجهة نظر المصلحين.

 

بل بسبب تحول العلم نفسه لتربية، والتعامل مع العلم كسلطة توازي السلطة السياسية والسلطة الدينية، بدلاً من تفتيتهم كما يرى غليون، بهذا يتجلى الأثر الكبير للمركزية التي أعطيت للمعضلة السياسية على المجال الثقافي، بدلاً من كون العلم والمعرفة طريق لتحرير العقل من التسلط. وجذوره المعرفية تشكل مجال الثقافة نفسه كمجال لإعادة إنتاج هذا التسلط.

 

لهذا فطبيعي للغاية أن تكون معضلة تحرير الثقافة من السياسة أحد أهم الأولويات في مراجعات ونقود خطاب النهضة، والتي تمت فيما بعد هزيمة يونيو 1967، هدف هذا التحرير هو التخلص من سيطرة آليات السياسة على المعرفة، والإعلاء من شأن الفهم لا الضبط، والحوار لا الفرض والتربية، والخلق لا النماذج الجاهزة.

 

بهذا يكون السؤال المحير المفروض على المثقف إجابته بعد مشهد يناير، هل على المثقف العمل على تحرير مجاله الثقافي من قبضة السياسة ليضمن استقلال المعرفة؟ أم عليه – بالعكس- الانخراط في السياسة لمواجهة الاستبداد السياسي، معيدًا بهذا مغامرة أسلافه، مقامرًا باستقلال المعرفة على مائدة التربية؟

 

هذا السؤال الذي طالما أثير بعد الثورة، بل وفي كل مشهد من مشاهدها هو من نوع الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عليها، ليس لصعوبتها بل للمغالطة الكامنة في صياغتها بالأساس.

 

هذه المغالطة في الصياغة والتي تحصر الإجابة في صيغة إما الثقافة أو السياسة تستبطن الرغبة في عدم النزول لأرض السياسة، بالطبع من أجل المعرفة!

 

يضيف المثقف إلى جانب التأكيد على كون استقلال المجال الثقافي هو الوسيلة لتحريره من سيطرة الآليات التي اقتحمته نتيجة مركزة المعضلة السياسية، وأعادت إنتاج الاستبداد داخله، كون استقلاله لا يعد هروبًا من نقد الاستبداد، بل هو النقد شديد الجذرية له، فهو نقد ينشغل بالجذور المعرفية العميقة للاستبداد، ولا يحصر نفسه في نقد نظام ما أو شخص بعينه.

 

تكمن المغالطة في صياغة السؤال وفي تلك الإجابة المحددة سلفًا التي أفضت إليها هذه الصياغة، في تجاهل الارتباط العميق بين عدم استقلال الثقافة عن آليات السياسة وبين الأفق الذي تتحرك فيه الظاهرة السياسية العربية أي الاستبداد.

 

حيث إن الاستبداد والذي يعني عدم تأمين أي أفق للمشاركة السياسية وللتعددية الحزبية نتيجة مصادرة المجال السياسي لصالح ثنائية إمامة/ فتنة، نظام/ فوضى، لا يستطيع التعايش إلا مع إطار ثقافي تشيع فيه آليات الضبط والتلفيق، والتحرك بين النماذج الجاهزة، وتصور امتلاك الحقيقة المطلقة، وعدم توفير فضاء معرفي يؤمِّن تعددية فكرية حقيقية خارج ثنائية حق/ ضلال، سنة/ بدعة، تنوير/ جهل.

 

تجاهل هذا الارتباط بين تحرير المعرفة من السياسة وبين تحرير السياسة من الاستبداد سينتهي بالمثقف الذي يرفع شعار النقد المعرفي ويظن أن استقلال المجال الثقافي هو قرار يأخذه المثقف وحده، وكأن واقعه يختلف عن الواقع الذي تسيطر عليه السلطة بالوقوع في الثنائيات التي يحددها أفق السياسة كاستبداد للمعرفة، مثقف السلطة/ الفنان أو شاعر القبيلة/ الصعلوك، لضمان الاستقرار من أجل صيانة مجاله الثقافي من التحرك في التجربة التاريخية، وللقيام بمهمة نقد الجذور المعرفية سيقرر مثقفنا الانحياز لطرف الثنائية الأول، حينها ستوكل إليه مهمة الدفاع الدائم عن النظام والضبط في مقابل الفتنة؛ ليعيد بهذا كل آليات الثقافة المخترقة ببنية الاستبداد والتي يدعي التحرر منها!!

 

فلا يمكن تحقيق الاستقلال للمجال الثقافي وتحرير المعرفة من آليات السياسة إلا بطرح أفق السياسة كاستبداد للنقد، بمعنى الخروج من ثنائيات الظاهرة السياسية العربية والوقوف على حوافها للتساؤل حولها.

 

وهو الفعل الذي تقوم به الثورة، فالثورة كما يقول عزمي بشارة فعل حديث يجرد النظام السياسي القائم من القداسة ويمهد لتجاوزه، هذا يعني انفجار المغالطة التي قام عليها سؤال التخير بين السياسة أو الثقافة، حيث إن تحرير الثقافة من السياسة مرتبط بالفعل الذي يخلق أفقًا سياسيًّا جديدًا.

 

بهذا يبدو أن القضية التي جعلت أسلافنا يعيدون إنتاج الاستبداد داخل المعرفة، لم تكن هي مركزية معضلة السياسة في خطابهم، بقدر ما كانت تحرك إجاباتهم داخل أفق وحيد هو أفق السياسة كاستبداد، وهو ما أدى لانحصار الحل السياسي في تقييد الاستبداد أو في الاستبداد المستنير دون محاولة تجاوزه لعدم القدرة على تصور أفق سياسي آخر كما يرى العروي.

 

ولعدم قدرة مثقفينا على التفكير خارج هذا الأفق أيضًا فإنهم مازالوا يقومون بإنتاج الأوهام، ما يزال حيًّا وهم انحياز الدولة للتنوير.

 

كأن تلفيقية الدولة وتحديثها القشري مجرد انحراف وليس شيئًا جوهريًّا في بنيتها، حيث إن التنوير الذي يعني رفع الوصاية وحكم الناس لا يعني سوى نهاية هذه الدولة بخاصة، ونهاية حكم نخبها القائم على انعدم الشرعية.

 

فإذا أفاق المثقف من وهم انصياع الدولة المستبدة لتنويره فإنه يخلق وهمًا آخر عن إمكانية الاستقلال المعرفي، وإنعاش قيم الحوار والفهم، والخلق من داخل أفق الاستبداد السياسي القائم نفسه!!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المسيري, ثقافة
عرض التعليقات
تحميل المزيد